الحداثة كأفق مشترك بين الثقافتين العربية والغربية – عبد الإله بلقزيز

يجد كثير من الباحثين عن وجوه المفاصلة والقطيعة بين الثقافة العربية والثقافة الغربية العدد الوفير من القرائن الدالة على التمايز بين الثقافتين. إن لديهم في خطاب الاصالة ومفرداته ميدانا خصبا لذلك البحث، حتى انه في وسعهم ألا يبذلوا جهدا في تبيّن الظواهر الدالة على تلك العلاقات لانها ظواهر ناطقة وفاضحة في وضوحها.

غير ان الوقوف عند حدود معاينة هذا الوجه من العلاقة بين الثقافتين، وحسبانه الوجه الوحيد والحصري منها، يخطئ إدراك تلك العلاقة في وجوهها كافة: في توترها وتناقضاتها وتمايز بعضها عن بعض.. يتحول ذلك النظر الاوحدي والسطحي والاختزالي لعلاقة شديدة التنوع والتركيب الى ما يشبه النظر الى الشجرة التي تخفي الغابة.. وهو، في هذه الحال، نظر ايديولوجي بامتياز، وبالمعنى الأسوأ والأحط للايديولوجيا كتضليل وطمس وتزييف للواقع ووعيه.

إذا امكن ان نسلّم بان القطيعة والصراع وجه من العلاقة التي تشد الثقافتين إلى بعضهما، وهو تسليم ممكن لانه صحيح، فان مما يضارع ذلك في الصحة والبداهة ان وجها ثانيا نقيضا من تلك العلاقة يفرض نفسه على كل قارئ نزيه في معطيات الثقافتين، هو التواصل والتفاعل، او -في الحد الادنى منه- الاشتراك في الكثير من القيم المؤسسية.

طوفان الرفض للآخر

لعل طوفان الرفض للآخر، وقد غمرنا من الجانبين، يكاد يطغى على كامل الصورة ويطمس المساحات المضيئة منها فيكرس انطباعا خاطئا بان علاقة الصراع هي الحاكمة للصلة بين الثقافتين.. وليس من شك في ان الاصوليات الثقافية من الجانبين، التي تتبادل الانكار وترسم الواحدة منها عن الآخر صورة نمطية في غاية السلبية والحبكة المشيطنة، ترفع اليوم صوتها عاليا حتى لا تكاد تسمع غيره، لكن ذلك -على فداحته وخطورة نتائجه- ليس عسيّا بتزوير حقائق معاصرة على درجة كبيرة من الرسوخ، ومنها حقيقة التواصل الثقافي بين عالمين ومنظومتين نجحا في الحديث بمفردات فكرية مشتركة، وفي تبادل القيم والرموز بعد طول انقطاع وتجاف.

جوامع كثيرة -لاشك- تؤلف بين الثقافتين الغربية والعربية -الاسلامية (خارج نطاق خصوصية اي منهما وهو مؤكدة) تحصّلت من تقارب فكري انتجته موجات من التفاعل، او من التأثير المتبادل، جرت بين مجتمعات ضفتي المتوسط خاصة، وكان التأثير الاوروبي فيها اقوى واظهر منذ البدايات: قبل ما يقل قليلا عن مائتي عام.. وإذ ندع جانبا امر قوة التأثير الاوروبي -ويفسره سبق فكري أحرزته اوروبا الحديثه قبل العالمين العربي والإسلامي منذ زهاء اربعة قرون، وما تحقق بسبب هذه الفجوة الزمنية من تراكم ثقافي في الضفة الشمالية للمتوسط- نشدد على الجوانب الانسانية والكونية فيه: التي تفيض عن جغرافية أوروبا والغرب، وترتفع عن معدل مضمونها القومي والاجتماعي الخاص. وهو تشديد ضروري حتى لا نخطئ فهم قيم الحداثة في الثقافة العربية المعاصرة فنحسبها -على نحو ما يفعل خصوم الحداثة- استلابا وتبعية لقيم مجتمعات اخرى.

فكر الحداثة عابر للثقافات

ان السعي في ترسيخ قيم العقلانية والحداثة في الفكر والاجتماع والتنظيم السياسي والدولة والحياة الاقتصادية، هو من تلك الجوامع التي لا يَعْسَر ملاحظتها، وهي القاسم الذي يمكنه ان يؤسس لشراكة ثقافية بين العالمين بما يوفر فرصا جديدة لتثمير وتعظيم تلك القيم، وتنمية نسيج ثقافي تواصلي.

لِقائلٍ أن يقول إن الانتصار للحداثة والعقلانية، في الفكر والاجتماع، ليس اتجاها غالبا في الثقافة العربية المعاصرة، بل سمة خاصة بتيار منها هو الاضعف جمهورا ونفاذ رأي وسعة انتاج.. وقد يزيد المستدرك على ذلك بالقول ان الغالب على مقالات الفكر العربي اليوم ليس الاحتفاء بالحداثة والانتصار لها والدفاع عنها ضد خصومها، وانما نقدها ونقد قيمها وتياراتها ومدارسها من عقلانية وتجريبية وعلمانية ووضعية وما شاكل، وللمستدرك المعترض نسوق ملاحظتين:

الأولى: ان نقد الحداثة والعقلانية خطاب متنام حتى داخل معقلها نفسه: الفكر الغربي، وليست مدارس ما بعد الحداثة سوى التعبير المعرفي المعاصر عن خطاب النقد ذاك. ومع أن الفارق كبير، بل خرافي، بين نقد قبل-حداثي وقبل-عقلاني، من نوع ذلك النقد الذي يجري في بعض اوساطنا الثقافية المنغلقة، ونقد بعد-حداثي وبعد-عقلاني للحداثة، إلّا ان ايا من النقدين -مع حفظ الفارق بينهما- ليس اكثر من تجذيف فكري ضد واقع راسخ في اوروبا والغرب، وجانح للرسوخ – يئا فشيئا- في المجتمعات العربية والاسلامية.. وفي الحالين، يحتل نقد الحداثة والعقلانية، هنا وهناك، اعترافا بوجودها، وما تجسده من تحديات..

بين الممانعة الواعية والرفض الأعمى

وهكذا، اذا كان نقدها في مجتمعاتنا يتخذ شكل انكفاء الى اللا معقول والتقليد، فان ذلك لا يعني -في منظور علم الاجتماع الثقافي- سوى محاولة ابداء بعض الممانعة في وجه تيار حداثة زاحف. في المقابل، لا يمثل نقد الحداثة والعقلانية في الغرب إلا سلطة لهما ضاربة في الفكر والمجتمع، والا ما كان من معنى لمساجلتهما.. والمستفاد من ذلك، في الحالين، ان خطاب الحداثة والعقلانية هو الخطاب التاريخي هنا وهناك: الخطاب الذي يستوعب ضرورات التاريخ ويعبر عنها تعبيرا مطابقا.

وثانية الملاحظتين، ان هاجس الحداثة والعقلانية في الفكر العربي المعاصر تعمّم اكثر من ذي قبل، وما عاد مقصورا على تيارات المعرفة والادب والفن فحسب، وانما شمل التيارات السياسية والايديولوجية ايضا، واذا كان معروفا في الماضي ان التيار الليبرالي هو من عبر عن فكرة الحداثة السياسية حصرا، وخاصة بين العشرينيات والاربعينيات من القرن العشرين الماضي، فقد بات معروفا، منذ منتصف القرن، ان القوميين واليساريين حملوا الفكرة ذاتها وذادوا عنها، وان بمفردات سياسية مختلفة، مثلما بات محسوسا اليوم ان بعض تيارات الاسلاميين يتصالح مع بعض افكار الحداثة السياسية كالحرية والديموقراطية وحقوق الانسان.. ويبقى مجال الانتاج الفكري والادبي والفني المساحة الاوسع، والاخصب لاشتغال قيم الحداثة وافكارها وادواتها. وهي مساحة تتسع اكثر مع ازدهار حقل الاسلاميات الحديثة الزاخر بمساهمات معرفية غنية تتوسّل بأحدث مناهج العلوم الانسانية في البحث.

عن جريدة أوان

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق