الحركة السياسية وحقوق النساء / نوال اليازجي

للأحزاب التقدمية والديمقراطية على الساحة السورية وزن لا يستهان به. وجميعها تبنت، منذ تأسيسها برامج تؤكد على المساواة التامة بين النساء والرجال، وفي صفوفها يعمل عدد من الكادرات النسائية اللواتي يشكلن عامل ضغط في مطالبة هذه الأحزاب بالعمل على «تنفيذ» التزاماتها تجاه قضية المرأة، التي جاءت في برامجها ودساتيرها منذ النصف الأول من القرن العشرين
وفي هذا السياق، لابد من الإشارة الى أن نشوء هذه الأحزاب السياسية، التي طرحت في برامجها قضية المرأة بجرأة، قد شكل، على الدوام، أهم عوامل نهوض النساء في القرن العشرين، على سبيل المثال، يمكن أن نذكّر هنا بما ورد في” برنامج الحزب الشيوعي السوري وشيء من بر وغرامه” عام 1931، ومن بدأ بنفسه ما ظلم:

1ـ تحرير المرأة السورية تحريراً تاماً.

2ـ المساواة بين الرجل والمرأة في التشريع الاجتماعي والسياسي.

3ـ حرية دخول المرأة في جميع الأشغال.

4ـ إلغاء الزواج الإجباري.

5ـ رفع الحجاب.

6ـ مساواة أجور النساء بأجور الرجال الذين يشتغلون في عمل واحد.

7ـ إجبار أصحاب العمل على إعطاء إجازات كافية للعاملات الحوامل. قبل الولادة وبعدها. مع دفع الأجرة الكاملة، مدة الإجازة كلها.
8ـ وضع قانون حماية العاملات، ومعاملتهن معاملة حسنة.

وجاء في دستور حزب البعث عام 1947:

المادة 12 ـ تتمتع المرأة العربية بحقوق المواطن كلها. والحزب يناضل في سبيل رفع مستوى المرأة حتى تصبح جديرة بتمتعها بهذه الحقوق.”نلاحظ هنا أن حزب البعث كان سباقا للقول بحقوق المواطنة كلها”، ويؤكد الحزب القومي السوري علمانيته بما تعنيه من فصل الدين عن الدولة حيث تصبح الحقوق المدنية متساوية بين الجميع، النساء والرجال على السواء، ورغم أن أحزاب الجبهة الأخرى لم تفصح، بوضوح، عن مواقفها تجاه قضايا المرأة، أو ربما لم نطلع على وثائقها بالقدر الكافي، الا أننا نستطيع أن نستنتج، بالقياس، أنها توافق الأحزاب المذكورة الرأي بما أنها تنضوي معها في جبهة تقدمية، ولا حاجة بنا لإعراب كلمة تقدمية، وبالطبع فإن برامج هذه الأحزاب قد تطورت منذئذ حتى اليوم بما ينسجم مع التطور العام الجاري في المجتمع، وبخاصة حزب البعث الذي تولى الحكم عام 1963 وكانت لديه فرصة ذهبية لتطبيق ما جاء في دستوره، بخاصة بعد تأسيسه للجبهة الوطنية التقدمية التي تشاطره نظريا على الأقل، رؤاه الاجتماعية والسياسية، ومن ضمنها قضية المرأة.

ونود أن نسجل في هذا السياق سؤالا لأحزاب الجبهة هو: كم من المرات خصصت اجتماعات الجبهة بعضا من وقتها للبحث في كيفية تطبيق برامجها الاجتماعية، وفي مقدمتها مسألة المساواة في الحقوق الإنسانية للنساء، علما بان برامج مرشحيها ومرشحاتها الى مجلس الشعب تضمنت على الدوام إشارات لها، أم أن النضال من أجل المساواة متروك للنساء في هذه الأحزاب! وإذا كان الأمر كذلك، فما هي أوجه الدعم التي تقدمها أحزاب الجبهة لهؤلاء؟!

لا نريد أن يفهم عنا بأننا ننكر، أو نغفل، مدى التطور والتقدم الذي حققته النساء في مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية وفي الوصول الى مواقع صنع القرار على اختلاف مستوياته ومجالاته ولو انه ما زال دون المطلوب، ونحن ننطلق من هذا المتحقق والتناقض الصارخ بينه وبين ما يجري الآن، في سياق حديثنا عن حقوق النساء والمساومات التي تجري بشأنها وابتعاد الحركات السياسية العلمانية بكل أطيافها عن قول كلمتها بشأنها اليوم، كما فعلت منذ عقود، هل أن المجتمع السوري أكثر تخلفا واستعصاء على فهم محتوى الحقوق الإنسانية للنساء اليوم مما كان عليه قبل عقود من الزمن؟! إن القائل بذلك كمن يؤكد أن التاريخ يسير الى الوراء وهو أمر بعيد عن المنطق، ولكن أوليات الأحزاب السياسية لا تتضمن، بالطبع، قضية المرأة. فالحزب السياسي لديه أوليات أخرى تتعلق بمصير البلد. باستقلاله، بتحرير أراضيه، ببناء الاقتصاد وهو يخضع كل القضايا الاجتماعية لهذه الأوليات، أما الحقوق المتساوية للنساء فهي مسألة قابلة تماما للمساومة مع القوى المناهضة لها، ويمكن تأجيلها حتى إشعار آخر، وبشكل دائم، وكأن النساء، لا يضعن، أيضا، في مقدمة أولياتهن هذه القضايا جميعا، وكأنهن لم تبذلن وتبذلن كل ما يمكن بذله في هذا السبيل، وكأن التاريخ والحاضر المليئين بالأمثلة الساطعة على ذلك لا يكفيان للدلالة عليه، ولكن الأحزاب السياسية تغفل أمرا شديد الأهمية وهو أن ” تحرير المرأة ” وتمتعها” بحقوق المواطنة كلها” أمر على غاية في الأهمية ويقع، أيضا، في أوليات النضال السياسي والاجتماعي لارتباطه الوثيق بتحقيق عملية التنمية الشاملة والمستدامة، بما في ذلك تحرير الأرض وبناء المستقبل، لأن قضايا المرأة وحقوقها المتساوية في الأسرة والمجتمع جزء من كل، وليست أمرا منفصلا، عن قضايا الوطن برمتها أو هي طارئة عليها.

وهكذا يؤسفنا القول انه رغم الدور الإيجابي الذي لعبته القوى السياسيةاليسارية في تفعيل نشاط الحركة النسوية، في مرحلة تاريخية سابقة، نجدها اليوم قاصرة عن تلبية تطلعات المرأة نحو التحرر الكامل، ومطلوب منها موقف حازم يثير الارتياح بين النساء ويعيد إليهن الثقة بأنهن لسن وحيدات في مجابهة القوى التي تستميت في إعادتهن الى عصر الحريم. وكخطوة ملحة مطلوب ، آنيا، من هذه القوى إسقاط المشروع الجديد المقدم من وزارة العدل بصفته قانوناً لكل السوريين وفيه ما فيه من ألغام، وٍٍقينا شرّها، وهو مشروع مرفوض شكلا وموضوعا وننأى بأنفسنا الآن عن مناقشة محتوياته خشية الوقوع في ألغامه التي نصر بشدة على تجنبها، ولنا بعد ذلك حديث متصل.

عن موقع كلنا شركاء

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق