“الحداد الطاهر والفقهاء في كتابه ” امرأتنا في الشريعة والمجتمع

 تتنزل نظرة الحداد إلى الفقهاء وموقفه منهم في كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” الذي نشره بتونس سنة 1930 في إطار رؤيته الشاملة لمسألة تحديث المجتمع التونسي بالدعوة إلى انخراطه بطريقة واعية ومسؤولة في مسار التطور الجاري في الأمم المتمدنة.

 وفكرة التحديث والتطور أساسية في تفكير الطاهر الحداد لأنها تمثل إطار التصور العام الذي طرح فيه للمناقشة مسألة النهوض بالمرأة سواء في سياقها الديني والتشريعي في القسم الأول من مؤلفه أو في إطارها من واقع المجتمع في الثلاثينات من القرن الماضي في القسم الثاني ساعيا في كل ذلك إلى تعيين الشروط اللازمة لتأمين نجاح التطور لضمان التقدم الاجتماعي في مساره الناجع والنافع وتهيئة المناخ العام للمرأة لتؤدي دورها الفاعل باعتبارها شريكا في عملية الإنتاج. وفي نطاق هذا التصور العام نتمكن من فهم تعامل الحداد مع التراث الديني بنصوصه ومدونا ته الفقهية التي تكرس انزواء المرأة وتحجر عليها الخروج والسفور. وندرك تبعا لذلك موقفه من الفقهاء في دعوته إلى تحرير المرأة للنهوض بالمجتمع.

 ماذا يعني التحديث والتطور في خطاب الحداد؟ استخدم الحداد العبارتين بطريقة متواترة في الكتاب بقسميه ليبيّن في القسم الأوّل أن الإسلام قد اتبع سنّة التطور وتدرج في تنزيل الأحكام معتبرا ذلك حجة دينية وتاريخية تؤكد شرعية التمشى في اتجاه التحديث الذي لا يمكن أن يتم إلا بقبول فكرة التطور، ويستخلص من ذلك في القسم الثاني أن المجتمع التونسي المسلم ألفى نفسه في العصر الحاضر وقد سيطرت فيه وعليه المدنية الحديثة واجتاحه تيار التطور الجارف لا سبيل له في الوجود من البقاء والنمو والازدهار إلا بتبني نهج التحديث.

 وفي هذا المقام بالذات يكمن الإشكال لأن رجال الدين ـ وهم يمثلون سلطة تتمتع بنفوذ واسع ـ يرفضون القبول بفكرة التطور رفضا قاطعا استنادا إلى أن النصوص الدينية بحسب قراءتهم قد تضمنت كل الأحكام الشرعية المتصلة بحياة البشر في جميع الميادين، وتشبثوا بدلا من الأخذ بفكرة التطور بالتقاليد وتراث الماضين في التشريع وفي سائر مجالات الحياة متجاهلين بذلك ما ينجر عن القبول من المنافع التي لها التأثير الحاسم في واقع الحياة، ولأن المجتمع بشرائحه المختلفة من جانب آخر قد اندفع في هذا المسار، بل جرفه تيار التمدن، مما يؤدي إلى ظهور أوضاع معقدة يستوجب علاجها قبل استفحالها. ويؤكد الحداد على الظاهرة “إن تيار الحضارة الغربية يجرفنا رجالا ونساء إلى مصبه رغما من خلق الرياء الذي يحملنا على العطف والتحنن إلى قديمنا الذاهب”. وتجاوز ذلك إلى الإقرار بربط هذا التيار بالاحتلال الأوربي للبلاد العربية وخضوع مجتمعاتها إلى تقليد المدنية الغربية “يرجع ذلك إلى تاريخ الاحتلال الأوروبي للبلاد، فالغالبية تملي على المغلوب فتدفع به إلى تقليد الغالب في زيه وأساليب عيشه التي يراها مصدر خير ينزع به عما في حياته الأولى من جمود وألم”ص108 . واعتبر أن الدافع إلى التقليد لم يكن “قائما على الرغبة في تعرف الطرق التي بلغت بالأوروبيين إلى تلك الحياة المثمرة الطيبة وإنما كان قائما على محض الرغبة في نهب اللذة للتسلية من حياة لم تعد صالحة وجميلة”. 

وقد أدى هذا الموقف أي الانسياق في التقليد دون تقدير للعواقب والوقوع في كوارث اجتماعية شاملة. والحداد مقتنع بأن الاندفاع في تطور من هذا القبيل “هو الطريق الحتمي لكل أمة لا عهد لها بالتطور…” ص108 . ولذلك فهو يفرق بين صورتين للتطور : صورة ذهنية محضة تتصل بأحلام العلماء والفلاسفة ..وصورة خارجية بارزة تتصل بالحوادث الاجتماعية الطارئة على حياة الشعب. والشعوب في هذا المقام نوعان: شعب حالم لم يتعود على العمل ولكنه منقاد إلى الخيال ( الوهم ) وشعب متمرس على العمل يسعى إلى تحقيق الحلم ويتوق إلى الكمال. ونخلص من ذلك أن الحداد يعالج مسألة التطور على واجهتين. من ناحية يخوض معركة ضد المنساقين في تيار التحديث بمعنى التهالك على الملذات دون وعي بعواقبه الوخيمة ويتصدى في نفس الوقت إلى الرافضين لقبول فكرة التطور. فما هو مذهب الطاهر الحداد في الدعوة إلى التطور وما هي القواعد التي يستند إليها وتبرر السير في دروبه وتشرعه بل وتحتمه ؟

 ينطلق الحداد في تحليله لمفهوم التطور من الواقع التاريخي على نحو ما يتجلى مساره في القرآن من خلال مسائل معينة وهي الميراث ووضع المرأة في مختلف جوانبه من زواج وطلاق و مسألة العبيد والجواري.و في هذا السياق يبين مدى التغير الذي أحدثه الإسلام في صلب المجتمع الإسلامي في فترة الدعوة وأن الرسول سعى إلى تمكين هذه العناصر من التحرر: المرأة من استعباد الرجل ومن العادات الجاهلية السيئة والعبد والجارية من امتلاك السيد لهما بالبيع والشراء والتصرف فيهما بالاستخدام وانبنى هذا المسعي نحو التحرر على أساسين يحققان البعد الإنساني في ذوات هذه الكائنات البشرية هما مبدأ المساواة والعدل بين البشر وقد دأب الرسول على المضي قدما في تجسيم هذه المبادئ على أرض الواقع واتبع في ذلك السير بها في الإنجاز على طريق التدرج . وعزز الحداد موقفه بآيات قرآنية مثل ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم “.

 لذلك اقتضى الوعي بهذه المثل السامية و الثاوية في التراث الديني وفهم دورها في تغيير وضع المجتمع العربي الجاهلي إلى مجتمع يمتلك شريعة مبنية على تلك القيم من توحيد وحرية وعدل و تآخ ومساواة و ثانيا الاستعداد بذالك الوعي والفهم لاستيعاب ما أتي به التطور من تغيرات نافعة في العلم والتعليم والتربية لا تستقيم الحياة الراهنة إلا بتبنيها لأنها تؤهل الرجل والمرأة والناشئة على حد سواء للاندماج الحقيقي في العصر . ولا يتيسر هذا الانتفاع المنشود إلا بتوفر شرط التحرر الحقيقي من أسر القيود التي تكبل الذوات البشرية في المجتمع العربي الإسلامي والقطر التونسي جزء منه .والقرآن براء من ذلك وإنما هي أغلال سنتها أجيال من الفقهاء.

 ولا نرى أن الحداد بهذه الرؤية المنفتحة الواعية المتجذرة يدعو إلى الأصولية الدينية على النمط الذي تنادي به الجماعات الإسلامية في الوقت الراهن للعودة إلى إسلام الفقهاء، ولا إلى تغريب المجتمع التونسي والتفريط في لغته وتراثه بالمدلول الذي يعنيه، بل يسعى إلى إعادة انتمائه إلى تراثه الأصيل بقيمه الإنسانية الصافية التي غمرتها قرون من الجهل والاستبداد والاستعباد ما يجعله قادرا على التخلص من وطأة هذا التراث الثقيل الذي وضعه الفقهاء والمذاهب والرواة والمفسرون ومؤهلا لاستقبال تيار الحداثة الجارف الذي أخذ يتغلغل في الواقع المحلي وهو نمط تبنته الأمم في الغرب جميعا وكثير منها في الشرق بعبارة أخرى تحول هذا النمط إلى مثال تسعى الإنسانية قاطبة إلى البحث من الاستفادة منه والتأهل لاستيعاب نظمه بقدر ما تسمح الظروف والاستعدادات النفسية والفكرية.

 ويستوجب تحقيق مشروع السير في سبيل التطور التحديثي بالصورة التي يبرز بها في فصول كتاب الحداد إجراء إصلاحات عميقة تغير من بنى المجتمع الذهنية في مختلف المجالات في فهم الدين والتعامل السطحي مع النص القرآني والتشريعات المقررة والباقية منذ قرون دون مراعاة تبدل الأحوال وفي النظرة المتدنية للمرأة ومكانتها المزرية في المنظور الإسلامي التقليدي الموروث ودورها السلبي في المجتمع وحظها المنعدم من التأهيل في التربية والتعليم وفي هذا الصدد يقول الحداد ” لو نراجع أصل ميولنا في إنكار نهوض المرأة لوجدنا أننا لا نعتبرها من عامة وجوه الحياة إلا أنها وعاء لفروجنا.غير أننا مهما بالغنا في إنكار ما للمرأة من حق ومالنا في نهوضها من نعمة شاملة فإنها ذاهبة في تيار التطور الحديث بقوة لا تملك هي ولا نحن لها ردا”. ولذلك نجده يؤكد “إن الإصلاح الاجتماعي ضروري لنا في عامة وجوه الحياة وعلي الخصوص ما كان منه متعلقا بوجودنـــا في الحياة ” ( مقدمة كتاب امرأتنا…).

 ويتضح للمتأمل في الكتاب أن فكرة الإصلاح التي تبناها الحداد لتمهيد السبيل أمام التطور ـ إذا باتت شاملة و ضرورية ـ فإنها في الواقع نابعة من وعيه المنبثق من إحساسه المتوتر بوجود تناقض كاسح ومتشابك بين واقعين متزامنين تفصل بينهما هوة ـ وليست فجوة ـ غائرة : وضع محلي متدهور من عامة وجوهه يتخبط فيه المجتمع التونسي في الثلاثينات أبعد ما يكون عن الاستجابة إلى متطلبات العصر. و يقابله في نفس السياق ـ مكانا وزمانا ـ واقع محلي أيضا ولكنه متطور و متجذر في التمدن تتوفر فيه مستلزمات الحياة المتجددة مكن الجالية الفرنسية المتغلبة من السير المستمر في دروب التقدم والتفوق والازدهار “هكذا شاء حمقنا الأخرق أن نتأخر إلى الوراء حتى الموت بينما على مرأى منا ومسمع يتقدم غيرنا ظافرا بالحياة”.

ويعمق هذا التناقض تقابل آخر في وجدان الحداد وفكره بين ما يطمح ـ هو نفسه ـ إلى وضعه من أصول تمهد السبيل لسريان التغيير المنشود وهي أصول استنبطها الحداد من جوهر القرآن والسنة النبوية وتيسر التفاعل مع تيار التحديث وبين ما ينتصب أمامه في مساره التحديثي من صعاب جمة وحواجز راسخة جذورها ممتدة في غابر الدهور تعوق انجاز مشروعه الطموح .” وقد مرت على المسلمين قرون عديدة وهذه حالهم في اطراد من غير أن يعرفوا ماذا قال الإسلام أو أراد.حتى جاءت المدنية الأوربية . وببسط سلطانها على المسلمين أمكنها أن تمنع الرق قانونا.. وأما المرأة فهي لا تبعد عند الفقهاء عن درجة العبيد في عدة أحكام “.ص71

 إن وضع الحداد على هذا النحو في كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع ” هو الذي شكل موقفه من الفقهاء وصاغ أسلوبه الحجاجي والجدالي في الدفاع عن آرائه والتصدي لآرائهم المناهضة لحركة التطور والتحرر والتخلص من الأفكار التي تحط من مكانة المرأة ودورها في رقي المجتمع بتمكينها من الخروج من البيت .” فلنتصور بعد هذا أنه بدل أن يسعى المسلمون لتأهيل المرأة من الوجهة الاجتماعية حتى تستثمر بحق ما يعطيها الإسلام من الحقوق فإن الإصلاح الذي عولجت به هو زجها في أعماق البيوت محجوبة عن العالم أجمع بما جعلها لأبلغ مثال للجهل والبله والغبن وسوء التربية لنضع بين أيديها وعلى ركبتيها إخراج البنين والبنات من شعبنا .”ص72 

 وخطاب الحداد في كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” موجه إلى القراء عموما وإلى النخبة المثقفة والفقهاء بالأخص. وحضور الفقهاء هذا الطف الرئيسي في التخاطب باعتباره المتقبل لمضمون الكتاب ـ الرسالة يتجلى بطريقة صريحة حينا وضمنية أحيانا أخرى في سياق احتجاجه على أفكارهم ومواقفهم المتحجرة في تعاملهم مع قضايا التشريع أو في الاستدلال بمواقف بعضهم لتدعيم ما يذهب إليه من فهم في تناول بعض المسائل، ويخص بالذكر في مواطن عديدة من الكتاب أبا حنيفة بن النعمان الفقيه ويشير باستمرار للتعريف به بقوله “وهو الذي أدرك بقية من أصحاب النبي ” ص9 . ومصطلح الفقهاء في هذا المقام يشمل العلماء والمفسرين ورواة الحديث والمذاهب الفقهية.

 والحداد لا يتعامل مع التراث الفقهي باعتباره مجرد نصوص مدونة تنتمي إلى عصور خالية انتهى أمرها، بل لأنها نصوص ما تزال فاعلة في واقع المجتمع في الزمن الحاضر وتنفذ أحكامها التي وقع استنباطها فيما مضى من الزمان، وبذلك يكون الخطاب موجها إلى فقهاء زمانه وعلماء عصره لأنهم يحملون في ثقافتهم وتكوينهم هذا الإرث التشريعي، ويستندون إليه في تنفيذ مقرراتهم في مجال القضاء أو التدريس بالجامع الأعظم الزيتونة. وفي هذا السياق بالذات تتخذ الإشكالية بعدا آخر يمثل مواجهة مباشرة بين الحداد الشاب المفكر المتحرر المجدد والمتخرج من حصن المعرفة العريق وبين فقهاء الزيتونة ومدرسيها وعلمائها وقضاتها في عصره بالذات. والحداد يعترف أن من الفقهاء في وقته بالذات من يعلم ” ما يلزم لحياتنا من تطور تحميه الشريعة ولا تأباه علينا. غير أن هيبة الماضي الماثلة في ذهنية أوساطهم قد جعلتهم يميلون عن الصراحة في الحق مفضلين الانكماش كعامة رفقائهم من الشيوخ تحقيقا لعيش هادئ يختارونه من هذا النحو” ص73 . وقد رأى بعض العلماء من الزيتونة في هذا الموقف تطاولا على الفقهاء ونيلا من مكانتهم فشمر أحدهم عن ذراعه وراح يرد على “أباطيل الحداد…في كتابه” ويتزعم هجوما عنيفا جدا ضده لتشويه أفكاره ونشر كتابه وجعل له هذا العنوان «الحداد على امرأة الحداد” سنة 1930 وهو الشيخ محمد الصالح بن مراد.

 إن الاعتقاد السائد لدى جانب واسع من النخب في الثلاثينات لا يرى حاجة للإصلاح بسبب اقتناع هذه الفئة بأن التقيد بالشرع الإسلامي ــ في صورته الموروثة التي تكرس هيمنة الرجل وسيادته وترسخ دونية المرأة وعبوديتها للذكرــ كفيل وحده بتحقيق التمدن وما يدعم هذا في الكتاب قول الحداد ” ويرى بعض المؤثرين في هذا السواد أن في تعليم المرأة وتربيتها خروجا بها عما بجدر بها من الانزواء الذي يمنع الفتنة والحجر الذي عليها للرجل .وهي لا تحتاج في حياتها أو وظيفتها إلا إلى معرفة محدودة في دائرة المنزل لا يلزم لها إقامة المعاهد العلمية في مختلف العلوم .ثم هي لا يتوقف عليها نهوض لشعب حتى نضطر لإعطائها الحرية الاجتماعية . ويمثلون على ذلك بالمدنية العربية التي قامت على محض جهد الرجل ” وبذلك نستطيع أن نقدر مدى الجهد العظيم الذي بذله الحداد لبناء موقف إسلامي جديد من مسالة الإصلاح المنشود لتحقيق التطور والانخراط في التحديث الاجتماعي واستنباط الحجج الدامغة لحمل المعترضين على الاقتناع وقبول منطق تغيير النظرة للمرأة بطريقة تجعلها تؤدي دورا بناء سواء كانت في البيت أو خارجه. وبذلك يتبين مدى التشعب في المسألة المطروحة وتتضح الإشكالية الحقيقية في تصور الحداد وتتجلى في جرأته على المجازفة بعرضها على نفسه أولا وهو مطالب بالإجابة عنها بكيفية تقنع ذاته بصدق و دون مواربة ودعوة القارئ في عصره ثانيا إلى التأمل في القضايا التي خاض فيها ويؤكد على هذا النداء بقوله “إنني أدعو جميع التونسيين مهما اختلفت آراؤهم و أميالهم لا إلى تصديقي فيما أقول فهذا يبعد كثيرا عن مثلي. ولكني أدعوهم إلى التأمل معي في ذات الموضوع وخطره على مستقبل حياتنا إذا بقينا مستسلمين للحوادث العابثة بنا ناسبين ذلك إلى الأقدار التي لا تغالب تائهين في صحراء الماضي جاحدين فضل العلم والفكر زاهدين في العمل الذي يشرفنا…”ص140 

 ويمكن صياغة مضمون الدعوة للتأمل في طرح الأسئلة الملحة على النحو التالي:هل يصح القول بأن الإسلام يعطل فعلا الإصلاح؟ وهل تتعارض القيم الإسلامية في حقيقتها مع ما يقوم عليه التحديث من مبادئ وأسس؟ وما المنهج الاستدلالي الذي اعتمده الحداد ليقرأ النصوص الدينية ( القرآن والسنة) ويستنبط منهما أنوار الحداثة في دلالتها العقلانية والتحررية؟ وما هي العوائق الفعلية التي وجهته في صياغة مشروعه الرامي إلى تغيير الواقع وموقع المرأة فيه؟ وما هي في النهاية صورة التحرر الاجتماعي التي يرنو إليها مِؤلف كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”؟ 

 وهذه هي الأطروحة الجوهرية التي تشكل لحمة الكتاب وسداه ونسيجه ومحتواه. ومسار الخطاب ألحجاجي كله لدى الحداد من بداية التأليف إلى نهايته يهدف من جانب إلى إثبات قبول الإسلام بفكرة التطور والتقدم بالإنسان نحو التحرر والمساواة ويسعى من جهة أخرى إلى دحض الأفكار الشائعة ـ والإسلام منها بريءــ التي كرسها الفقهاء طوال الأحقاب من الفتاوى والأحكام التشريعية المقررة وأدت إلى تكبيل حركة المجتمع وجموده إلى زمن لم يعد يقبل الركود بسبب ما نجم من متغيرات لا يمكن تجاهلها.

 وقد عمد الحداد في المعالجة الحجاجية لهذه الأطروحة إلى الفصل الحاسم بين أمرين : خطاب القرآن والسنة الثابتة من جهة وأقوال الفقهاء على اختلاف اختصاصاتهم وما دونوه من أحكام نتيجة فهم محدود وسطحي لهذين المصدرين . وأدى به هذا الفصل إلى إعادة قراءة نصوص القرآن والسنة قراءة تداولية تعتمد فهم الخطاب الديني في سياقه التاريخي ومقاصده الصريحة أو الضمنية التي يريد الشارع أن يبلغها للناس والتمييز فيها بين ما هو جوهري ثابت وما وعرضي متحول. 

 يبني الحداد موقفه من قناعة راسخة لديه عبر عنها بقوة وإيمان في مقدمة كتابه حيث يقول ” وقد رأيت بعين اليقين أن الإسلام بريء من تهمة تعطيله الإصلاح.بل هو دينه القويم ومنبعه الذي لا ينضب .وما كان انهيار صرحنا إلا من أوهام اعتقدناها وعادات مهلكة و فظيعة حكمناها في رقابنا . وهذا ما حدا بي أن أضع كتابي هذا عن المرأة في الشريعة والمجتمع. وعسى أن أكون بهذا قد أديت واجبا في عنقي أراه دينا علي لجنس أنا أحد أفراده و أمة أنا واحد من أبنائها”، وقادته هذه القناعة بالضرورة إلى العودة إلى نص القرآن والسنة النبوية للقيام بقراءة جديدة مبنية على أسس جديدة من شأنها أن تمكنه من القدرة على استنباط الأصول الكامنة فيهما و تبرر السير في نهج التطور والتقدم وتفتح الآفاق الواسعة أمام المجتمع وتؤدي بالخصوص إلى التصديق على وجهة نظره و الاقتناع بحججه والتسليم بصواب موقفه في دعوته المتحمسة للانخراط في مشروع التحديث في الثلث الأول من القرن الماضي على النحو الذي بسطه في كتابه .و يعبر في نهاية المطاف من المغامرة الفكرية بصوت المؤمن الواثق من قناعاته والمتحمس في أداء رسالته :” هذا صوتي أرفعه عاليا بقدر ما لي من قوة العقيدة وراحة الضمير ..يا ليتني كنت أستطيع أن أصرخ كالبركان الهائل عسى أن أزعج برعدي جميع الذين مازالوا يغطون في نومهم غارقين في أحلامهم الضالة .” ص140 .

 والحق أن القراءة ـ التي أنجزها الحداد للخطاب الديني في هذا المقام تعد دون شك العلامة الفارقة بين منهج مؤلف كتاب ” امرأتنا في الشريعة والمجتمع ” وأساليب غيره من الفقهاء في التعامل مع الموروث الديني أو التفاعل مع واقع العصر ومستجداته وهذه المقاربة في فهم النص الديني هي التي أثارت هلع المحافظين من رجال الدين في تلك الآونة فتألبوا عليه وشنوا حملة عنيفة ضده عندما صدر الكتاب وانتشر بين الناس.

 وفي هذا السياق يمكن أن نتساءل : بماذا يؤاخذ الحداد الفقهاء على تباين انتماءاتهم إلى المذاهب والأزمنة في فهمهم للرسالة النبوية ولماذا يجد في نظرتهم من العراقيل ما يعطل التطور الاجتماعي والتقدم بشكل عام و بالأخص في موقفهم من المرأة على وجه التخصيص؟ وما هي الحجج التي استند إليها في كل ذلك ؟

التمييز في الإسلام بين الجوهري الخالد وبين العرضي الزائل:

 يعتبر الحداد أن الفقهاء بوجه عام قد قصروا في فهم مقاصد الرسالة النبوية منذ انطلاق الدعوة المحمدية تقصيرا أدى بهم إلى الوقوع في توجه خاطئ ومسار يصرف سالكه عن فهم الغايات المنشودة من البعثة والأهداف الحقيقية من التبليغ القرآني . ويميز الحداد في الرسالة الإسلامية بين ما هو جوهري ثابت وخالد وما هو عرضييزول بزوال الأحوال. يقول في هذا الصدد وهو يشعر بالحرج نتيجة إمكان وقوع المتقبل في سوء فهم قوله « بعبارة أدق وأوضح أريد أن أقول. يجب أن نعتبر الفرق الكبير بين ما أتى به الإسلام وجاء من أجله وهو جوهره و معناه فيبقى خالدا بخلوده كعقيدة التوحيد ومكارم الأخلاق وإقامة قسطاس العدل والمساواة بين الناس وما هو في معنى هذه الأصول وبين ما وجده من الأحوال العارضة للبشرية والنفسيات الراسخة في الجاهلية قبله دون أن تكون غرضا من أغراضه فما يضع لها من الأحكام إقرارا لها أو تعديلا فيها باق ما بقيت هي فإذا ما ذهبت أحكامها معها .وليس في ذهابها ما يضير الإسلام ” ص6….” وبهذه الطريقة يمكننا أن نبحث عن الإسلام الخالص فنميزه عن الأعراض المحيطة به و نحمي أ نفسنا من الخلط فيه “ص 7

 ويقر الحداد أن ” عامة الشرائع إنما ترجع في حقيقة جوهرها ومرماها إلى أمرين عظيمين هما: الأخلاق الفاضلة وحاجة الإنسان في العيش..غير أن الشرائع السماوية أميل إلى ترجيح الأخلاق الفاضلة وجعلها السائدة على حاجة الإنسان.”ص7

 والتأمل في الخطاب الديني جعل مؤلف كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع ” يستخلص أن الأخلاق الفاضلة التي يدعو إليها الإسلام وكافح الرسول في حياته من أجل ٌإقرارها في المجتمع العربي الإسلامي هي تحرير البشر من الاعتقادات الوثنية الباطلة والإيمان بإله واحد والدعوة إلى بناء علاقات بين الناس تعتمد المساواة والعدل بين الرجل والمرأة .يقول الحداد ” عرف الإسلام أنه دين الحرية الذي لا يعترف بالعبودية لغير الله ” ص20.

سواء “كان الإسلام يواجه الرجل والمرأة فيفرض عليهما واجباته ويجعل مسؤوليتهما في ذلك سواء ” (المقدمة ) وقد ذهب الحداد إلى أبعد من ذلك ورأى أن في “حكم الإسلام في آيات بتمييز الرجل عن المرأة في مواضع صريحة … ليس هذا بمانع أن يقبل بمبدأ المساواة الاجتماعية بينهما عند توفر أسبابها بتطور الزمن مادام يرمي في جوهره إلى العدالة التامة وروح الحق الأعلى.وهو الدين الذي يدين بسنة التدرج في تشريع أحكامه حسب الطوق “

إتباع الحكمة التدريجية في تشريع الأحكام:

 يؤاخذ الحداد الفقهاء من جانب آخر بتقصيرهم في تمثل العلاقة بين الأحكام المنزلة من آي القرآن والأحوال المحيطة بها .وليس القصد من ذلك مجرد معرفة الوقائع الحادثة زمن الرسول و التي استوجبت نزول الوحي بشأنها فحسب وإنما يعني علاوة عن ذلك أن الآيات المنزلة المشرعة للأحكام جاءت تساير ” بقدر الضرورة استعدادات الإنسان وأحواله الناقصة ..ثم ـاخذ في الوضوح بالتدرج إلى بلوغ مستواها عند نضوج الإنسان . وهذا عين ما سار فيه الإسلام فيما عرف عنه من إتباع الحكمة التدريجية في تشريع أحكامه “.

 و قد وجد الحداد في قضايا المرأة والعبيد والجواري وما كان يلحقهم من الضيم والظلم والاسترقاق في الجاهلية ما جعل الرسول يعمل جاهدا على الرفع من شأنهم والسعي إلى تحريرهم بصورة متدرجة ولم يستطع أن يفعل ذلك دفعة واحدة مراعاة لرسوخ العادات القديمة في معاملة النساء والرقيق والإماء في المجتمع .والشواهد في الكتاب على إتباع سنة التدرج في تغيير أوضاع المرأة كثيرة منها أن الإسلام أعاد الاعتبار الذاتي للمرأة بإلغاء عادة وأد البنات ” وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر…» ومكنها من حقوقها المدنية في الشهادة في توثيق الديون وقرر لها أهلية التصرف وحق التملك الشخصي عن طريق الميراث أو العمل الشخصي ” وللرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ” وحقها في التمتع بالحياة. والآية “ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ” لا تخاطب الرجل وتستثني المرأة بل الكلام موجه إليهما معا. ومكنها من حقوقها المدنية في الشهادة في توثيق الديون “ويمكن أن نتخذ من قراءة الحداد للآية ” واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ” مثالا دقيقا للاستدلال على التدرج في تمتع المرأة بحقوقها المدنية . لماذا تنوب امرأتان رجلا واحدا في هذا المقام ؟ استند الحداد لبيان التدرج في هذا المقام إلى الحجج التالية: 1 ـ لم تكن المرأة تتمتع بحق الشهادة أمام القضاء.2ـ تأخرها في الحياة من عامة الوجوه عن الرجل جعلها أقل ذاكرة منه فيما يرجع لعمل الفكر وضبط الحساب.3ـ لم تنل حظا من الثقافة والتهذيب يعدها لذلك. يستخلص الحداد من كل ذلك أن الإسلام راعى فيها هذا الضعف فقرر أن تكون شهادتها في ذلك نصف شهادة الرجل.ولم يبرر هذا التقرير بسقوط في أخلاقها كما يحاول خصوم نهضتها .

 غير أن الهدف المقصود الذي كان يطمح إليه النبي بالتدرج في الأحكام إنما هو المساواة والتحرير والعتق ..يقول الحداد في هذا الصدد ” ليس هناك ما ينص أو يدل أن ما وصل إليه التدرج في حياة النبي هو نهاية المأمول الذي ليس بعده نهاية ما دام التدرج مرتبطا بما للمسائل المتدرج فيها من صعوبة يمكن دفعها عن قرب أو وعورة تستدعي تطور الأخلاق والاستعدادات بتطور الزمن “ص19.

وبذلك تبقى مواصلة تحقيق أهداف الرسالة ملقاة على كاهل رجال الدين من الفقهاء والعلماء ” وما أصدق ما عبر عنه القرآن إذ يقول “تحرير رقبة “وفي آية أخرى “فك رقبة “يصور لنا أنها كانت في أغلال الرق قبل عتقها.ويعرب بذلك عن مقدار عطفه على الأرقاء الذين كانوا مع المرأة آخر ما أوصى به النبي قبل رحيله من الدنيا.ولكنه ذهب وتركهم عبيدا ينتظرون تطور الأيام وجهود رجال الإسلام الذين يدركون ما في روح الشريعة من العطف والتقدير لحرية الإنسان ولكن ويا للأسف..”ص20

 وتأسف الحداد نابع من جهل الفقهاء لفكرة التدرج ولكونهم يعتقدون أن الرسالة الإسلامية في حياة النبي قد استوفت كل أهدافها بما شرعت من أحكام وسنت من حدود وليس للمسلم إلا أن يتقيد بتلك الأحكام و الحدود دون مراعاة لما يجري في الواقع من تبدل وتغير. والحقيقة أن الاجتهاد لتشريع أحكام جديدة مستمدة من روح القرآن منوط بعلماء الدين للمضي قدما في الملاءمة بين الشرع والواقع وفي ذلك يكمن سر خلود الإسلام.يقول المؤلف ” الإسلام دين الواقع يتطور بتطوره وذلك سر خلوده . وليس في نصوص القرآن ما يمنع المرأة من تولي أي عمل في الدولة أو المجتمع مهما كان هذا العمل عظيما.وهذا يدل على أن هذه المسائل ليست من جوهر الإسلام وإلا لما كان ليخلو القرآن من بيانها على الوجه المطلوب “ص10 ” واستنادا على هذه الفكرة أي ارتباط الرسالة بواقع الحياة والسعي إلى تبديل ذلك الواقع بمقتضى متطلبات الدعوة الجديدة لبناء مجتمع إسلامي فاضل فسر الحداد الآية ” واليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ” على النحو التالي : “وما زال النبي العظيم يأخذ كفار قريش باللين والشدة والترغيب والترهيب حتى أصاب من قلوبهم وتمكن من وضع الأساس في الروح والأخلاق والعقائد كاملا وصالحا لمن يبني عليه من رجال الإسلام .”ص70

 ويتجلى بذلك من وجهة نظر الحداد أن قصد الشارع من القول ” أكملت لكم دينكم ” لا يفيد معنى تنزيل التشريعات كاملة ونهائية في نصوصها وتنفذ بصفة حرفية في مختلف المجالات دون مراعاة لتبدل الأحوال و تغير الملابسات.وينطبق هذا الأمر النصوص القرآنية المتصلة بالمرأة أو غيرها من النواحي الأخرى التي تناولتها التشريعات الجديدة. ويلاحظ الحداد أن هذه الفكرة غابت عن كثير من الفقهاء وأدى غيابها إلى نتائج وخيمة ويصرح في هذا السياق ” ولكنه لسوء حظ المسلمين ـ ولا أقول الإسلام ـأن غالب علمائهم وفقهائهم لم يراعوا أغراض الإسلام في التدرج بذلك النقص البادي في المرأة واستعداد الرجل نحوها حتى يصير كمالا .بل هم قد أفسحوا لذلك النقص أن يعظم ليتسع الفرق بينهما في الأحكام ويتضخم الخلف بينها في الحياة .”ص70 

خضوع منطق الفقهاء في نظرتهم للقضايا إلى الخطاب التشريعي التقليدي التراثي:

 من النقائص الأخرى التي اعتبرها الحداد سببا في جمود الأحكام التشريعية في المجتمع الإسلامي وحالت دون القدرة على سن قوانين جديدة تلائم مستجدات العصر نذكر خضوع رجال القضاء في تعاملهم مع القضايا المعروضة عليهم إلى منطق الخطاب الفقهي التراثي في صياغة الأحكام . يصرح الحداد في هذا المقام ” إن عامة فقهاء الإسلام من سائر القرون إلا ما شذ يجنحون إلى العمل بأقوال من تقدمهم في العصر ولو بمئات السنين و يحكمون بأحكامهم مهما تباينت أحوال المجتمعات الإسلامية باختلاف العصور.” ص72

 وقد أدى هذا المنطق إلى كوارث في حياة الأسرة سواء في العلاقات الزوجية في حالات الطلاق أو الزواج أو ما ينجر عن ذلك من انخرام وتفكك في العائلة . ومن الشواهد التي يؤيد بها الحداد موقفه من فساد ممارسة القضاة بسبب تقيدهم بالنصوص التشريعية التي ثبت ضررها على استقرار المجتمع وعلى سبيل المثال يستدل بتطبيق حكم الطلاق بالثلاث بمجرد التلفظ به يقول ” لقد أوسع الفقهاء الخرق أكثر من ذلك ففسروا الطلاق لا بأنه إرادة وفعل بل بأنه لفظ في غير نوم أو سهو أو إكراه سواء كان هذا اللفظ صريح الدلالة على الطلاق أو كناية عنه ..وأغرب من هذا أن جمهورا منهم يقرون بطلاق السكران المنتشي بخمرته عقابا له عما أدخل في جوفه من الحرام و لا يلاحظون أن هذا العقاب نفسه سينزل على زوجة بريئة وذرية أبرياء يعيشون في انكسار وخيبة …معاذ الله أن يكون الإسلام مصدرا لهذا الشر الفظيع ؟ “ص 42 ويستنكر الحداد هذا التصرف من قبل العلماء ويجد فيه عدولا عن المقاصد الدينية الحقيقية ” هذا ما رضي به علماؤنا لنا وجمدوا عليه وقالوا إنه الدين بعينه «ص42. ويعتبر مؤلف الكتاب أن الأساس الأخلاقي في النص القرآني الذي يعول عليه في الحكم على السلوك الإنساني إنما هو ما يصدر عن القلوب من خير أو شر يؤاخذ عليه مع الغفران والحلم كما في الآية ” لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم ” ولكن أين نحن من القرآن فقد نسخنا نوره بأقوال الجامدين من فقهائنا على أقوال من تقدمهم . “ص43

 وينسحب موقف الحداد الثائر على الفقهاء على مسائل أخرى كالزواج وقد أجرى في هذا الغرض استفتاء عرضه على فقهاء زمانه وعلمائه يتضمن أسئلة منها: هل يجوز إضمار نية الطلاق عند عقد النكاح ؟ وقد أجاب كثير من العلماء والقضاة على جوازه و صحة العقد في ذلك.

 ويمكن أن نستخلص أن المآخذ التي سجلها الحداد في أحكام الفقهاء المتصلة بعلاقة الرجل بالمرأة في مختلف وجوهها ترتبط من ناحية بالموروث الفقهي الذي سيطر بشكل مطلق على التشريعات وقد كانت تلك الحدود مجافية لروح الإسلام بماتتميز به من تسامح وحلم وبعيدة كل البعد عن نظرة الرسول نفسه للمرأة وعطفه عليها لأن العوامل التي تحكمت في صياغتها كانت مذهبية عقائدية دعمتها العادات والتقاليد وعززتها الاعتبارات السياسية الحزبية . والحداد يشير في كثير من المواطن إلى الواقع الراهن في المجال الاجتماعي ليعيد إلى الأذهان تلك الصورة المنبوذة للمرأة المستعبدة والتي رسخت في المجتمع الجاهلي وقد عمل الإسلام على تغييرها. وبذلك نفهم أن التراث التشريعي الذي استنبطه الفقهاء ــ باستثناء بعضهم ــ بقراءتهم غير الصائبة للنص القرآني منفصل تماما عن روح التحرر والمساواة والعدل التي جاءت بها الدعوة المحمدية ونص عليها القرآن. لذلك يمكن أن نرى أن نقد الحداد الصارم لم يكن في الواقع موجها نحو التراث الذي كرسه الفقهاء طيلة أحقاب من الزمن فحسب وإنما كان في حقيقته مصوبا نحو فقهاء عصره لأنهم خضعوا للموروث الفقهي الجامد ولأنهم تجاهلوا الواقع الجديد بكل ما ينطوي عليه من مظاهر التغيير و التحديث بل أكثر من ذلك أنكروا كل محاولة تستهدف مراجعة مناهج فهم المدونة بما يتماشى مع روحها ويتلاءم مع مستجدات العصر لذلك تكرر نعتهم بالفقهاء الجامدين.

 وبذلك تتبين القطيعة بين الحداد والفقهاء في معالجة المسائل الاجتماعية وبالأخص ما كان يتصل منها بالمرأة وما ينجر عن ذلك من انعكاسات سلبية على المجتمع في حالة رفض التطور. وفي هذا السياق يتجلى الخلاف على مستوى المنهج والمضامين: قراءة الحداد للنص القرآني والمدونة الفقهية تاريخية تنزل النصوص في ظروفها التي تحيط بها وتعتمد هذه القراءة في الفهم والتـأويل على منطق العقل والتمييز بين الأمور الجوهرية والأمور الهامشية. ولكنها نابعة من إيمان قوي بعدالة قضية المرأة في البيئة التونسية في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي. و برغم كل العوائق عبر عن هذا الإيمان بأسلوب أقرب ما يكون إلى الخطاب الصوفي . يقول الطاهر الحداد :” وقبل أن أختم القول أراني مدفوعا بقوة غريبة إلى أن أحيي بروحي الملتهبة وبانحناء العابد المستغرق آمالي في نهضة المرأة والشعب التونسي والشرق عموما . وإذا كنت أراها اليوم بعيدة في النظرة فإني أراها قريبة في اتحاد الألم والشعور والفكر وماثلة في العلم والتربية والتضحية في سبيلهما.ذلك هو سر خلاصنا من آلام الموت وانبثاق فجر الحرية الصادق “ص140.

 إن المقاربة لفهم الإشكالية في علاقة الحداد بالتراث الفقهي و بالفقهاء تبدو واضحة في جدتها وطرافتها في جوانبها المختلفة مثل موقف الحداد من الدعوة لتحرير المرأة والمسار الحجاجي الذي اتبعه للدفاع عنها والأدلة التي استند إليها واستمدها من النص القرآني والحديث النبوي والأحكام الفقهية والموقف النقدي الذي اتخذه من الفقهاء أو اقتناعه العميق بأن الإسلام يدعو حقا للتطور والتحديث خلافا لما يذهب إليه كثير من رجال الدين و الشرع على عهده .

 غير أن هذا الوضوح مع ذلك يطرح أمام القارئ تساؤلا مثيرا يستدعي في الواقع إجراء تقييم صعب لفهم دلالة الرسالة في أبعادها الروحية والحضارية التحديثية التي أرد الحداد أن يبلغها للمتقبل من خلال نشر كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع ” سواء في عصره وفي بلده أو باعتباره خطابا موجها للقراء بشكل عام مهما تناءى بهم الزمن والمكان في مستقبل الأيام .

 ونفتتح باب تقييم الرسالة في الخطاب من الكتاب بالضجة التي استقبل بها هذا التأليف عند نشره بالمطبعة الفنية سنة 1930ـ في طبعته الأولى والأخيرة من قبل كثير من القراء ومدرسي الزيتونة. وفي رد الفعل العنيف لا على ما ورد في الكتاب فحسب بل تعدى ذلك إلى تجريح مؤلفه واتهامه بالكفر والمروق عن الإسلام. فما هي أسباب ذلك ؟ هل يعزى ذلك إلى جدة القراءة التي اتبعها الحداد لأنها لم تكن مألوفة. هل يفسر بلهجة الحداد الاحتجاجية في أسلوب الكتابة للتعبير عن الرأي المخالف في مخاطبة الفقهاء والعلماء؟ ثم إذا التفتنا إلى رؤية الكاتب في مقاربة التحديث وما ذهب إليه من تأويل للخطاب الإسلامي في مختلف مراحله من قيام الدعوة مرورا بعصور الجمود والانحطاط إلى عصره ليبرر بذلك الانخراط في مسار الحداثة على المنوال الذي تمارسه الأمم الأوروبية التي اقتحمت ديار الإسلام واختلطت [بشعوبه وفرضت تمدنها على أهله . من أين استمد الحداد هذه الرؤية النقدية التحديثية؟ من الشرق الذي انتشرت فيه الحركات الإصلاحية الدينية والاجتماعية وقادها محمد عبده وقاسم أمين؟ من الغرب بفعل تغلغل ثقافته التي تحمل في طياتها الفكر المستنير النابع من مبادئ الثورة الفرنسية؟ من الفكر التونسي المتحرر الذي تبنى فكرة الإصلاح منذ منتصف القرن التاسع عشر وتعززت مع رائد الإصلاح خير الدين وتواصلت مع حركة الشباب التونسي التي تزعمها البشير صفر في مسارها الوطني والثقافي. وثمة أسئلة أخرى لا تقل خطرا تتصل بموقف الحداد من الاحتلال الفرنسي للبلاد في الثلاثينات من القرن الماضي والدعوة للإصلاح الاجتماعي في بلد عربي مسلم في ظل الخضوع لسلطان دولة أجنبية تمارس نفوذها الكامل على المجتمع التونسي من جميع الجوانب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This