الحرب في غزة.. والجراح في عقولنا

–الرئيس الفينزويلي هوجو شافيز يطرد السفير الإسرائيلي في كاراكاس.

–توقف جميع وسائل النقل لمدة دقيقتين في النرويج تضامنا مع غزة.

–حاخام يهودي في لندن يحرق جواز سفره الإسرائيلي احتجاجا على مجازر غزة.

–مظاهرة احتجاجية على مجازر غزة بمشاركة 10آلاف مواطن في هونغ كونغ.

–سكان مستوطنة سديروت يصدرون بيانا ضدّ الحرب على غزة

–رئيس وزراء تركيا يحمّل إسرائيل مسؤولية المجازر.

–مثقفون من مختلف أنحاء العالم يبدؤون حملة لسحب جائزة نوبل للسلام من الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز.

والأمثلة المشابهة تطول… وقد صار واضحا للعيان أنّ الضمير العالميّ لم يعد يتحمّل فعلا ما يحدث في قطاع غزة، كما يبدو جليا أنّ الدعاية الإسرائيلية الرسمية حول المهمة الإنسانية السامية التي تتولاها باسم العالم الحرّ أي باسم الغرب الديمقراطيّ لم تعد تجد أصداء في الغرب نفسه، بل لم تعد مقنعة حتى لقسم هام داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه فإلى جانب المثقفين ودعاة السلام يوجد قسم من “الصهاينة” ومن المستوطنين، ويكفي للمرء أن يتابع الصحافة الإسرائيلية ليعرف أن تعلّة محاربة الإرهاب لم يعد لها تأثيرها السحريّ الذي كان.

الأمثلة عديدة.. وقصدت أن أُغفل ردود الفعل المسجّلة في العالم العربيّ وامتداداته الإسلامية لأنها إلى حدّ ما طبيعية ومنتظرة، وزادتها حدّة و”تطرّفا” مواقف أغلب الحكومات العربية التي ربّما من منطلق “واقعيتها السياسية” وإحساسها بالعجز صارت في موقع الاتهام بالتواطؤ ..

900 فلسطيني والعدد مرشّح للزيادة هي الحصيلة إلى حدّ هذا اليوم، مع كلّ ثانية في هذه الحرب التي هي أقرب إلى المجزرة الجماعية منها إلى أيّ تسمية أخرى..

900في رقعة من الأرض يسكنها مليون ونصف فقط؛ فلنتصوّر أنّ الأمر حدث في بلد مثل تونس ذات العشر ملايين من السكّان، هل أقبل أن يسقط 6000 تونسي في ظرف أسبوعين من القصف المتواصل بأسلحة لا نملك الردّ عليها؟ هل أقبل أن يسقط ما يقابل هؤلاء في الولايات المتحدة الأمريكية أي 90000 نعم تسعون ألف أمريكي إذا اعتمدنا نسبة السكان بينها وبين غزة؟ هل يقبل عاقل واحد أن يسقط في مصر مثلا ما يزيد عن أربعين ألف ساكن؟

هذا لهواة الأرقام والإحصائيات، ولست منهم وإن أرعبني أن أقارن وأن أحسب لأتأكّد فعلا أنها حرب تصفية لا يمكن أن يبرّرها منطق. نحن نكافح ونصارع من أجل أن تكون الحياة مقدّسة لا حقّ لمخلوق في أن يسلب آخر الحقّ فيها مهما يكن جرمه، فكيف إذا كان المسلوب لا جرم له بل لا حول له ولا قوّة؟ نحن نقوم بحملات لإلغاء حكم الإعدام حتى في الدول التي لا تنصّ قوانينها على الإعدام إلا في الحالات القصوى ومع توفير المحاكمات العادلة والرعاية النفسية للمتهمين والحق في الدفاع وما إلى ذلك، وها هي دولة “إسرائيل” الديمقراطية بل “جنة الديمقراطية” كما يحلو لبعضهم تسويقها تواصل (لأنّ ذلك لم يبدأ مع هذه الحملة الجنونية الأخيرة) تنفيذ أحكام بالإعدام الجماعيّ ودون أي محاكمات أو تحقيقات وهي التي تفخر بأنها تقدّس الحياة إلى درجة أنها ألغت حكم الإعدام من قوانينها!

إنّ الصين وإيران والولايات المتحدة الأمريكية في طليعة البلدان المدانة بتطبيق حكم الإعدام عالميا؛ وباعتبار عدد “المعدمين” بدم بارد في غزة في أيام قليلة يتضح لنا أن إسرائيل أعدمت في أسبوعين فقط أكثر ممن أعدموا في البلدان الثلاثة مجتمعة طيلة سنوات، أليس هذا جنون دولة؟؟

ما استفزّني فعلا لكتابة هذا النص هي ردود الفعل المتناقضة والتي أقدّر أنها عجيبة على ما يحدث في غزة وهي ردود فعل تدلّ على أنّ المناضلين من أجل حقوق الإنسان في بلداننا والمناضلين من أجل المواطنة والعلمانية ما زالت أمامهم أشواط طويلة من العمل ومحطات كثيرة قبل أن يحسوا أنهم بدؤوا فعلا الطريق إلى أهدافهم النبيلة.

وهذه التعاليق فيها ما سمعته شخصيا وفيها ما تابعته في التعقيبات على الأخبار في مواقع الكترونية متعددة، وفيها ما وجدته على صفحتي الشخصية في “الفايس بووك” بأقلام أشخاص أعرفهم شخصيا.

أغلب هذه التعليقات لا يفصل بين اليهود وبين الإسرائيليين فضلا عن عدم القدرة على الفصل بين الحكومة الإسرائيلية والشعب الإسرائيلي، فهناك من يدعو إلى مقاطعة يهود”جربة” أي الجزيرة التونسية التي يعتبر سكانها اليهود من أقدم الطوائف اليهودية في العالم ومن أقدم السكان في تونس، وهم معروفون بعلاقاتهم الروحية العميقة بأرضهم وبانخراط أعداد هامة منهم في الكفاح الوطني ضد الاستعمار الفرنسيّ. وهناك من يذكّر بعداوة اليهود للإسلام داعيا إلى ضرورة الحرب المقدّسة ويدعو التونسيين إلى الدعاء بفناء اليهود وتدمير نسلهم، بل إنّ أطرف ما رأيت أنّ بعض التونسيين المنخرطين في أحزاب علمانية تقدمية يضعون صورة هتلر مكان صورهم مع عبارة تقول على لسان ذلك المجرم ما معناه؛ لقد قتلت أكثر اليهود وتركت قلّة منهم كي يعرف العالم لماذا قتلت الآخرين!!!هكذا ببساطة تغدو النازية خلاصا وحلما! ألا تبّت العلمانية والتقدّمية إذا كانت هذه الوصفة التي تقدّمان!!

وعند هؤلاء فإنّ اليهود الذين أبدوا غضبا وسخطا على الحكومة الإسرائيلية إنّما فعلوا ذلك من باب توزيع الأدوار والتمثيلية السخيفة التي لا تنطلي علينا!! وكذلك من باب ضمان أن يدخلوا إلينا من جديد استثمارا لهذه المواقف لمزيد استغلالنا وإذلالنا، لكنتا متفطنون إليهم فقد صرنا خبراء بهم منذ أرادوا أن يحرفوا قرآننا ورجمونا بنظرياتهم من الداروينية إلى الفرويدية إلى بدع الديمقراطية والعلمانية وإلغاء حكم الإعدام والمساواة بين المرأة والرجل، مع التذكير طبعا أن اليهود قتلوا الخليفة عمر وكانوا وراء ظهور البدع من التشيّع إلى الاعتزال والفلسفة..

ولكم أن تتصوروا طبعا موقف هؤلاء بتصنيفاتهم من “حماس” باعتبارها خلاصا للأمّة وخيارا لا غنى عنه لإنقاذ الأمّة وشرفها المسلوب وأرضها الضائعة، وأن تتصوروا أيضا كيف أنّ صواريخ حماس ومفاجئاتها القادمة سترفع رؤوسنا بعد طول طأطأة وانحناء.

أمّا هوغو شافيز فقد نال حظوة لا يكاد يماثله فيها سوى القليل؛ عبد الناصر وصدام حسين، بل إنه أوقف سيل التعاطف مع صاحب الحذاء الشهير منتظر الزيدي وحرمنا بالتالي من أدبيات حذائية رائعة أخذت صحفنا في المزايدة فيها حتى صار من يتجرّأ على المطالبة علنا بغلق ملف الحذاء واعتباره ردّ فعل لا ينبغي تأليه صاحبه أو إعطاؤه أكثر مما يستحق “مشبوها في انتمائه إلى الأمة”، شافيز صار معبود الجماهير، فتذكّر بعض من وضع صورة هتلر أنه يساريّ الأصول والميول فعوّض بصورته صورة النازيّ المجرم، وتكاثرت الدعوات إلى تكوين مجموعات –على الفايس بووك”- لأنصار شافيز، أمّا أطرف ما رأيت فهو التعليقات الكثيرة-ومثال منها على موقع الجزيرة نت – التي تطلب للرئيس الفنزويلي الهداية إلى الإسلام … لعلّ الله ينصر به الأمة كما نصرها بإسلام عمر بن الخطاب.

من جانب آخر، نجد من الناس في المقاهي وحلقات النقاش المختلفة على الانترنت أو في الصحف من يبرّر المجازر الإسرائيلية باعتبارها ردّ فعل” طبيعيا” على الإرهاب الفلسطيني ممثلا في حركة حماس. وكثير من هؤلاء مرتاحون إلى المجازر إذ تتولى إسرائيل المهمة التاريخية التي عجزت عنها الحكومات العربية والديمقراطيون العرب ألا وهي قطع دابر الأصوليين الذين يريدون حبسنا في النصوص القديمة ولا مسعى لهم غير تطبيق الحدود وقطع الأيادي والرؤوس ورجم الزناة وجلد شاربي الخمر.

وهؤلاء يتناسون طبعا أن إسرائيل لم تنتج بعد القنابل “الذكية” القادرة على استهداف هؤلاء” المتخلفين” دون أن تقتل أطفالهم ونساءهم –فضلا عن جيرانهم والمارين من أمام ديارهم بل حتى التلامذة الدارسين في مدارس الأونروا البائسة.
وهؤلاء يتناسون أيضا أن هناك مشكلا أساسيا لولاه لما كانت حماس أصلا وهو وجود الاحتلال الإسرائيلي أولا وما ارتكبه هذا الاحتلال من فظائع ليس أهونها الحصار الذي جعل أهالي غزة في وضع أفضل منه وضع الحيوان في قفص، فالحيوان المحبوس له الحقّ في الأكل وفي النوم، أما المحبوسون طيلة سنوات في قفص اسمه غزّة فلا حقّ لهم في أبسط حقوق الإنسان، ومعدّلات البطالة هي الأرفع في العالم، ولا تسل عن الحق في التداوي وفي الأكل الكريم فضلا عن التدفئة أو النوم المريح…

ويتناسى هؤلاء طبعا أنّ ما تقوم به إسرائيل في غزة فضلا عن كونه جريمة تنطبق عليها أوصاف جريمة الحرب لا يحقّق إلا هدفا واحدا واضحا لكل ذي عقل ألا وهو تقوية الأصولية ومدّ رافضي الحلّ السلميّ بمزيد الحجج والمبرّرات، لأنّ إسرائيل بقيادييها الحاليين الذين يزايدون أيهم أكثر تصلّبا وتمسّكا بيهودية الدولة وأقدر على استقطاب الأصوليين اليهود في الانتخابات القادمة، لا يعنيهم في شيء أن يقوى الأصوليون عندنا بل حتى أن يستولوا على الحكم في بلدان عربية أخرى، فإن كان القضاء على حماس – وهذا غير وارد- له هذا الثمن الباهظ متمثلا في إمكانية وصول الأصوليين إلى السلطة في بلد عربي آخر أو أكثر فيا خيبة المسعى!

إنّ حماس في تقديري ليست المستقبل الذي نرنو إليه، وهي غير قادرة على أن تستجيب إلى التحديات المطروحة على الشعب الفلسطيني، ولكن إزالتها من موقع التأثير على الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يكون بالعنف طالما أن الأسباب التي أوجبت قوتها وهي الاحتلال أوّلا ثم فساد السلطة ثانيا ثمّ الظروف اللا إنسانية التي خلقها الحصار ثالثا، من الشؤون الخاصّة بالشعب الفلسطينيّ وحده، مثلما أنّ مقاومة المتطرّفين اليهود في إسرائيل هو شأن الإسرائيليين وحدهم. ومن يريد للشعب الفلسطيني أن يكون شعبا متسامحا تعدّديا ديمقراطيا تسود فيه قيم المواطنة، فما عليه أن يدعم الاحتلال أو أن يبرّر مجازره بل عليه، في تقديري، أن يعمل على إزالة الاحتلال أولا وتوفير شروط قيام دولة فلسطينية ثانيا( بما في ذلك إزالة جدار الفصل العنصري وضمان حق العودة للمبعدين وإطلاق سراح آلاف الأسرى..) ثم الإعانة في خلق ظروف توفير الحد الأدنى من الكرامة أي ضمان حق هذا الشعب في العيش الكريم، وحينها لن نجد من يطلق الصواريخ اليائسة ولا من يدعو إلى الحرب حد الفناء ولا من يفضل الموت على حياة لا شيء فيها يشبه الحياة.

وأطرف ما قرأت عند مواطنينا العرب هؤلاء المساندين للعدوان على غزة هو تقييمهم للرافضين للحرب من غير العرب: أما رجب طيب اردوغان فقد كشف عن وجهه الإخوانيّ البشع! أمّا هوجو شافيز فما هو إلا حاقد على العالم الحرّ لأنه دكتاتور جاء في فترة زوال الدكتاتوريات، أمّا اليهود الذين تظاهروا في باريس ولندن والقدس وتل أبيب فما هم إلا مرضى نفسانيون يفضلون الفوضى والخراب على النظام والحرية والعدالة.

إننا أحوج ما نكون اليوم إلى عقلانية مستنيرة متوازنة تعرف كيف تصنّف الأولويات، وأحوج ما نكون إلى نظام تعليمي حديث بكل معاني الكلمة ينقذ شعوبنا مما تردت إليه من ضعف مفاهيمي وانصياع غريب إلى العواطف العمياء والهوجاء، وقبل ذلك كله نحن في حاجة ماسة إلى ثقافة حقوقية تكرس احترام حقوق الإنسان والحق في الحياة أساسا والحق في الاختلاف والحق في التنظم والحق في التعبير.. وفي حاجة قبل ذلك وبعده إلى أن تكون نخبُنا نُخَبًا حقيقية تهتم بشأن مجتمعاتنا فعلا وتترفع عن التصنيفات المتسرعة، فإذا كان “الفرد العاديّ” مسارعا إلى التكفير والإقصاء فليس من حق المثقف أن يكون كذلك، وإذا كان الفرد بسيط الثقافة انفعاليا فليس من حق المثقف أن يحذو حذوه، وإن كان “الفرد العادي” مسارعا إلى العنف فعلى المثقف أن يعتبر أنّ واجبه هو التثقيف والتنوير لا الشتم وإشاعة فكر الانطواء واليأس من التطور.

وختاما أعتقد أنّ للمثقفين في الجهتين عربا وإسرائيليين دورا في تغليب صوت العقل والحكمة، والمقالات التي كتبها مثقفون من الجهتين في هذا الاتجاه دليل وعي بأن العنف لا يولّد غير العنف وأن المسار الذي اختارته الحكومة الإسرائيلية مسار شديد التطرف يزيد الطين -المبتلّ أصلا – بلّة. وأختم بما ختمت به أسرة تحرير هآرتس افتتاحيتها يوم(11 جانفي): “على هذه الحرب أن تنتقل فورا إلى المسار الدبلوماسي، إلى الاتفاقات والتسويات الفورية التي توقف الهذيان والأوهام في الطرفين”. وأضيف دون أن ننسى أنه لم توجد مأساة مثل مأساة الشعب الفلسطيني في التاريخ الحديث، وأنّ التصفية بهذا الشكل لها أمثلة محدودة: التصفية العرقية للأرمن في بداية القرن العشرين، وتصفية التوتسي في نهايته والمحرقة اليهودية فيما بينهما. وعليه فإنّ محاكمة المسؤولين عن الحرب تبقى خيارا من حق حكومة فلسطينية منتخبة في ظروف عادية مستقبلا أن تلجأ إليه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This