الحجّ

عائلة إفريقيّة مؤّلفة من أبٍ وأمٍّ وولدٍ وفتاة تودّعُ قبيلتها التي حلّ بها القحطُ، قاصدةً الطريق إلى مكّة.
الأبُ يصطحبُ معه طائراً بريّاً جميلاً كهديّةٍ إلى الله والأمّ حصيرة بيتها..الولدُ يحملُ أزهاراً بريّةً مقتلعةً من الجذور، والفتاة مشط شعرها..


وعندما تبدأ العائلة بتوديع القبيلة وطلب الغفران منها، يقوم كلّ فردٍ بإرسال السلام إلى الله وهديّةٍ إليه..أحدهم يهب مكنسةً لأجل الله وآخر جواربه المثقوبة وثالثٌ يهب وعاءه الخاوي..وهكذا كلّ شخصٍ يهبُ شيئاً ما..أشخاصٌ كثيرون وهبوا أزهاراً بريّةً.. وطفلٌ مدرسةٍ كتب رسالةً إلى الله يقول فيها : "مرحباً يا ربُّ، نحن لا نستطيع المجيء إلى بيتك، بيتك بعيدٌ جدّاً..تعال أنت إلى بيتنا.".


وعندما ابتعدت العائلة الإفريقية عن قبيلتها بدت تلوحُ متواريةً تحت حجم الهدايا التي يحملونها إلى الله..
من الجانب الآخر يقوم مخرج أفلامٍ وثائقية، وهو ألمانيٌّ مُسلم، بتوديع زوجته وأصدقائه في مطار فرانكفورت ويركب الطائرة المتجهة إلى مكّة ليقوم بتصوير طقوس الحجّ.
وفيما هو يقوم بأداء مناسك الحج يقوم بتسجيلها وتصويرها أيضاً..أحياناً يلفت نظره مشهدٌ ما ولكن بسبب مشاكل معيّنة لا يستطيع تسجيل ذلك المشهد وأحياناً أخرى يفلحُ في ذلك..
يقوم المخرج باستئجار أحد الأشخاص كحمّالٍ ليحضر له معدّاته وأغراضه، ولكن نظراً لأنّ إعطاء الأوامر للآخرين أمرٌ محرّمٌ في الحجّ، فإنّه يجد نفسه في مواجهة مشاكل أخرى جديدة..
العائلة الإفريقية قطعت مسافةً طويلة، أزهارها ذبلت والطائر يشرفُ على الموت..
وبعد مُضيّ وقتٍ طويلٍ من العطش الشديد على مسيرها عبر الصحراء المتشقّقة من الجفاف، تعثرُ العائلة على بقعة صغيرة من الماء بمقدار راحة يدٍ، كانت متبقيّة من ماء المطر..وأوّل ما فعلوه أن قاموا بإرواء طائر الله ومن ثمّ وضعوا جذور الأزهار في الماء ثمّ  غمسوا إصبعهم فيها وتوضؤوا للصلاة ثمّ قاموا بمسح ألسنتهم بالماء لكسر العطش..
 
–    المَشاهد المتعلّقة بمسير العائلة الإفريقية تُعرض بشكلٍ قصيرٍ ومتوازٍ مع مناسك الحجّ التي تعبّر عن رؤية المخرج الوثائقيّ..

شيئاً فشيئاً تتخلّف العائلة الإفريقية عن أداء فريضة الحجّ، وعندما تقترب مناسك الحجّ من نهايتها تكون العائلة الإفريقية في حال نزاعٍ مع الموت بفعل العطش والجوع..أزهارهم جفّت والطائر – ومع أنّه حرّ – فهو عاجزٌ عن الطيران..

مُخرجنا الوثائقيّ الذي تابعنا معه مراسم الحجّ، والذي تعتريه أحياناً نشوةٌ عارمةٌ لما قام به من تصويرٍ مديدٍ لطقوس الحجّ ومناسكه، يعتزمُ الآن تصوير أحد المشاهد النّهائية لها. .النّاس يقومون بالطواف حول الكعبة، وهو يتهيّأ لإعداد كاميرته ومن ثمَّ يضع عينه خلف العدسة، ولكنّه يرى فجأةً أنَّ الكعبة ليست في مكانها..
 
في الجانب الآخر، يبدو أنّ الكعبة قد قدِمت إلى الصّحراء وبدأت تطوفُ حول العائلة الإفريقية حتّى بدأت الأزهار الذابلة تتفتّحُ من جديد ..والطائرُ همَّ بالتحليق وبدأت الحروف تمّحي من رسالة ذلك الولد..
 

محسن مخملياف – شتاء 1993 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق