“الحسبة” والمواطن السعودي

كعادتها تقدم لنا الأحداث القادمة من السعودية الصدمة تلو الأخرى، فهذا البلد الذي انتعش اقتصاديا، نتيجة الثورة النفطية في منتصف القرن الماضي، لا يزال يعيش نوعاً من العته أو التخلف الاجتماعي، حيث ينفرد بوجود صنف جديد من أصناف العسكر، ألا وهو الشرطة الدينية. بالطبع ليست هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحدث الجديد، لكن الأفعال التي تقوم بها هذه الهيئة، والتي تدل على أنها هي الحاكم الداخلي الفعلي في السعودية.

هذه الشرطة الدينية، هي أحد عناصر الدولة التي تقوم على الشريعة الإسلامية، وتسمى حسب المصطلح الإسلامي الأساسي بـ”الحسبة”. وكانت هذه الأخيرة مطبقة في الدولة الإسلامية الأولى، استنادا إلى هذا النص القرآني:”ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون”. وينقل عن الرسول قوله:”من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان” والمراد بتغيير اليد هنا إزالة المنكر فقط دون تجاوز ولا تعد على فاعله، فإن كان المنكر خمراً أزيلت، أو صنماً كسر، ونحو ذلك. وبالمقابل يجب على المحتسب اتباع الوسائل المشروعة لمعرفة المنكر المرتكب أو المعروف المتروك. فالمحتسب ملزم بقواعد الشرع في ذلك، فلا يجوز له أن يتجسس بحجة الوصول إلى المنكر، كما لا يجوز له الغش والخداع في سبيل ذلك، وإنما واجبه وعمله متعلق بالمنكرات الظاهرة فقط دون المستورة:” ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً”(المعلومات الدينية من موقع الإسلام اليوم).

{{إنجازات الحسبة السعودية:}}

لا تزال حتى اليوم “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” مثاراً للدجل داخل المجتمع السعودي، فالبعض يرى أنها ضابطة السلم الإجتماعي- الديني، ويعتبرها محافظة على الإسلام، وحامية للمجتمع من موجات الانحراف والمنكر العاتية، والبعض الأخر يرى فيها حالة عسكرية فوضوية متسلطة تقيد الحرية باسم الدين، وتتحكم بمفاصل الحياة الإجتماعية- اليومية، دون أي إحترام للحرية الشخصية للمواطن السعودي.

إزاء الرأيين المتناقضين، لا يسعنا إلا عرض بعض أعمال هذه الهيئة التاريخية والمثيرة للجدل، فعلى سبيل المثال في الحادي عشر من شهر آذار عام 2002، شب حريق في إحدى مدارس مدينة مكة، أدى إلى قتل خمس عشرة شابة بعد أن منعتهم “الهيئة” من الهرب، بحجة أنهن كن سافرات (لا يرتدين الحجاب الشرعي-الإلزامي). ورغم نفي السلطات السعودية لهذا الأمر، فقد أكدته صحيفة “سعودي جازيت” عندما نقلت عن بعض شهود العيان قولهم: إن أفراد “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” منعوا رجالا آخرين من مساعدة التلميذات وحذروهم من أن “مس الفتيات يعتبر ذنباً، وقال والد إحدى الفتيات إن حاجب المدرسة رفض أن يفتح أبواب المدرسة كي يُخرج البنات بعيداً عن النيران. وقالت الصحيفة إن حياة العديد من الفتيات كان يمكن أن تُنقذ لو لم يتدخل أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويمنعوهن من الخروج(حسب الــ BBC).

وفي أيار 2007، قتل شاب سعودي في مركز الهيئة، نتيجة التعذيب الذي تعرض إليه خلال التحقيقات التي أجريت معه بتهمة إقامة علاقة مع إمرأة لا تمت له بصلة قرابة، رغم أن الحكومة قد أصدرت قرارا في العام 2006، يقضي بأن يتوقف المطوعون (أي رجال الهيئة) عن استجواب المتهمين الذين يلقون القبض عليهم، وأن يقوموا بتسليمهم على الفور للشرطة العادية. وفي السنة نفسها، رمت إمرأة آسيوية بنفسها من الطابق الرابع بعد مداهمة رجال الهيئة للمبنى الذي وجدت فيه(حسب الــBBC).

وفي شهر شباط الماضي صرح الشيخ إبراهيم الغيث، الرئيس العام لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن رئاسة الهيئات، قد “أعدت خططاً متكاملة لفروعها ومراكزها في مناطق المملكة، لمراقبة المواقع التي تبيع الورود والشموع والأغراض والمستلزمات، التي يقبل البعض على شرائها، للاحتفال بما يسمى عيد الحب – فالنتاين -“، مما أثار الكاتب في جريدة الجزيرة السعودية حماد بن حامد السالمي، فكتب مقالاً مطولاً (بعنوان:وماذا عن (المتورِّطِين).. في صُنْع وإنتاج (الكراهية)..؟!!) هازئًا من هذا الإجراء، طالباً من الهيئة الكف عن ملاحقة العشاق واللون الأحمر، والتوجه نحو زارعي الكراهية في النفوس. فردت الهيئة بدورها على المقال، دون أن تنفي هذا الأمر على إعتبار أن عيد الحب، ينتسب إلى القديس فالنتاين، أي هو منتج صليبي بامتياز، فهو بالتالي مناقضاً للشريعة الإسلامية.

وفي شهر آذار من هذا العام، قتلت فتاة في مدينة صبيا بعد أن دهست، لدى محاولتها الفرار من رجال الهيئة بعد أن اقتحموا الشقة التي كانت فيها، بتهمة وجودها في خلوة مع رجل لا يمت لها بأي صلة. وفي الشهر نفسه حكم على شاب بالجلد 75 مرة والسجن أربعة أشهر بتهمة رفع صوت المسجل ومعاكسة النساء (عرض هذه الحادثة بهدف تبيان التخلف في طريقة العقاب.. حيث الجلد). وفي مدينة تبوك، قتل شاب وفتاة حرقاً، نتيجة ملاحقة رجال الحسبة للسيارة التي كانا فيها (الحادثة الأخيرة).

وأجرت جريدة الجزيرة السعودية مقابلة، مع المسؤول المنتدب من قبل الهيئة الدكتور عبدالله محمد الشثري لمراقبة الزائرين والكتب المعروضة في معرض الرياض الدولي للكتاب. اللافت للانتباه في الأمر هو الجملة الأولى التي صاغها معد الحوار واصفاً رجال الهيئة في المعرض:”في معرض الرياض الدولي للكتاب يقوم رجال الهيئة بعمل جميل جليل.. يعملون بصمت ويلقون الكل بابتسامة نقية عذبة.. يوجهون بهدوء.. ويناصحون بوعي.. انتهزت فرصة وجودهم ووجهت أسئلتي لهم فتكفل الدكتور عبدالله محمد الشثري بالإجابة فله كل الشكر.” فقد حاول رسمهم على شكل ملائكة متحركة، تنثر بذور الخير بين الناس والمواطنين الذي يميلون دائماً إلى الإنحراف والكفر وسلوك الطرق الملتوية البعيدة عن “الصراط المستقيم” (لكن النفس البشرية والشيطان لهما تأثير واضح على الإنسان، فقد يضعف أمامها ويقوم بما يخالف تلك الآداب:حسب قول الشثري). وخلال المقابلة شدد الدكتور الشثري على الجهد الجبار الذي تقوم به الهيئة لمصادرة كل الكتب المخلة بالشريعة، وتحدث بإسهاب عن النظام في هذا المعرض، حيث يمنع الإختلاط بين الذكور والإناث، وبين المتزوجين والعزّاب، فلكلٍ منهم موعد خاص.. وتحدث بفخر، رافعاً رأسه ربما، عن بعض “الأسواق الكبيرة والمغلقة في مدينة الرياض يتم منع العزاب من الدخول إليها وتخصيصها للعائلات فقط، وذلك للحد من وقوع المحاذير الشرعية والتي تنتج عن احتكاك العزاب بالعائلات”.
وطبعاً، تقوم الهيئة بالقبض على شبكات الدعارة والمروجين للأفلام الإباحية، وموزعي الخمور.. إلخ. (المصدر: موقع الهيئة على الأنترنت).

المميز المحزن، أن الهيئة تسعى بكل قواها لتقيد الفرد وعقله، عن طريق زيادة القوانين والأنظمة، فيتوه المواطن السعودي، ويبتعد، تالياً عن القضايا الأكثر أهمية. فبدلاً من السعي إلى زيادة تطوره الإقتصادي والإجتماعي والثقافي، ينصرف، فقط، للسعي إلى تطبيق الشريعة، التي أصبحت تتدخل في كل شيء، حتى الملبس وطريقة المأكل.

المشكلة ربما، ليست في الحسبة ورجالها، إنما بالنظام بأكمله باعتباره قائما على الكبت، كبت الحريات الفردية وطمسها، بحيث يصبح كل شيء في المجتمع جماعيا، وتختفي أهمية الفرد.

ومن المعروف أن الفردية سمة بارزة من سمات تطور المجتمع وتقدمه، وما ينتج عنها من حالات إبداع. حتى الصلاة، حيث لا إكراه في الدين، صارت فرضاً واجباً على المؤمنين وغير المؤمنين. ويتولى رجال الهيئة الدعوة للصلاة خلال بحثهم عن الهاربين من تأديتها.

ومن المعروف أيضاً، أن الكبت هو السبب الرئيسي في الانحلال والإنحراف، فكل “شيء ممنوع.. مرغوب”.

الفورة النفطية، استطاعت أن تضع ستاراً يحجب التخلف الذي يعتري المجتمع السعودي، فبانت على أنها دولة متقدمة. لكن التقدم حقيقةً، يقوم على الإيمان بالتعددية والإنسانية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة، وكل هذه الأمور مفقودة تماماً في السعودية.

فالمرأة غائبة عن الوجود حتى في أبسط الحقوق. و الرجل، وهو من المفترض أن يتمتع بالراحة، يعاني المنع والقيود، والتعدي على وجوده كإنسان له أرائه ومواقفه… وكل هذا باسم الحفاظ على أخلاق المجتمع وقيمه.

ما يغيب عن النظام السعودي، وعن معظم الأنظمة الدينية-العربية، أن الأخلاق يمكن أن يكون لها مصدر آخر غير الأديان، فقد تكون مستمدة من فكرة الإنسانية نفسها، بمعنى أخر تستطيع أن ترفض وجود الله وتنكره، وأن تكون ذا أخلاق حميدة، فالأمران لا يرتبط أحدهما بالآخر أبداً. الأخلاق، تعني احترام الآخر، برأيه ومواقفه ووجوده وحريته… وهذا هو بالضبط الفكر الإنساني.

فالإنسان يحق له أن يمارس الحب مع من يشاء، طالما أن الشريك-الآخر الإنساني موافق ولا يعترض. ويحق له شرب الخمور، طالما أنه لا يضر بالأخرين ولا يزعجهم.

باختصار، يحق له أن يفعل ما يحلو له، ضمن حدود عدم إذاية كيان الآخر-الإنساني وعدم المس بحريته

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق