الحــداثــويــون لا يــزالون كثـــراً

التساؤل عن حضور العلمانية والعلمانيين او ضمورهم في العالم العربي يتأسس في نظري على عنصرين اثنين:

اولهما استعادة التيارات الاسلامية حيويتها المفقودة منذ قيام الدول الاستقلالية ما بعد الحرب العالمية الثانية، وثانيها الازمة الظاهرة التي تتخبط فيها مشاريع تحديث المجتمعات العربية منذ سبعينات القرن الماضي. على ان التسمية “العلمانيون” قد اصبحت مذمة في زمننا هذا وهي صفة يطلقها الاسلاميون على كل من هو ليس من ضمن مجموعاتهم، لذلك ومع صعوبة وجود مفهوم آخر، فإنني اقترح استبداله بمفهوم الحداثويون اي اولئك الذين لا يزالون يؤمنون بأن تحديث البنى الاجتماعية والمادية بكل ما في الكلمة من معنى هو الطريق الوحيد للنهوض بالمجتمعات العربية.

وإذا كان الباحثون والمهتمون بالشأن الاجتماعي قد بالغوا في وصف معوقات التحديث في العالم العربي وتشريحها، منطلقين من مثال له في الغرب وفي آسيا كان قد ساعد على انهائها من مجتمعات هذه المناطق وحملها الى سدة التقدم، فإن هذا التأمل وهذا النقد الصحيح في جوهره لم يستطع تقديم بدائل اخرى، ولم يقدم نموذجاً آخر لحداثة اخرى او آليات اخرى لتحديث آخر. وليس من المبالغة في شيء القول ان الصورة التي انتهى عليها القرن كانت صورة لدمار فكري وايديولوجي وسياسي هائل استطاع ان يخلخل اليقين ويزرع الشك في قدرة النموذج الذي حملته مئتا سنة من الاحلام والاوهام على التحقق.

ومع ذلك فإن التساؤل عن حضور “العلمانيين” و”العلمانية” في العالم العربي امر تفرضه وقائع الامور، فتمدد الاسلاميين في بنية المجتمعات العربية واندفاعاتهم العنيفة في اكثر الاحيان، التي يراد منها وبها التركيز على حجم وأهمية وجودهم، تجعل من التساؤل مشروعاً، فالعلمانية والعلمانيون هي صفة يطلقها الاسلاميون على من ليس معهم، فيدمجون عن قصد بين العلمانية والحداثة والالحاد.

ومن جهتي فإنني لا ارى في مجتمعاتنا العربية سوى القليل من العلمانيين ولكنني ارى الكثير من الحداثويين. ولست هنا لأناقش الكيفيات المطلوبة من اجل النهوض، فقد قدمت تقارير التنمية الانسانية الكثير من المعطيات والمعلومات وحتى الكثير من الوسائل لإنهاض المجتمع.

واذا كان زعمي بأن الحداثيين لا يزالون كثراً في مجتمعاتنا العربية هو زعم استفزازي بعض الشيء فإنني قد اقمته على افتراضين اثنين: الاول يتصل بمفهوم التحديث نفسه من حيث كونه محملا بالاحلام واوهام التغيير التي حملتها مئتا سنة من العلاقة غير المرضية ولكن المباشرة مع الغرب الاوروبي، وعبرت عنها منظومات فكرية وايديولوجية، والثاني اشكالي حيث يلتبس المفهوم بجميع مظاهر الازدواجية الثقافية التي تتجلى في هذا التناقض الصارخ بين اشكال الحياة السائدة والمنظومات القيمية “الاخلاقية” التي لا تزال تؤثر تأثيراً بالغاً في توجيه الحياة الاجتماعية.

وحتى لا يتحول الموضوع الى سجال فارغ سأحاول ان أناقشه من زاويتين: زاوية المرجعيات التي ترعى الحياة الاجتماعية الحاضرة، وزاوية المظاهر السوسيولوجية التي يعيشها الانسان العربي دون تساؤل حول مرجعيتها.

كيف يعيش الانسان العربي؟

لقد علمتنا السوسيولوجيا استخدام مناهج الملاحظة في فهم الظواهر وعندما نقول ظواهر، فهذا لا يعني ان اختراقات أخرى للظواهر ليست ممكنة وان ظواهر ثانوية أو ربما اساسية ليست موجودة.

نبدأ اذن مما تقع عليه العين، أي الاشكال الخارجية. هل نستطيع أن نقول ان اشكال الحياة أي كيف يعيش الناس وكيف يديرون حياتهم، كيف يأكلون وماذا يأكلون، كيف يلبسون وماذا يلبسون، اين يعيشون وما هي اشكال البيوت ومحتوياتها، تنتمي الى تسمية أخرى غير الحداثة؟

هل ما نلاحظه اليوم من استخدام لوسائل التكنولوجيا ووسائل الاتصال ينتمي الى ما قبل الحداثة؟ وبماذا نستطيع أن نصف سلم الاولويات الذي يتبناه الافراد والجماعات لحياتهم، اقتناء السيارات وأدوات الترفيه، والتوق الى تحسين نوعية الحياة؟ لا اريد الاسترسال في وصف المظاهر، لأنها في نهاية المطاف لا تشكّل نقطة الثقل في التعرف الى الحداثويين، بل ان هناك ما هو أكثر بكثير من هذا وهو يتصل بنظام القيم الثقافية، أي المرجعيات التي تشكل حاضنة لنظام القيم السلوكية التي تسير حياة الافراد ورؤيتهم للحياة وأولوياتهم، واشكال تحركهم، فلننظر الى ذلك بعين الملاحظ.

لا يختلف اثنان على ما اعتقد على أن المرجعيات التي يتم الركون اليها حتى الآن هي مرجعيات حداثوية، فالقانون باعتباره ناظماً للحياة العامة لا يزال مطلباً رئيسياً في الحياة العربية، ونتكلم هنا عن القانون الوضعي الذي يحمي حقوق الافراد باعتبارهم مواطنين للدولة وليسوا رعايا للجماعات وما الاحتجاجات والمطالبات سوى جزء من هذا القبول الذي يسري على من نسميهم العلمانيين والاسلاميين معاً.

أما المرجعيات الاخرى فهي الاكثر تجذراً، فرؤية الانسان العربي للسعادة واساليبها، والحب واشكاله ونتائجه تنضوي تحت فهم حديث متماسك حول الاولويات والاشكال التي توصل للسعادة والحب.

نستطيع أن نضيف ايضاً مفاهيم اخرى، كالنجاح والتقدم وانتظام الآليات الموصلة للنجاح والتقدم، كالعلم، والاجتهاد، ويتصل ذلك بمجموعة من القواعد والقوانين والقواعد العامة التي ترسيها قواعد البيروقراطية الحديثة.

ولا أريد أن أناقش مسائل الطموح نحو الأفضل، هذا الطموح الذي يتأسس على جملة من الفروض لا تمت الى المرجعيات الدينية بصلة. وقد يكون مفيداً الاشارة الى اشكال الانتظام الاجتماعي مهما بدا واهياً وضعيفاً الآن. فالاحزاب والنقابات والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني اشكال حديثة لا تني تشكل عصب الحياة الاجتماعية.

قد يقول قائل إنه ليس لهذه الاشكال أثر كبير في عمليات التغيير لكن النقاش محصور هنا في تأثيرات الحداثة وأشكال تجلياتها.

كل ذلك لا يلغي بالطبع الازمة الحالية للحداثة والحداثويين وهي أزمة تتصل بعدم انجاز المطلوب منها ومنهم، لكن تلك مسألة أخرى. فاذا كانت الحداثة في مأزق وهذا صحيح، فإن المأزق يتأسس على عدم القدرة لبلوغ المدى الذي يرتسم في أفق الغرب الحديث وما حققته حتى الآن، أي الطموح الى أبعد مما هو متحقق، وذلك ايضاً يظهر قوة مظاهر الحداثة وقدرتها على البقاء بالرغم من كل الازمات التي عصفت وتعصف بها حتى الآن.

ان ذهاب الظن الى انهيار قوة الحداثة والحداثويين يتأثر في رأيي بانهيار المشروع السياسي الذي حملته احزاب سياسية قدمت نفسها باعتبارها رافعة لتحديث بنى المجتمع العربي. لكنّ الحداثويين ايضاً كما هم الاسلاميون الذين اصبحوا يؤمنون اليوم بالديموقراطية، يغيرون اسلوبهم ولغتهم كما الآخرون، فقد حلت لديهم مفاهيم التفاوض وحل النزاعات بالطرق السلمية مكان “العنف الثوري” الذي بدا في مرحلة ما رافعة للمشاريع القومية، وحلت مفاهيم حقوق الانسان وحقوق النساء مكان مفاهيم العدالة التي حملها المشروع الماركسي، وأُستبدلت الاحزاب بحقوق الافراد، وآليات الثورة بأفكار الاصلاح، هكذا تم استبدال مدرسة بأخرى، لكنّ المدرستين تنهلان من مرجعية واحدة هي الحداثة.

والمعادلة الآن في رأيي هي التالية: نص حداثوي مأزوم مقابل معيوش مفتوح على كل التغيرات والتحولات: وأرى هنا ان ذهاب الظن الى أن الحداثة في طريق الانهيار في عالمنا العربي، وان الحداثويين يديرون ظهرهم لها ناتج عن مناهج الدمج المقصود بين المشاريع السياسية للاحزاب ونمط الحياة للحوامل الاجتماعية التي شكلت الرافعة الاساسية لها.

ان انهيار المشاريع السياسية لا بد اربك الحياة الاجتماعية العربية، فطفت على سطح المعيوش انماط سلوكية لا تمت الى الحداثة بصلة، انماط في عرف أكثرية المجتمعات العربية، ناشزة، وهي لا تمثل نظام الحياة التي تطمح اليه هذه المجتمعات. واذا كانت الصورة الآن تبدو ضبابية وتتشح بسواد لا يخفى على أحد، الا ان العودة الى ما قبل ليست فقط غير ممكنة بل هي مستحيلة.

 

نشرت في النهار البيروتية في 23/1/2008

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق