الحوار والصّمت في ثقافة الشّرق

هل يوجد للحوار قيمة في الثّقافة الشّرقيّة المعاصرة؟ ما مساحته؟ ما عوائقه؟ ما نتائجه؟ إنّ الخلافات والصّراعات التي تطفو على السّطح في الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفشل الكثير من أنظمة المنطقة في التّعايش مع شعوبها أو التّعايش مع بعضها البعض، وفشل النّخب المثقّفة من تفتيت الأورام الثّقافيّة التي ظهرت في الوعي الشّرقي، كالاستبداد والطّائفيّة والأقليّة، والقاعدة والإرهاب.
وأخيراً العجز التي تعانيه الشّعوب الشّرقيّة فيما يخصّ مشاركتها بإدارة بلدانها، واتّخاذ القرارات الوطنيّة فيها بالتّعاون والتّشاور مع أنظمتها. كلّ ذلك من سمات غياب مبدأ الحوار في البنية الثّقافية. وإن وجد هذا الحوار فهو مازال برعماً في الذّهن الشّرقي.

أولى العوائق:
التي تقف عثرة في طريق الحوار فهي ما تسمّى بثنائيّة الحقّ والباطل، أو الصحّ والخطأ التي تأسّس عليها العقل الشّرقي. والمشكلة ليست في الثّنائيّة في حدّ ذاتها، فهي موجودة عند كلّ البشر، لكنّ الإنسان في الشّرق أخفق في التّعامل معها، فالعقل الشّرقي يتقبّل فكرة إزالة الخطأ والباطل بالقتل! وتجليّات هذه الفكرة نراها في سوريا وليبيا واليمن والعراق، والصّومال، والسّودان مثلاً.
وتبدأ الحالة باتّهام الفريق المقابل بالخطأ والباطل، ثم محاولة إقصائه بالقوّة والقتل. والرّاسخون في العلم من أبناء الشّرق يقولون في معرض تفكيرهم بحلول هذه النّقطة: أنّ رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصّواب، وبالتّالي فإنّ الخطأ والصّواب يصبحان نسبيّين. وإنّ الاختلاف في الرّأي لا يقتضي الخلاف، وأنّ التّعايش بين الأطراف المتناقضة والمختلفة ممكن، لأنّه يوجد سعة في القواسم المشتركة بين النّاس، وأنّ الخطأ لا يُقتل بل يُصحّح.

العائق الثّاني:
أمام ظهور الحوار هو النّزعة السّلطويّة لدى شعوب المنطقة، والتي هندست كيانات المجتمع الشّرقيّة وشرائحه ومكوّناته شاقوليّاً، فهناك دوماً طبقة عليا وطبقة دنيا، طبقة فوقيّة وطبقة سفليّة. في الأسرة نجد هذه الهندسة، وفي المدرسة، وفي الحارة، وفي البرلمانات، وفي الدّولة عموماً. فهناك دوماً آمر ومأمور، ولا مجال للحوار والمناقشة. ويقترح المصلحون استبدال الهندسة الشّاقوليّة بالهندسة الأفقيّة، بحيث يتحوّل الآمر والمأمور إلى مرسل ومتلقّي بالتّناوب.

العائق الثّالث:
رفض الآخر، الذي تتعدّد صوره، فهناك رفض الأكثريّة للأقليّة، ورفض الفئة الحاكمة للفئة المعارضة، والرّفض الطّائفيّ والقوميّ والإثنيّ والدّينيّ. والسّبيل لإزالة جذور هذا الرّفض يكمن في التّغيير الثّقافي الذي ينبغي أن يركّز على الثّراء الموجود في التّعدد، و”جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”(الحجرات:13)، أي لتتبادلوا المصالح وتعمّروا الأرض.

العائق الرّابع:
هو زرع ثقافة الخوف في ذهنيّة الشّعوب الشّرقيّة. ومصدر هذا الخوف كان في البداية آتياً من الأنظمة والسّلطات الحاكمة التي مارست على مدى عقود إلغاء المعارضة بالقمع والسّجن والنّفي. وهذا دفع بعض المعارضات إلى الردّ بالمثل، فأصبح هناك ما يُعرف بالتّخويف والتّخويف المضادّ، وفُقدت الثّقة بين الأنظمة والمجتمعات. ويدعو بعض المصلحين والمثقّفين شعوب الشّرق، والمعارضات خصوصاً إلى ردّ الثّقة من طرف واحد، والتّمسّك بثقافة هابيل؛ “لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إنّي أخاف الله ربّ العالمين”(المائدة:28).

العداء والكراهيّة هي كذلك من أسباب تقلّص الحوار في الشّرق. وتشكو ثقافة الشّرق المعاصرة حقيقة من فقدانها لآليّات زرع الحبّ بين النّاس، فعلى الرّغم من أنّ هناك إرادة متلهفة على الحبّ، لكن بالمقابل هناك عجز في القدرات الشّرقيّة على صنعه. وهناك مواعظ كثيرة في هذا الاتجاه، لكن على أرض الواقع النتيجة لا تتغير. تلك للأسباب التي ذكرناها وغيرها، تتكاتف جميعاً وتتآزر على تحجيم مساحة الحوار في الثّقافة الشّرقيّة.

ينتج عن غياب الحوار في المشهد الثّقافي الشّرقي ولادة الصّمت. والصّمت في الشّرق حالة ثقافيّة سلبيّة، من مظاهرها على المستوى الشّعبي اللاّمبالاة بقضايا المجتمع، والشّعور بالعجز في التّغيير، والإحباط واليأس، وتعمّق الفردانيّة بين أفراد المجتمع، وتحوّلهم لجزر منعزلة، وانتشار ظاهرة الاغتراب عن الذّات وعن المجتمع. وتتعامل بعض المؤسّسات الثّقافيّة في الشّرق مع هذا الصّمت بطريقة تمجيديّة، وخاصّة مؤسّسة الأسرة ومؤسّسة المدرسة، فهي تعتقد أنّ صمت الأطفال ظاهرة إيجابيّة تنمّ عن عقلانيّة تتهيّأ للولادة.
وانطلاقاً من هذا الوعي تحاول المؤسّستان تعميم الظّاهرة بين جميع الأطفال وترسيخها في العرف التّربوي والثّقافي، ولا يدري هؤلاء أنّهم يقتلون روح الحوار داخل أجيالنا، ويؤخّرون نهضة مجتمعاتنا، فغياب الحوار يعني بقاء المشكلات، واستمرار القتل والنّفي والإقصاء، وتعمّق الشّخصيّة السّلبيّة، والاغتراب الاجتماعي والسّياسي في الإنسان الشّرقي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق