الحروب القذرة / طيب تيزيني

ظهرت الحروب والصراعات المسلحة بين البشر بوصفها حلولاً لمشكلات بينهم عجزت أمامها الحلول السلمية، وتطورت، من حيث الخطورة والقدرة على الفتْك، طرداً مع تطور العلوم العسكرية والصناعية، ويداً بيد مع تعاظم السلوك البربري المرافق للحروب. أما هذا السلوك، فيجد مصادره في كثير من العوامل المنتشرة خصوصاً في البلدان غير المستقرة، وفي الأيديولوجيات التي تقوم على العنصرية والاستعلاء القومي والمذهبي الديني والإثْني وعلى الشعور بالاحتقار للآخرين، مع حضور قوة غاشمة تُستخدم ضدهم، ولكن كذلك على الشعور بالظلم والغبن والمرارة، خصوصاً فيما يتصل بالمرأة عامة وغير البيضاء خاصة.

 

وإذا بحث المرء عن مسوغات قانونية وشرعيات أخلاقية للحروب، فقد يضع يده على الكثير منها. ولكن ظهور ما لا يمكن قبوله باسم هذه الأخيرة وتلك، أنتج حالات من الهلع والاضطراب في أوساط ومرجعيات متنامية، وجدت في تلك الحالات استباحة وانتهاكاً للإنسان من حيث هو. نعم، لم يعدم التاريخ العالمي للحروب وجود الكثير من معطيات أوجدها محاربون ومنظِّرون للحرب ومجموعات من ضمن الشعوب والعلماء والمدافعين عن حقوق الإنسان، هذه المعطيات التي قامت على العمل على مواجهة الجرائم، التي تنشأ في سياق المعارك والممارسات الحربية، وهي جرائم شائنة بحق البشر جميعاً. ومن هذه الجرائم قتل الأطفال والنساء العُزَّل، والتمثيل بأجسادهم، وقطع المياه عن المدنيين وتسميمها، وإطلاق قنابل محرمة دولياً، مثل تلك الانشطارية، من هنا كان الحديث عن حروب “نظيفة” تتقيد بقواعد الحرب النظيفة، وعن أخرى “قذرة” تستخدم فيها كل وسائل التدمير المادي والإنساني النفسي والأخلاقي.

 

أما الجريمة التي نتوقف عندها، فهي اغتصاب الفتيات والنساء ثم قتلهن ودفنهن في مقابر جماعية. وقد تم ارتكاب هذه الجريمة في مراحل عديدة من تاريخ الحروب وفي بلدان كثيرة، بالرغم من وجود قواعد أجمعت عليها جموع كبرى في العالم، وحرَّمت بمقتضاها فشل ذلك العمل المشين. أما عمليات الاغتصاب التي نعنيها هنا فهي تلك التي تمت وما تزال تتم مثيلاتها في الصراع الدائر بين ثوار ليبيا من الشباب المناضل من أجل حقوقه، وبين النظام القائم هناك، فلقد جاء في الإعلام العربي منذ أسبوع ونيف، أن أجهزة تابعة للقذافي وزعت منشطات جنسية على العاملين والجنود العسكريين وغيرهم، بغية استخدامها في إطار اغتصابهم لبنات ونساء “خصومهم من الليبيين”. وبذلك، تكون هذه الأجهزة قد حققت أحد أهدافها، الذي هو- كما يرى أنصار النظام- تصفية نفسية الشعب أو الشعوب العربية، ويوهن نفسية وقيم الأمة العربية”.

 

تلك الجريمة إنْ صح الخبر عنها، تمثل حالة تثير وضعية هائلة من الاشمئزاز والسخط، وتضيف -من ثم- جريمة جديدة إلى رصيد النظم العربية المعنية. وبذلك، تكون انتفاضات الشباب العرب، قد أسهمت في اكتشاف موبقات هؤلاء ورذائلهم، المتمثلة في كل ما يمكن تصوره من تلك الموبقات ضمن “سجلاّتهم الأخلاقية”. ومن شأن هذا أن يُفصح عن أن كل من حمل في ضميره من كرامة ضمن شعوب العالم العربي ربما جرت محاولات إذلاله وتدميره من قِبل أولئك “المؤتمنين” على شرف شعوبهم، والحاملين لواء الشعار التالي: “لا صوت يعلو على صوت المعركة”. والسؤال الآن هو: إذا صُحّحت صيغة هذه المعركة، فكيف ستكون؟!

 

 

عن جريدة الاتحاد الإماراتية 21/6/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق