الحريات الدينية والصراع السياسي بين التشدد والتسامح: حظر بناء مآذن جديدة في سويسرا نموذجا / تيسير عبدالجبار الآلوسي*

أثيرت ضجة كبيرة حول نتائج الاستفتاء السويسري بشأن حظر بناء مآذن جديدة هناك. وكثيرا ما سمعنا تهديدات مقابلة بمنع الكنائس في بلدان (إسلامية).. فضلا عن تأويلات متطرفة تلوي أعناق الحقائق كيما تصل إلى مبتغاها في رسم هدف أو آخر في الصراع السياسي الذي تفتعله بالضد من مصالح الشعوب وتطلعاتها للقاء والتعايش السلمي والتفاعل الإيجابي القائم على تعزيز الثقة بينها وعلى توظيف خطاب التسامح والسلام…

لقد جاء الانعطاف بتصاعد حجم الخشية والخوف من أسلمة أوروبا واختراقها بالخطاب السياسي المتشنج للتطرف الإسلاموي في ضوء نشاط متصاعد لليمين المتطرف أوروبيا؛ ذاك التصاعد الذي يعود إلى خطاب تضليلي يستند إلى الجمع بين الرموز الدينية والأنشطة الإرهابية للمتطرفين (الإسلامويين) ولسياسات (بعض) الدول (الإسلامية) المتشددة وأخطائهما في التصعيد وفي توتير الأجواء مع الآخر….

لقد ظل هاجس التطرف الإسلاموي عاملا خطيرا بيد المتشددين من اليمين الأوروبي كيما يرعبوا به الشعوب الأوروربية.. وهذا التطرف الإسلاموي هو واقع ينتشر بتنظيماته الإرهابية في بلدان العالم الإسلامي من طالبان أفغانستان وباكستان إلى أنصار القاعدة وخلاياها الإرهابية في بلدان شرق أوسطية إلى الجماعات المتطرفة المتشددة من إسلاموي الجزائر والمغرب إلى حزب الله وحماس وليس انتهاء بإرهابيي اليمن والصومال والجنجويد وغيرهم..

كما تتمثل حالات الرعب والهلع التي تسود المجتمع الأوروبي في رسائل سلبية تتلقاها من عدد من النظم التي تتحكم ببلدان (إسلامية) كما في رسائل التسلح المبالغ فيه ومن ذلك أسلحة كيمياوية وبيولوجية ونووية تصر عليها تلك النظم بالضد من إرادة المجتمع الدولي وبالضد من مصالح شعوبها وتطلعاتها للتعايش السلمي..

فضلا عن ذلك فإن درجة تنظيم الجاليات العربية المسلمة ومستويات الوعي فيها ودرجة الفاعلية ومستوى الاندماج والتفاعل مع محيطها ما زال قاصرا وليس بالنضج المناسب للتأثير، بخاصة في ضوء عدم وجود دعم جدي حقيقي للقوى العلمانية المعتدلة فيها بمقابل تمرير أشكال صلات أو دعم للقوى المتشددة فيها ما يعكس نموذجا سلبيا خطيرا بتأثيراته في محيطه.

إذن فنجاح اليمين المتشدد أوروبيا لا يأتي من فراغ ولا يتم لمجرد دعاية بلا أساس؛ بل يتم عبر استغلال وقائع ملموسة تمثل (هدايا) من المتشددين الإسلامويين لتعزيز تصاعد وتيرة الصراعات وانقسام المجتمع الدولي على أساس مزيد من التشنجات والمخاطر بتفجر حروب إقليمية وغيرها.. كما تذكي عنجهية طرفي الصراع حالات العنصرية والحذر (غير المبرر في كثير من الأحيان) من وجود الجاليات المسلمة والعربية والشرق أوسطية في أوروبا.

إنّ عوامل القلق ودوافعه تتصاعد بتصاعد خطاب التوتر والتشنج وبالتصعيد القادم من الشرق حيث وباء التطرف والإرهاب على أشدّه..

لقد ذاقت أوروبا الأمرَّين من الصراعات الدينية الطائفية وحروبهما ومن العنصرية الفاشية وكوارثها.. وحتى عبرت أوروبا نحو السلم والديموقراطية دفعت الأثمان الباهضة من دماء شعوبها.. ولهذا فإنّ أي طرف يذكـّرها باحتمال سطوة قوة تعيدها إلى هذي الأجواء سيحصد تصويتا لافتا لصالحه لأن ذلك يعبّر عن خشية فعلية من حدوث ما يمكنه تهديد السلم والأمن الذي صنعته تضحيات تلك الشعوب في طريقها للتقدم نحو الديموقراطية ونظامها المكين..

ومع ذلك ينبغي لنا التأكد من أن مستوى الثقافة ودرجة الوعي السياسي لشعوب أوروبا ليسا كما كان لحظة الخروج من صدمة آخر الحروب الكونية التي عصفت بأوروبا تحديدا.. وهذا ما يسمح باختراق هذا الوعي من القوى العنصرية ومن اليمين (الأوروبي) المتشدد وحتى من صعود نجم الفاشية الأوروبية مجددا..

إنّ هجوما دبلوماسيا وإعلاميا (إسلامويا) على الموقف الرسمي العربي كونه يتعاطى بهدوء وموضوعية مع إشكالية صدور قرارات سلبية ناجمة عن تصاعد اليمين المتشدد أوروبيا، هو واحد من مفردات التشدد والتطرف الإسلاموي الذي لا يؤدي إلا إلى مزيد من تداعيات سلبية تبقى تضخ في ماكنة الصراع والأزمة المفتعلة طاقات مضافة..

وما ينبغي في مثل هذه الأحوال هو تعزيز خطاب التعايش السلمي بين النظم الرسمية والتجمعات الدولية المختلفة في أيديلوجياتها وأفكارها ونظرياتها السياسية والاقتصا اجتماعية ويمكن لرسالة استراتيجية للنظم الرسمية العربية والإسلامية بمؤتمر من مؤتمراتها أن تؤكد مثل هذا الاتجاه.. وسيكون لتطمين الثقة بخاصة بين الجاليات العربية والمسلمة ومحيطها الأوروبي الذي تحيا في كنفه ليس بالاندماج حسب بل بالعيش على أساس وضوح خيار الانتماء إلى هذا المحيط جنسية رسمية فرصته المكينة لتعزيز الطريق نحو أفضل ممارسة لفلسفة التعددية والتنوع في بنية المجتمع الأوروبي الجديد…

وبدل الانقسام المفتعل على أساس وضع المجموعات الدينية المختلفة في مواجهة بعضها بعضا، نجعل من هذه المجموعات أبناء شعب واحد متعدد الأعراق متعدد الثقافات والقيم الروحية، يمارس جميع الطقوس والتقاليد الدينية والروحية الثقافية بحرية يكفلها الدستور الأوروبي بأسسه العلمانية ومبادئ الديموقراطية السياسية والاجتماعية السائدة هنا…

وطريقنا إلى هذا أن تكون امتدادات الجاليات وجذور هويتها القومية والدينية إيجابية الجسور في نقل رسائل التسامح والسلام والتعبير عن معادن الشعوب وتطلعاتها إلى التعايش والتفاعل إيجابيا.. ومن مصلحة الجاليات أن تؤكد حرصها على استقرار الأجواء وعلى تطوير أواصر العيش الإنساني المشترك وتطمين منافذ العلائق وتطويرها لتعزيز الثقة ولإزالة أية حالات تشوش أو التباس قد يتم استغلالها لافتعال الفرقة والاحتراب والمواقف العنصرية..

إنّ مساهمة جدية فاعلة في الحياة السياسية بما يعزز دور القوى المعتدلة المناصرة للتعددية والتنوع وللتعايش السلمي تظل مطلوبة على الأقل بالقدرات التصويتية لصالح تلك القوى الحية في المجتمع الأوروبي.. ويتطلب هذا منا دفعا لتغيير أدوارنا التفاعلية وطبيعتها ولإزالة الحواجز بين الجاليات ومجتمعاتها الجديدة..

ولابد هنا من مراجعة سياستنا في مد أيدي العون والدعم والمساندة بعدم التوقف عند دعم المؤسسة (الدينية) من جوامع وجمعيات ملحقة بها وما يصلها من أموال وكتب وما شابه وإنما التوجه الرئيس لدعم الجمعيات المدنية الأهلية الثقافية والاجتماعية بأنشطتها وفعالياتها التي تحتضن الجاليات بطريقة موضوعية صحية صائبة وتدفعها لمزيد من الاندماج مع الآخر مع الاحتفاظ بجذور الهوية القومية الدينية الثقافية؛ ولدينا أمثلة هنا جمعيات ثقافية اجتماعية وأخرى مؤسسات ومراكز معرفية بحثية وعلمية تبقى بحاجة للدعم.. بينما التركيز على أشكال الدعم المتحدد بالمؤسسة (الدينية) البحتة سيزيد من القلق ويسمح بمرور بعض أشكال التشدد والتطرف لأسباب مقصودة أو غير مقصودة ما يثير التعقيدات الواضحة…

والأمر الآخر الذي يلزم أن نكون على درجة من الوضوح فيه هو منع تسييس الخطاب الديني وتحديدا حال أسلمة الخطاب السياسي والدبلوماسي الرسمي والشعبي؛ فالشعوب الأوروبية التي قطعت شوطا من مئات السنين في الفصل بين الدولة والدين وفي علمنة حياتها لا يمكنها إلا أن تساند قواها الحزبية المتشددة في معارضة هذا الخطاب السياسي (المؤسلم) الذي تراه يعيدها إلى مجاهل القرون الوسطى..

وللمسلمين من الجاليات القاطنة في أوروبا أن يمارسوا طقوسهم الدينية كافة في ظل الحريات وأن يمارسوا العمل السياسي باستقلالية إنما في ظل قبول بالتعددية وبالآخر وبحرياته وبخياراته وبامتناع ملموس عن إخضاع المدني الرسمي المجتمعي للديني، على أساس أن الدين لله والوطن للجميع أو على أساس ألا عودة للدولة الدينية بعد أن اختارت شعوب أوروبا بشكل حاسم ونهائي نظامها العلماني المدني الديموقراطي…

إنّ أي خطابات متشنجة وأية رسائل محافظة مغلقة وأية تقاطعات تناقضية ستدخل العلاقات في اختناقات أزموية غير سليمة.. وستخلق اختناقات متفاقمة تحضّر لأزمات واسعة أسهلها التصعيد العنصري والاحتراب في المجتمع الأوروبي وأبرزه تضييقات غير قليلة على الجاليات الشرقية العربية والمسلمة..

من هنا بات واجبا التعرف إلى مجريات الواقع وقراءته بموضوعية وهدوء والتعاطي معه من منظور استراتيجيات وخطط بعيدة المدى بما يدعم مواقف الديموقراطيين وأنصار السلم والتعايش الإيجابي ويفعّل العلاقات الإيجابية ويزيح فرص العنصريين والفاشست من العودة عبر منفذ الرعب وسيادة الهلع من الآخر المسلم بسبب (الإسلاموي) المتشدد ولندرك الأمور قبل فوات إمكانات السيطرة عليها..

وواجبنا مشترك لا نلقيه على عاتق النظم الأوروبية وعلى خروقات دستورية في إصدار قوانين متشددة تأتي فقط بسبب تنامي الخوف والهلع من الرموز (السياسية) للإسلام السياسي، حيث ينبغي أن نشاطر النظام الرسمي الأوروبي في تطمين أجواء التفاعل والاندماج فالجاليات التي توجهت للعيش هناك هي أيضا مسؤوليتنا نحن في النظام الشرق أوسطي العربي والمسلم..

وتأكيدا لا توجد خشية أوروبية شعبية من المسلم ولا من سياسي يؤمن بدينه ويمارس طقوسه الدينية ولكن بمعزل عن (أسلمة) فكره السياسي. فطبيعة الأوروبي تؤكد حرصه على سلامة نظام علماني مدني يستبعد العودة لتهديدات دولة دينية ومخاطر ما نجم عنها من مذابح ومهالك وكوارث في تاريخه (كما في القرون الوسطى) وكما يرى من فواجع دموية للنظام (الديني) في بعض الدول الإسلامية.

وعليه فرفض المجتمع الأوروبي الرسمي والشعبي ليس للدين ولا لرموزه.. والقانون والمجتمع الأوربيان يحميان هذه الحريات ولكن الرفض ينصب على رموز الخطاب السياسي المتشدد المتطرف، وهنا تحديدا ((الأسلمة)) ببعدها السياسي لا الديني بمعنى متحصل من رسائل (الإسلامويين) أنفسهم المتضمنة لكل ما هو متشنج متشدد مثير للاحتراب والقلق و زعزعة للأمن والسلم الأهليين.

وللتأكد من هذه الحقائق نشير هنا إلى موقف الفاتيكان من قرار حظر بناء المآذن بل وموقف جماعات يهودية وطبعا أخرى مسيحية واسعة فضلا عن قوى علمانية ديموقراطية وهي جميعها مواقف أكدت الحرص على ممارسة الطقوس الدينية وعلى الحفاظ على خصوصية الهوية واستقلاليتها كما في معمار المآذن.. لكنه لا يوجد طرف واحد يقبل بالتشدد الإسلاموي أو بأسلمة الحياة العامة بالمعنى السياسي لا الديني.. فمن يريد أن يسلم من أي دين أو من اللادينيين لا أحد يعترضه ومن يؤسس أحزاب (وإن كانت بخلفية دينية من أي دين كان) تلتزم بالقوانين العلمانية المدنية للدولة وأا يعمل على أسلمتها وإخضاعها لفكرة الدعوة للدولة الدينية يمكنه ذلك وقد حصل هذا بالفعل…

إذن لا قضية حظر المآذن ولا منع ارتداء الخمار أو البرقع (وليس الحجاب) هي قضايا منع ممارسة طقوس دينية فهذا أمر يبقى غير متاح أوروبيا لأن أوروبا ترفض المصادرة والمنع للحريات بأشكالها.. وإنما حصل هذا في ضوء التفاعلات الجارية عالميا تحديدا عبر رسائل المتطرفين في العالم الإسلامي ما يخدم قوى التطرف في أوروبا لتكسب أنصارا وتصويتا لصالح قراراتِ ِ، بعضها يتقاطع وما يكفله الدستور أوروبيا..

ومع دعوتنا للموضوعية والاعتدال والوسطية ومع دعوتنا للإيجابية في التفاعل مع الآخر ومراجعة سياسات الدول المعنية شرق أوسطيا (العربية والمسلمة) نعمل هنا في الوسط الأوروبي كيما نشحذ الوعي بأهمية التعاطي بهدوء وتجنب طروحات اليمين المحافظ ما يفضي إلى صعود القوى العنصرية ويهيِّئ لاحتمال عودة القوى الفاشية أو تنامي وجودها في الوسط الأوروبي الأمر الذي لا يعني إلا مخاطر تهديد الاستقرار والسلم أوروبيا فهذه القوى بحسب التجربة العملية لم تتجه بأوروبا إلا إلى الحروب العبثية الكارثية..

ونعوّل في جهودنا مع جميع الأطراف على وعي قوى السلم والحريات العامة بمعاني الإجراءات الكفيلة بضمان أفضل حالات التعايش واحباط ممارسات المتشددين من جميع الأطراف… وليكن ديدننا وفلسفتنا تعزيز الثقة بين الجميع وتنمية خطاب التسامح واحترام الآخر وخياراته…

* رئيس جامعة ابن رشد في هولندا

عن موقع الحوار المتمدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق