الحق أحق أن يتبع

لقد ترددنا كثيرا في التعقيب على ما ورد في كتاب الأستاذ محمد الطالبي الأخير “ليطمئنّ قلبي” في شأننا. ولم يكن سبب ترددنا قصورا في الحجّة أو هروبا من المواجهة، ولكنه راجع إلى اقتناعنا بأنّ الجدل عقيم وأنّ البناء أفضل دائما من الهدم، من جهة، وإلى خشيتنا من أن يؤوَّل سكوتنا على أنه احتقار لمن هاجمنا وسبّنا بغير وجه حق، من جهة ثانية.

ونحن نربأ بأنفسنا عن أن نردّ على شخص كان أستاذنا في فترة الطلب، وأشرف على أطروحتنا، وأشرفنا نحن على الأعمال التي أهديت إليه في عيد ميلاده السبعين، وقمنا بتقديم الترجمة الفرنسية التي أخرجت لكتابه “عيال الله” بعنوان Plaidoyer pour un islam moderne (1)، ودعوناه إلى التعبير عن آرائه بكل حرية على منبر كرسي اليونسكو للاديان المقارنة، وتشبثنا بهذه الدعوة رغم اعتراض بعض السلط الجامعية الإدارية. ثم إننا لم نسمع من الرجل يوما نقداـ ولو تلميحا ـ لِما نكتب أو احترازا ممّا ننجز، على كثرة المناسبات التي التقينا فيها وتحدثنا.

نربأ بأنفسنا عن أن نردّ عليه عندما أدركته الشيخوخة وتراجع عن مواقفه السابقة وعن ما كتبه هو نفسه وهو في سنّ الخمسين(2) ولا نستغرب كفر الطالبي اليوم بما كان يدعو إليه بالأمس، فقد سبقه خالد محمد خالد إلى التنكر في كتابه “دين ودولة” لما دافع عنه في كتابه “من هنا نبدأ”، وانتقل محمد عمارة من الشيوعية إلى الاسلاموية، ومصطفى محمود من الإلحاد إلى الإيمان، وعباس عبد النور من التصوف وإمامة الناس في المساجد إلى رفض ما في القرآن جملة وتفصيلا في كتابه “محنتي مع القرآن ومع الله في القرآن”. والقائمة طويلة للذين افتقدت مواقفهم الاولى الارضية المعرفية الصلبة التي يمكن أن تتطوّر وتتعمّق لا أن تمحى بفعل الظروف أو للشعور بقرب الأجل.

وقد أكّد في كتابه الأخير صحة التشخيص الذي ذهبنا إليه مع الأسف الشديد من أنه لم يسلم من غرق الشيخوخة، وذلك حين بيّنّا الأخطاء الجسيمة التي وقع فيها ونشرنا ذلك في مجلة Jeune Afrique بعددها الصادر يوم 3 ديسمبر 2006، بعد أن نبهناه إلى بعضها في رسالة شخصية في جانفي 2006(3).

إلا أننا لاحظنا أن هذا الكتاب لبّس على كثير من القرّاء الذين ليس لهم إلمام كاف بالقضايا المطروحة فيه، فوجب التوضيح. وكما قال الشاعر:

إنّا لَقوم أبت أخلاقنا شرفا

أن نبتدي بالأذى مَن ليس يؤذينا

أمّا وقد أوذينا وثُلبنا واتُّهِمنا باطلا وورُمينا بشتّى النعوت القذرة فلسنا من الذين إذا لطمهم أحد على خدهم الأيمن أعطوه الخد الأيسر. وقد تكرّم علينا الطالبي بوابل من الشتائم (الخداع والتمويه والكذب والنفاق والمداهنة وما أشبه من الصفات التي تسيء إلى من تصدر عنه قبل الإساءة إلى غيره، و لا تدل إلا على عجزه). فهل يعلم القارئ ما سِرّ هذا الكرم الحاتمي؟ هو عنده… “العمل بآداب الله”!

فنسب إلينا ظلمًا القولَ بأنّ القرآن “إنما شرع في تصنيفه عثمان مع عصبة من الصحابة، وتواصلت العملية تعديلا وإضافة وحذفا على ما يزيد من قرن”(كذا)، وأننا “ننظّر للفكر الانسلاخسلامي”، نغوي ونغالط، ونردّد ما ترويه مصادرنا الاستشراقية، غايتنا “هدم الثقة في القرآن جملة وتفصيلا، وذلك بكل الوسائل والطرق، ولا يهمّـنا توخّي الموضوعية في ذلك…” وحين قدّمنا كتاب دي بريمار De Prémare: Les fondations de l’islam في مجلة مقدّمات، وعبّرنا عن عدم موافقتنا الكاملة على ما جاء فيه، فَهِِمَ هو من دون سائر القراء أننا “لم نأخذ عليه سوى بعض الفجوات من قبيل عدم الاستشهاد ببعض المؤلفين”.

ونسب إلينا كذلك من خياله، ومتعسّفا في تأويل ما كتبناه، أننا نعتبر القرآن “تخميرة رجل تخمّر، حسِب تخميرته إنما هي «وحي يوحى» (كذا)، بل نقرر ونعتقد ونكتب أن “هذه التخميرة لم يتوفّر تسجيلها كتابيا، حسب تعبيرنا إلا في القرن الثانــي الهجري”(كذا).

فإذا ما اتفق أن قلنا قولا صائبا حسب تقديره فذلك “كله من باب كلمة حق أريد بها باطل” و”من باب الخديعة والتوهيم والغلث والتدليس والتقنيع” (كذا)4. ثم إن الإسلام الذي ننظّر إليه (كذا) بدون آخرة، وإننا عنده “لم نـقرأ الفاتحة ولو مرة واحدة في حياتـنا وإن مررنا عليها مرارا، مرار الاستشراقية المسيحية التي ننهل من علمها ومنهجيا إليها نـنتمي”. وأخيرا، وليس آخرا، أننا “قتل(ـنا) الإله” وظننا أنفسنا نيتشه الإسلام، ونحن مع ذلك… إلَهانيون (كذا)! (ص ص 33، 37، 40، والفصل الثاني كله وعنوانه: عبد المجيد الشرفي والتنظير المنهجي للانسلاخسلامية المقنّعة، ص ص 43 –96، وغير ذلك من المواضع).

إننا لم نر أنفسنا في القليل أو الكثير من هذا الكمّ الهائل من الشتائم والحقائق المقلوبة. يا سبحان الله ! كم كان زملاؤنا الجامعيون الذين منحونا ثقتهم أكثر من مرة، والمئات من طلبتنا الذين علّمناهم وأطّرنا العشرات منهم لنيل شهادات عليا نجحوا فيها بعدما نظرت في أعمالهم لجان علمية ترأس عددا منها الأستاذ محمد الطالبي نفسه، كم كان هؤلاء جميعهم أغبياء وانطلى عليهم خبثنا وكذبنا وتدليسنا، إلى آخر قائمة الرذائل التي أتحفنا بها قاموسه ! بل ما أغبى قراءنا العديدين في مشارق الأرض ومغاربها وهم الذين عبّر البعض منهم كتابة وعبّر الآخرون مشافهة وعلى رؤوس الملا عن امتنانهم لأننا صالحناهم مع الإسلام بعد أن نفّرهم منه جمهور الدعاة المتاجرين بالدين وكل من بدّعي أنه “يهتدي بهدي الله”، وكأنّ له تفويضا من السماء.

هل يعلم القارئ مَن هي أنّي لوران، المرأة ذات “الرؤية الواضحة” في نظر الطالبي، والتي نحن في رأيه كذلك ـ ربما لأننا ما زلنا صبيانا تنطلي علينا كل الحيل والمؤامرات الصريحة والمبطنة ـ بصدد تنفيذ مشروعها المعادي للإسلام في الفقرة التي عرّبها (ص 41)؟ هي ليست لا باحثة مرموقة، ولا سلطة معترفا بها في محفلٍ من المحافل الدينية والعلمية. إنها ليست سوى كاتبة مغمورة وعانس لها مشكلة شخصية وعائلية مع الإسلام وناقمة عليه لانّ أختها، المنحدرة مثلها من وسط كاثوليكي محافظ، تزوجت مُسلِمًا، وتبيّن لها فيما بعد أن له زوجة أخرى، وقبلت رغم ذلك البقاء في عصمته.

لن ننجرّ، على ما في نفوسنا من حسرة على ما في الكتاب من تناقض ومن تهافت صارخ، ومن تضخم مرَضيّ للذات، ومن مواقف لا يرتضيها فيما نعتقد أيّ مسلم (مثل اعتبار الانتحار “غير ممنوع ولا محرّم”، ص 29، وأنّ الزهد ليس من الإسلام في شيء، ص 156)، ومن انبهار بما يقوله بعض العلماء الغربيين في غير اختصاصهم، وتوظيفه التوظيف الساذج للدفاع عن آراء أبعد ما تكون عن العقلانية المزعومة، لن ننجرّ إلى الجدل والمماحكة في مواضيع خالية حتى من الطرافة بالنسبة إلى المتابعين للأدبيات الإسلامية المعاصرة المهتمّة بالإشباع النفسي على حساب مواجهة الصعوبات المعرفية والسلوكية التي تعترض المؤمنين في عصرنا.

لا نستغرب كل ذلك ولن نجادل فيه أو نناقشه، ونحن بالعكس ممنونون للأستاذ الطالبي أن قدّم لإعمالنا إشهارا مجانيا، وإن كنا في الحقيقة غنيّون عنه، بما أنّ كتابه سيحفز الناس على التأكد بأنفسهم من صحة دعاويه وسيتيح لهم المقارنة بين الأصل وتأويله المغرض. ولكنّ من حق القراء أن يعلموا مدى صحة التهم التي وُجّهت إلينا، لا بتفصيل القول في كل تهمة، فنحن لم نرتكب جرما لا في حق الدين ولا في حق أي إنسان حتى نعتبر أنفسنا في حالة دفاع، بل بتوضيح ما لعلّه يخفى على غير الخائضين في هذا الميدان.

يعيب علينا الطالبي فيما يعيب أننا لا نبدأ كلامنا بالمسملة ولا نصلي على النبي عندما نذكر اسمه. وإذا كان هو يصرّح في كتابه هذا بأنه لا يبسمل ولا يصلي إلا عندما يكتب بالعربية، أما إذا كتب بلغة أجنبية فإنه يراعي عبقرية تلك اللغة فلا يبسمل ولا يصلّي، وينسى أن ثلاثة أخماس المسلمين لا يتكلّمون العربية ويبسملون ويصلون على النبي رغم ذلك بلغاتهم، فإن موقفنا أننا لسنا في مقام التعبد عندما ننشر أبحاثنا على الناس، ولا نشعر بالحاجة إلى الاعلان عن طبيعة انتمائنا الحميم حين نكون بصدد عرض الافكار والاحداث ذات الصبغة التاريخية وتحليلها بحسب ما تفرضه المناهج العلمية الكونية.

ثم إن البسملة كما يعرف كل الناس، حتى الاطفال منذ نعومة أظفارهم، هي ما ينطق به المقبل على قراءة القرآن ليعلم السامع أنّ المتكلم لا يأتي بكلام من عنده بل هو يتكلم باسم الله، وإذا بالمتظاهرين بالتديّن لا يشرعون في الكلام إلا بعد البسملة، وكأنّهم يخافون من أن لا يُحشَروا مع المسلمين وأن يضيع إيمانهم إن هم لم يُعلنوه باطّراد، ممّا يدلّ على هشاشته وسطحيته. ولكنّهم في الحقيقة وبدون وعي يرغبون رغبة دفينة في إضفاء قداسة مفروضة لكلامهم هم على سامعيهم، فلا يستطيعون بذلك الاعتراض عليهم. بالاضافة إلى أن البدء بالبسملة صار رمزا للانتماء إلى فرقة وحزب، رغم أن المدافعين عن هذا السلوك يبرّرونه بطلب البركة تارة، وبالحديث النبوي تارة أخرى5، أو بالسير على سنّة السلف، وما أشبه ذلك من التبريرات الواهية. وهذه الفئة هي ذاتها التي لا تنطق باسم الرسول الكريم إلا مشفوعا بـ”صلّى الله عليه وسلّم”، وهي لا تفقه معنى الصلاة عليه الواردة في القرآن، وتغفل عن أنّ الله يصلي على النبي كما يصلي على المؤمنين6، وتقبل في الصيغة التقليدية المعهودة حديثا الله أعلم بمدى صحته. فتؤدي التصلية عندها دور العلامة على الانتماء كذلك، وكأنها في قرارة نفسها تشكّ فيه، ومِن فرط ضعفه تخاف من زواله.

وليس هذا شأننا والحمد لله، لاننا على يقين بأن الظروف التي نعيشها في بداية القرن الحادي والعشرين تفرض الوعي بأن الانسجام الضروري في كل مجتمع يقوم اليوم على ركائز تكفلت العلوم الانسانية الحديثة بنزع القناع عن التبريرات الدينية التي كان الناس يلجؤون إليها لاكسابها القدر الادنى من المصداقية والبداهة. وبعبارة أخرى فإن التعبير عن الانتماء الديني بهذه الطريقة الشكلية ليس سوى تغطية على انتماءات أخرى ذات صبغة مصلحية دنيوية صرف، ولكنها تلبسها لبوسا دينيا بقصد الابتزاز المعنوي، واستغلال عواطف البسطاء والمغرورين، وممارسة مختلف أصناف الاستبداد.

على أن موقفنا الثابت في كل ما كتبناه، سواء في كتابنا “الإسلام بين الرسالة والتاريخ” أو في كتبنا السابقة له، أو في كتابنا الذي صدر مؤخرا عن دار الفكر بدمشق بالاشتراك مع الدكتور مراد هوفمان في إطار سلسلة “حوارات لقرن جديد” بعنوان “مستقبل الإسلام في الغرب والشرق”، أو في كتابنا الذي سيصدر قريبا بالفرنسية في تونس والدار البيضاء وباريس وعنوانه La pensée islamique. Rupture et fidélité، هو أننا لم ندّع يوما أننا نتكلم باسم الإسلام. لسنا دعاة ولا مُفتين. نحن نمارس البحث العلمي الحرّ لا البحث الديني المقيَّد، غرضنا معرفي بحت ونقصد دائما مزيد الفهم، ونعوّل على ذكاء القارئ عوض أن ندغدغ مشاعره، فلا نحلّل ولا نحرّم كما يفعل الكثيرون. ولا نعترف في الان نفسه لاحد مهما كبر شأنه وضخّمت قيمتَه أبواقُ الدعاية من الاموات والاحياء بأحقية الكلام باسم الإسلام أو باسم القرآن.

إنّ إيراد آية أو آيات في قضية ما لا يعني شيئا ما دام الاتفاق غير حاصل على تأويلها، علما بأنه لا وجود البتّة لنصوص قطعية الدلالة، وأنّ كل نص يحتمل أكثر من تأويل. إلا أن من التأويلات ما ينسجم والمقصود من مجمل النص القرآني وأهداف الرسالة النبوية، ومنها ما هو انعكاس لثقافة القارئ وقيم مجتمعه وأفق انتظاره. وممّا يبعث على الاسى أن يضطر المرء إلى التذكير بهذه الحقيقة الاولية التي لا يختلف في الاقرار بها كل المختصين في تحليل الخطاب، والتي تغيب عن الانظار لمجرّد أن المفسّرين والفقهاء والاصوليين القدماء عملوا على نقيض ما تقتضيه، ومارسوا لهذا السبب إقصاء مخالفيهم في الرأي.

ليس هذا تعبيرا عن نزوة من النزوات أو من قبيل خالف تعرف، بل هو ممّا تستوجبه المقاربة العلمية للظاهرة الدينية التي توخيناها. وإذا كان الأستاذ الطالبي نفسه قد درّس التاريخ منذ حصوله على الدكتورا تحت إشراف مستشرق حول الامارة الاغلبية، وارتقائه إلى رتبة أستاذ محاضر حتى إحالته على التقاعد، وإذا كان العديد من زملائنا الذين يكتبون في المواضيع المتعلقة بالاسلام يدرّسون مثله التاريخ أو الفلسفة أو غيرهما من المواد، فقد كان لنا الشرف في إدخال مادة تاريخ الفكر الاسلامي إلى رحاب كليات الاداب التونسية وتدريسها بواسطة المناهج المتعارف عليها في العلوم الانسانية، والمختلفة بطبيعتها عن مناهج الجامعات الدينية الإسلامية من أمثال الزيتونة والازهر والقرويين، وعن مناهج المعاهد والكليات اللاهوتية المسيحية وأهدافها.

ولقد كنا واعين منذ البداية بأننا نسلك في مقارباتنا مسلكا غير معهود في المناخ الاسلامي مشرقا ومغربا، يفرض علينا اليقظة التامة حتى لا نقع في مهاوي الانحياز في سعينا إلى فهم أفضل للظواهر المدروسة. ولذلك فإننا لم ننفك ننبّه طلبتنا –تجنبا لكل لبس ـ إلى أن في الإسلام ثلاثة مستويات يتعيّن عدم الخلط بينها: الاول هو مستوى النص التأسيسي الذي هو ركيزة الدين ومرجع وحدته، والثاني مستوى تأويلات هذا النص وتطبيقاته التاريخية، أما الثالث فمستوى الإيمان الشخصي المستعصي على التحديد والحصر والتنميط. ونحن لا نهتم في دراساتنا إلا بالمستوى الثاني من هذه المستويات، لانه المستوى البشري النسبي المتعدد بتعدد الامكنة واختلاف الازمنة والبيئات والظروف وغيرها من العوامل. ومن أراد التأكد من ذلك فإننا نحيله على مجموعة البحوث التي أشرفنا عليها ونشرت ببيروت تحت عنوان جامع: “الإسلام واحدا ومتعددا”، ففي هذه البحوث التي بلغت إلى حد الان 15 عنوانا ما يغني عن أي دليل إضافي.

هذا التعدد في الإسلام بما هو إنجاز تاريخي للقيم والتعاليم القرآنية ـ إلى جانب ما فيه من وحدة ـ حقيقةٌ اختبارية ساطعة. ورغم ذلك فإن الاقرار بها صعب، بل مستحيل، على الذين يتشبثون بالنظرة الدغمائية والمعيارية. موقف هؤلاء أنك لا تكون مسلما إلا إذا تابعتهم فيما يرونه الحق والصواب، ولو خالفهم فيه مسلمون آخرون قديما وحديثا. ونحن لا نصدر البتّة أحكاما معيارية لفائدة شق دون آخر. هم ينتقون من الاراء التي يبديها المختصون في العلوم الصلبة خارج دائرة اختصاصهم ما يوافق مواقفهم المسبقة ويبررها، وينظرون على العكس من ذلك بعين الريبة إلى كشوف العلوم الانسانية والاجتماعية الحديثة. ونحن لا نأخذ بالنظريات العلمية إلا في مجال اختصاصاتها، ونستفيد من علوم الانسان والمجتمع ونستغل النتائج التي وصلت إليها والتي هي محل إجماع من “المجموعة العلمية” بصرف النظر عن أجناس أصحابها وأديانهم ومذهبياتهم، لانها الوحيدة الصالحة في مضمارها، وليست قط تهويمات غير مدعّمة بالحجج والبراهين العقلية والاختبارية المتينة. وبدون ذلك لا تتقدم المعرفة ولا أمل في الاسهام في إنتاجها بالمعايير الكونية. تلك هي وظيفة الباحث الجامعي ولا شيء سواها. وذلك أبعد ما يكون عن الشعارات الزائفة وعن ترديد ما قد يرضي النفوس المأزومة ولكنه لا يحل مشكلة ولا يقدّم بديلا مقنعا للمقولات القروسطية الرائجة.

وعلى هذا الاساس فإننا حين اهتممنا مثلا بمعنى الوحي وبمعنى الكتاب في القرآن فإننا لم نناقش إلا النظريات التاريخية التي صاغها بشر يخطئون ويصيبون في شأن هذين المفهومين حين أرادوا فهم المقصود القرآني منهما. وما قلنا إنه أقرب هذه النظريات إلى المعقولية الحديثة لم نأت به من عندياتنا. هو موجود في المصادر الإسلامية المتداولة، وقد أحلنا عليها بكل أمانة، ولم يكفَّر من قال به أو أخرج من الملة. وكذا ما كتبناه في شأن ختم النبوة من الخارج واستندنا فيه إلى ما قاله الفيلسوف الهندي المسلم محمد إقبال منذ 1928، وذهبنا به إلى نتيجته المنطقية.

ألا ترى مدى الردّة العميقة التي نعيشها ونتبجّح رغم ذلك بأن ديننا دين العلم ودين العقل، بينما كان علماؤنا في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية أوسع أفقا وأرحب تسامحا وأكثر وثوقا في أنفسهم من الذين يخشون في عصرنا من كل جديد ومن كل ما يوقظهم من سباتهم العميق! كيف لا وهم يسيئون إلى القضايا التي يدافعون عنها من حيث يظنون أنهم يحسنون، ومرضى ويحسبون أنهم في أتم العافية !

وينحصر الخلاف الجوهري بين هذين النمطين من التفكير في الموقف من الاجتهاد. فالخاص والعام يعلم مدى انتشار الدعوة إلى الاجتهاد في الاوساط الإسلامية منذ وعى المسلمون تأخرهم، إلا أن تطبيق هذا المبدإ ما زال محل اعتراض قوي، إذ أن العقول والنفوس والظروف معا غير مهيّأة لقبول ما ينجر عنه من تغيير في التفكير والسلوك. من هنا كان الاجتهاد عند المعترضين على نتائجه شعارا أجوف ومقتصرا على السفاسف التي تعج بها منابر الافتاء من كل لون. ومن هنا أيضا يعمّ التشبث بحلول الماضي في المسائل المحرجة لنمط التديّن القديم، رغم أنها لم تعد صالحة إلا بنوع من الترقيع وبألوان من الاسقاط، إن دلّت على شيء فعلى عمق الاستلاب الذي يشمل الجلاد وضحيته في آن. والضحية في قضية الحال هي الاجيال التي يوهمها المتطفلون على العلوم الدينية في معناها الحديث بأن غزو الفضاء، وغيره من الكشوف العلمية الحديثة، دليل على الاعجاز القرآني، عوض أن يوجهوا هذه الاجيال نحو امتلاك نواصي العلم الذي أوصل الانسان إلى الاكتشافات المذهلة في كل الميادين، والذي هو حصرا ثمرة المجهود العقلي الانساني.

نعم! إن المسلمين اليوم في أسفل السلم الحضاري، يُمتَهنون ويُستعمَرون وتغتصب أراضيهم وتستغل ثرواتهم ويستبد بهم حكامهم وينتشر في صفوفهم الجهل والامية والبطالة وغيرها من العاهات. وحين ترتفع الاصوات من بينهم أو في الاوساط الاجنبية تصف تخلفهم المادي والمعنوي لا يزيدهم ذلك إلا إيغالا في الهروب من مواجهة الواقع بالاسلحة الملائمة. إن هذا الوضع الذي يتّسم بالعجز عن إثبات الجدارة بالاحترام وعن رد الفعل الناجع والرادع للمعتدين يؤدي إلى توجيه العنف المكبوت نحو العنصر الاضعف، أي إلى المرأة بالخصوص، ويؤدي إلى الانطواء على الذات وعلى الماضي المُمَثلن، مثلما يؤدي إلى رؤية للعالَم وهو محشوّ بالمتآمرين، وإلى الخوف من كل جديد غير معهود.

ونحن فيما يخصنا نفضل الصراحة والكشف عن الادواء المكبّلة لتقدم مجتمعنا، بما فيها من تأويل ضيّق الافق للاسلام، على التغطية على العيوب والنقائص المتراكمة في هذا التأويل بفعل تخلفنا، نظرا إلى اقتناعنا بأن هذه النقائص مؤثِّرة في الواقع بمختلف أبعاده بقدر ما هي إفراز له. وحتى يقيس القارئ تخلفنا يكفيه أن يقارن بين ردود الفعل المتشنجة على رواية أو رسوم تصدر في الغرب وتسيء إلى الإسلام، وردود الفعل في هذا الغرب نفسه على كتاب صادر في ديارنا عن مؤرخ مرموق ويسيء إلى المسيحية، فيعتبر فيه صاحبه أن يسوع الذي يؤمن به المسيحيون قد تناول عشاءه الأخير في ماخور محاطا بالبغايا.

وبعد، فهنيئا لكل من يرضى باطمئنان القلب وراحة الذهن وعطالة العقل. أما نحن فدَيدَنُـنا البحث الجاد، والصدق مع النفس ومع الاخر، وبذل أقصى الجهد في تفهّم فكرنا الديني الماضي والحاضر على ضوء المعرفة الحديثة والمقارنة. ولن تثنينا التهم المتناقضة التي يراد إلصاقها بنا عن أمانة الاصداع بما يستجيب لمقتضيات المعرفة الحديثة، ولو كان مؤلِما ومخالفا للسائد. كما أننا لن نحيد عن هذا المنهج الصعب، لانه السبيل الامثل إلى الترقي في مدارج العلم النافع وتجنب الوهم وتحقيق المسلم لانسانيته على أفضل وجه ممكن.

هوامش:

1ـ الحقيقة أننا قبلنا بإلحاح من الأستاذ محمد بن اسماعيل مدير دار سراس للنشر القيام بهذا التقديم. وكنّا محترزين من أن يُفهم من تقديمنا أننا موافقون على كل ما جاء في هذا الكتاب، ولا سيما دعوته إلى ما يسمّيه “النيمقراطية البرلمانية”، أي النظام الذي »لا يتعارض ما يسنّه النواب المنتخبون والممثلون “لسلطة الشعب” من قوانين مع “سلطة الله” المتمثلة في الشرع. فهو نظام ازدواجي السلطة، اليد العليا فيه لله«1. ولم نكتب التقديم إلا عندما تأكدنا من أنّ هذه الدعوة إلى نظام أشبه ما يكون بنظام الملالي في إيران قد حذفت من الترجمة.

2ـ يقول مخففا من هذا التراجع : “وهو ما لم يتّضح لي عندما كنت أكتب سنة 1972 كتيبي عن (الإسلام والحوار…”(ص 243).

3ـ وإلا فكيف يمكن تفسير ارتكابه لاخطاء لا يقع فيها حتى تلامذة الابتدائي من مثل جمعه لسُورة على “سورات” عوض سُوَر (ص 153)، وهو الذي يستشهد بالايات القرآنية بمناسبة وبغير مناسبة، وخلطه بين الفريسيين (pharisiens) من اليهود والفارسيين (وهو جمع مذكر سالم لفارسي، ص 154)، وارتكابه لاخطاء لغوية نحوية وتركيبية في كل صفحة تقريبا؟

4ـ ومن أغرب ما يندرج في هذا النطاق اختلاقه، ص 89، لقصة تصعيرنا الخد وإنكارنا الاخلاقية القرآنية في مجلس مضيق انتقل اثنان من الحاضرين فيه إلى رحمة الله (الاستاذان أحمد عبد السلام وفرحات الدشراوي) أما الباقيان منهم على قيد الحياة غيري وغيره فلا نظنه يقبل شهادتهما، فأحدهما للأستاذ الطالبي معه مشكلة، والثاني محسوب علينا في ظنه وفي ظن كل الذين يجهلون طبيعة العلاقة بيننا وبين من تتلمذ علينا. وليست هذه هي المرة الاولى التي يتوهم فيها أقوالا وأحداثا لم تقع البتة. وقد أقمنا الدليل على هذا الاختلاق في تقديمنا لكتاب “في الشأن الديني”، تونس 2003، وفي المقال المنشور بجون أفريك.في ديسمبر 2006.

ومن جهة أخرى من يصدّق يا ترى أن صاحبة دكتورا دولة تقتصر على الرجوع إلى مرجع وحيد مهما كانت قيمته هو كتاب رودنسون، وهي التي استغرق استعراض قائمة مراجعها الاجنبية، فضلا عن المصادر والمراجع العربية، أكثر من ثلاث صفحات، ولا صلة أصلا للنتائج التي وصلت إليها بما جاء في كتاب رودنسون؟ مع العلم أن الأستاذ الطالبي كان باقتراح منا رئيس لجنة المناقشة وأسندت إليها هذه اللجنة باقتراح منه أعلى درجة ! لماذا الاساءة إلى الجامعة التونسية وإلى العلم فيها إلى هذا الحد؟ لا نظن أن الحسد وحده كفيل بتفسير هذا الموقف. وليس لنا تفسير مقنع بغير عامل السن لما فيه من حقد مجاني.

5 ـ إن مجاميع الحديث تحتوي في الحقيقة على الشيء ونقيضه. انظر على سبيل المثال، إلى جانب ما جاء فيها من حث على البسملة، الحديث الذي أورده ابن حنبل في مسنده: عن أنس بن مالك أنّه صلّى خلف النبيّ وأبي بكر وعمر وعثمان وكانوا يستفتحون القراءة بـ:الحمد لله ربّ العالمين، لا يذكرون البسملة في أوّل القراءة ولا في آخرها، مسند أحمد، باقي مسند المكثرين، الحديث12924. ومعلوم أن المالكية لا يبسملون في الصلاة ذاتها قبل قراءة الفاتحة أو قراءة سورة أخرى.

6ـ جاء في سورة الاحزاب 33: “يا أيّها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا. وسبّحوه بكرة وأصيلا. هو الذي يصلّي عليكم وملائكته…” (41 ـ 43) ثم في الاية 56 من السورة نفسها: “إن الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما”. وليس في الاقرار بأنّ الله يصلّي على النبي استجابة للدعوة إلى الصلاة عليه، لو كان القوم يفقهون.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق