الحرب على النفس

التغيير يفرض علينا الانتقال من الحلم إلى الفعل. وهذا يفترض أيضا أن نخوض حربا ضدّ النفس، في محاولة لتلبية بعض رغباتنا على حساب البعض الآخر.

الكلّ يحلم بالتغيير. تغيير في الشغل أو المهنة (تغيير في موقع العمل، أو إعادة توجيه)، تغيير في الجسم (تقليص في الوزن، تنمية للعضلات، تجديد للشباب)، تغيير في الحياة الخاصة (فراق الزوج أو ملاقاة قرين)، وفي البيئة (انتقال إلى حيّ أو مدينة أو بلد آخر). أحيانا، نحلم بنهضة كاملة: نحلم بهجر كلّ شيء في سبيل تغيير نمط حياتنا. ببساطة، يتعلّق الأمر غالبا بتغيير شيء واحد: مثل التوقّف عن التدخين، أو الحصول على ترقية، أو التغلّب على خجل مرَضيٍّ يقف حائلا دون التواصل مع الناس، والعثور- أخيرا -على الحبّ الكبير.

المشكلة تكمن في صعوبة التغيير، وكثيرون يبقون في مستوى الحلم، دون فعل أيّ شيء في سبيل ذلك. وهذا ما يسمّى بالبوفارية، في إشارة إلى ايما بوفاري Bovary ، بطلة رواية غوستاف فلوبير الشهيرة.

هناك عقبة أخرى تتمثّل في النوايا الحسنة التي لا تصمد غير وقت قصير، مثل تلك التي كانت لدى Oblomov، الشخصية التي ابتدعها الكاتب ايفان غونشاروف وتتمثّل في شابّ أرستقراطيّ كان يجترّ المشاريع الكبيرة، ولكنه كان غير قادر على الوفاء بالتزاماته الفردية لأكثر من بضعة أيام، يسقط إثرها في حال من الخمول وكراهية النفس. وتشكّل الرغبة المفرطة في بلوغ الكمال مِصداّّ آخر للتغيير، ذلك أنه عندما نحدّد أهدافا عالية جدّا، وعندما نبحث عن كمال الإنجاز، فإننا نحجِّر على أنفسنا بلوغ منتهى مشاريعنا. ضعف الإرادة، الخوف من مجابهة أحلامنا، الخوف من الفشل…أو من النجاح، هناك ألف غرض، يجعلنا نخيب في مسعانا للتغيير.

فمن أين تأتي هذه الصعوبة في تحقيق التغييرات التي نرغب فيها كثيرا؟ إنها تأتي من أنّ التغيير يحتـّم الدخول في حرب مع النفس، وخوض معركة باطنية ضدّ ميولاتنا الرديئة وضدّ “شياطيننا” الداخلية والالتزام بالانضباط الذاتي.

الفيلسوف هاري فرانكفورت يفسِّر نقائص الإرادة (التي تعرقل التغيير) بالنزاع بين نوعين من الرغبات. رغبات من “درجة أولى” تحدّدها الاحتياجات الفورية أو البيئة. أمّا رغبات الدرجة الثانية فهي مشاريع المدى البعيد. فنحن معشر البشر لدينا القدرة على الانبساط خارج أنفسنا، ووضع أهداف على المدى الطويل، وتصوّر أفق بعيد. المشكلة تكمن في الصراع بين تلك الرغبات (المتباينة). فأنا أودّ على الأمد الطويل أن أخفّف من وزني، ولكن أجد نفسي الآن في غاية الإغراء كي أتناول قطعة من الحلوى. والطالب يريد النجاح في الامتحانات ويعرف أنّه بحاجة إلى تغيير عاداته لأجل ذلك، مثل عدم الخروج للفسحة مع بعض الأصدقاء وتحسين تنظيم أوقاته (بينما توجد القيثارة أو أقراص الفيديو الرقمي في متناول يده). ويرغب الأجير في التمتع بمزيد من الوقت لمشروع قريب إلى قلبه، لكنه يجب أن يتعلّم ضبط النفس ورفض مغريات تتملّكه يوميّا. والجانح يريد الخروج من وضعه وجنوحه: إنّه يريد الكفّ عن تعاطي المخدرات، والاتّجار بها، وتغيير مخالطاته وتعلّم مهنة من المهن، والعثور على عمل، الخ.

{{مقاومة الرغبات الفورية}}
هذا ما يطلق عليه خبراء الاقتصاد “عدم اتّساق الخيارات”. فما أودّ الحصول عليه على المدى الطويل (توفير المال والادخار) لا يتطابق مع ما أريده في الأجل القصير (لا أستطيع مقاومة إغراء القيام بشراء جديد) (1).

لماذا نجد أنفسنا ننحاز في أحيان كثيرة لفائدة رغبة الدرجة الأولى (أي إغراء الرغبة الفورية) على حساب رغبة الدرجة الثانية، أي هدف المدى الطويل؟ الحساب بسيط: عندما يتصرّف الإنسان وفقا لهدف بعيد المنال (مثل الاجتهاد للنجاح في امتحان على سبيل المثال)، فإنّ تكلفة (القيام بعمل مُملٍّ) هي فورية بينما الفوائد التي نجنيها من ذلك تأتي متأخّرة. وفي المقابل، بالنسبة للرغبات الفورية (كالعزف على القيثارة) تكون المنافع مباشرة وفورية بينما التكاليف مؤجّلة. فكيف العمل إذن كي نقاوم الإغراءات ونحاول السيطرة على هوانا؟

هذه الحرب الداخلية ليست إلا وجها من وجوه ما يسمّيه علماء الاجتماع “الانعكاسية” « la Réflexivité». والانعكاسية تجسّم قدرة الأفراد على التحليل الذاتي، وعلى التفكير في دوافعهم الخاصّة، ومحاولة السيطرة على مسار حياتهم من خلال إقرار وتنفيذ استراتيجيات تغيير وتقنيات ذهنية للتحكّم في الذات.

ووفقا لما يذهب إليه فيليب Corcuff ، يأخذ علم الاجتماع الانعكاسي على محمل الجدّ قدرات الفرد على مراقبة الذات واتخاذ المسافة (اللازمة) معها. وهو في هذا يختلف عن علم الاجتماع – القائل بالحتمية – الذي يقيّد الفرد في إقامة جبرية اجتماعية وكأنّه مثـبّت ومشدود (أبديّا) إلى ماضيه وإلى البيئة التي ينتمي إليها. وحتى نفهم مسارات الأفراد الذين يسعون للهروب من بيئتهم، لا بدّ لنا من الخروج من هذا النمط. لا يكتسب الأفراد المعاصرون الصفة الاجتماعية (resocialisation) انطلاقا – فحسب – من نماذجهم الأسرية أو طبقتهم الاجتماعية. كمَثل تلك الطفلة الصغيرة التي ترى في المدرسة، وعلى شاشات التلفزيون، وفي مطالعاتها، نماذج جديدة للسلوك تسعى للامتثال لها. هذه العملية تدخل في إطار ” التنشئة الاجتماعية الاستباقية” وتأثير النماذج (2) أو “الهويات المحتملة” (3) التي يجسّدها أبطالنا وأساطيرنا الشخصية. فالفرد يحلم بحياة أخرى، وهو يحاول تغيير نفسه، ومطابقة حلمه مع حقيقة واقعه. فهو لم يعد – ليس فقط – مبنيّ بماضيه، بل وكأنه متطلّع ومنجذب – أيضا – بالمستقبل. ويصف عالم الاجتماع جون كلود كوفمان هذه العلاقة الجدلية بين حياتنا الحقيقية وحياتنا الحالمة مستعملا لذلك صورة أو استعارة “اللولب المزدوج” (la double hélice)، على غرار هيكل الشفرة الجينية (4).

فهناك ما يشبه اللولب الأوّل، ويضمّ مجموع التدريبات والممارسات الروتينية الذهنية والمعايير المستبطنة التي تجعلنا نتحرك في الحياة اليومية، سواء في العمل أوفي البيت. ويشكّل ذلك اللولب بالنسبة لنا أوّل مدوّنة لقواعد السلوك.

ويلتفّ حوله لولب ثان، يضمّ أفكارنا الداخلية. إنّ مسرحنا الصغير الداخليّ يتشكّل من أحلام ومشاريع وأفكار مختلفة، غالبا ما تكون في تفاوت مع تصرّفاتنا الحقيقية. إنّه بمثابة اللولب الثاني. ويسمّيه وليام جايمس “موج الوعي” « flot de conscience » . وتـُنتج هذه السينما الداخلية هوية بديلة، هي أنانا الخفية والسرية، في تفاوت مع وجودنا الواقعي. إنها تحمل طموحاتنا وأحلامنا الداخلية وإرادتنا في التغيير.

اللولبان، المكوِّنان للشخصية، ليسا غريبين عن بعضهما. وهما يتفاعلان ويتشابكان ويؤثّران في بعضهما البعض. مشاريع الأمس ساهمت في تغيير حياتي، وما أصبحت عليه اليوم هو – جزئيا – نتيجة أحلام الماضي. وقد جاءت هذه الأحلام لتندمج في أنايَ الأوّل. ومستقبلا، تستيقظ مكبوتات أو رغبات مدفونة وتشكّل اللولب الجديد الثاني. لقد أراد جان كريستوف روفان منذ الطفولة أن يصبح طبيبا على غرار جدّه للأب وتمكّن من تحقيق مأربه. غير أنّ حلما كامنا بداخله استيقظ بعد بضع سنوات من ذلك. لقد أراد أن يكتب ويصبح كاتبا .(5) كلّ مسألة التغيير الشخصي تتمثّل في محاولة التوفيق بين هويتين: حياتنا الحالمة وحياتنا الواقعية والحقيقية.

{{تصميم واستراتجيات}}

يضع الأفراد مع مرور الزمن استراتيجياتٍ وحيلا وخدعا شخصية، في محاولة للسيطرة على سلوكهم. هذه الاستراتيجيات متعددة.

ترى الشخص الذي يريد أن يقلـّص من وزنه ينظر إلى صورته في المرآة وقد جوّف بطنه، إنه يركّز اهتمامه على “الصور المستهدفة” التي يسعى إلى بلوغها. وتراه يحيط نفسه بصور الأبطال والمواديل المرجعية. هذه الفتاة تتصفح مجلات نسائية. أيكون هذا لأجل التسلية أم هي تقوم ببحث بسيط عن بعض نماذج تصفيف الشعر وحفظ الهيئة؟ ليس ذلك فقط، لأنّها – دون وعي – تبحث عن نموذج للحياة. إنها تريد أن تتّخذ هوية جديدة. فالشكل أو المظهر ليست مسألة هيِّنة كما يبدو.

“أريد أن أغدو نحيفا أو نحيفة”، “سوف أساهم في مناظرة كي أصبح خبيرة في التجميل”، “أريد أن أصبح موسيقارا”… إنّ التحوّل إلى الفعل يمرّ بالتصميم ومن ثَمََّ بأخذ القرارات. فإذا لم تكن هذه الأخيرة مصحوبة بوسيلة مضبوطة وببرنامج محدّد، فإنها تنهار بسرعة تحت وطأة الروتين والدوافع المعكوسة، والطلبات الآنية. “ابتداء من يوم الغد، سأتوقّف عن مشاهدة التلفزيون وألزم نفسي بالكتابة لمدة ساعة، كلّ مساء” : هذا هو الهدف الذي حدّده البطل المضادّ في رواية جان فيليب توسان “التلفزيون”. وقد أراد أن يتخلّص من قبضة الشاشة الصغيرة وهيمنتها عليه. لكنه، بدون منهج دقيق وبديل صارم، نراه يستسلم باستمرار لإغراء الشاشة.

التغيير يحتّم أن نحوّل أحلامنا إلى مشروع، ومشاريعنا إلى برنامج مدقّق. ومن هنا تأتي أهمية المفكّرات، واليوميات الحميمة، والمذكرات، والقوائم المدوِّنة لما ينبغي علينا فعله، وكل ما يشكل تذكيرا ذاتيا لاسترعاء الانتباه – من قبيل الجدول الذي نعلقه في المطبخ والوريقات الصغيرة التي نلصقها على حافة المكاتب، الخ. وهي بمثابة وخزات صغيرة للذاكرة، تنتمي إلى أساليب التذكير والمراقبة الذاتية للأفراد الباحثين عن حياة جديدة (6). وبالنسبة لعالم النفس الأمريكي ايرا Progoff تشكل المفكرة الحميمة والكثيفة – أداة مميزة للتغيير الشخصي.

غير أنّ الانضباط الذاتي – ودعوات الرجوع للجادّة المرافقة له – ليست كافية لحصول تغيير دائم. فأمام حافز ضعيف وإرادة فاشلة، يدرك بسرعة كلّ من يروم التغيير أنّه مضطرّ لاستخدام تقنية أخرى، ألا وهي الخدعة.

لقد كرّس الفيلسوف جون Elster جزءا كبيرا من أعماله لدراسة هذه الإستراتيجية الذهنية التي نستعملها ضدّ أنفسنا. فأمام عيوب إرادتنا الخاصّة، ونظرا لصعوبة السيطرة على عواطفنا، ننتهج استراتيجيات جديرة بعولس(Ulysse). نحن نعلم أنّ بطل إلياذة هوميروس قيّد نفسه إلى سارية سفينته ليقاوم إغراء غناء عرائس البحر. وهذا ما يفعله التلميذ الذي يقبل الإقامة في مبيت للطلاب للتأكّد من أنّه داخل إطار أو بيئة تحفزه على الاجتهاد في الدراسة. وهذا هو الحال بالنسبة للمدخّن المدمن الذي يعلن أمام محيطه قراره الكفّ عن التدخين، عِلما وأنّ التزامه العمومي بهذا القرار سوف يؤثّر عليه في لحظات الضعف (و قد يؤدّي به في بعض الأحيان إلى الاختباء في المراحيض للتدخين كما كان يفعل في فترة المراهقة). هذا هو الحال أيضا بالنسبة للمقامر المكره الذي يطلب إدراج اسمه ضمن قائمة الممنوعين من دخول الكازينو.

{{سيزيف على الدوام…}}

ويندرج اللجوء للمساعدات الخارجية في ما سمّاه عالم النفس الكندي إيف سان ارنو ” التغيير بالمساعدة ” (7). ولأننا نعلم أنّ بيئتنا المباشرة تؤثر في سلوكنا باتجاه أو بآخر، فإننا غالبا ما نضطر للموازنة بين التأثيرات التي نخضع لها والتأثيرات التي نختارها. هذه المساعدة الخارجية يمكن أن توفّرها (لنا) مجموعات التلاقي – من قبيل مجموعة مدمني المسكرات المجهولين – أو نظم التدريب الشخصي coaching التي أصبحت واسعة الانتشار في مجال الرياضة والعمل والدراسة.

توجد هناك مجموعة من المناهج تتفاوت فاعلية في سعيها للتغيير: نماذج هوياتية، برامج شخصية، تحفيزات ذاتية.

ولكن مهما بلغ شأن القرارات، والحيل والخدع، فإنّ طريق التغيير كثيرا ما تكون محفوفة بالأخطار. فمن النظام الغذائي المُنَحِّف، إلى المشاريع الكبرى للحياة، يبقى التغيير الشخصي – كمثل جهد سيزيف Sisyphe (الذي لا ينفك يدفع الصخرة حتى قمّة الجبل فتتدحرج إلى أسفله)- جهدا يتكرر عبثا على الدوام. إنه تغيير يقترن دائما بالأمل وخيبة الأمل، بتشويه السمعة والشعور بالذنب، وهو متبوع دوما بطموحات وآمال جديدة. وفي المحصلة، تكون دورة المحاولات الفاشلة، والإخفاقات والانطلاقات المتكررة والنجاحات الصغيرة جزء من هذا التغيير في حدّ ذاته.

وكما بالنسبة للطوباويات ، فإنّ التحوّل الذاتي الجذري هو مجرّد وهم. ما عدا ربما في الحالات القصوى. لكن، وكما تشارك الطوباويات في التغيير الاجتماعي ، فإنّ وهم التحوّل يسهم، على الرغم من ذلك، في تغييرنا.

التغيير هو، بالنسبة للأغلبية الساحقة منا، صراع دائم. وهو حرب على النفس التي تعرف النجاح والفشل، وتعرف فترات من الصراع الحادّ وأخرى من السلام النسبي. وفي نهاية المطاف، لعلّ الشيء الوحيد الذي لا يتغير بداخلنا، هو رغبتنا في التغيير.

{{الهوامش:}}

1- يشكّل عدم التطابق هذا حجرة في فرضية الإنسان الاقتصادي (l’Homo œconomicus

) القادر على ضبط أهدافه واختيار أحسن الوسائل لتحقيقها

2- انظر: Michel Lobrot, L’Influence des modèles, Psy-énergie, 1987

3- Hazel Markus et Paula Nurius,

« Possibles selves », American Psychologist, vol. XLI, n° 9, 1986.
4- Jean-Claude Kaufmann

Quand je est un autre. Pourquoi et comment ça change en nous, Armand Colin, 2008.

5- Jean-Chrisophe Rufin,

Un léopard sur le garrot. Chroniques d’un médecin nomade, Gallimard, 2008.

6- Bernard Lahire,

La Culture des individus. Dissonances culturelles et distinction de soi, La Découverte, 2004.

7- Yves Saint-Arnaud,

Relation d’aide et psychothérapie. Le changement personnel assisté, Gaëtan Morin, 2001.

{{نشر المقال بمجلة العلوم الإنسانية Sciences Humaines

عدد 205 بتاريخ جوان 2009}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق