الحياة السريّة للمثليّين جنسيًا في الجزائر

من الصّعب التطرّق لموضوع المثليّة الجنسيّة في الجزائر، باعتباره من الطابوهات التي يرفض المجتمع الإقرار بها. حيث يتحاشى الكثيرون التعاطي معها وتنحاز الغالبية إلى إنكارها ونفي وجودها رغم ملاحظة توسّع رقعتها وتزايد أعداد المنتسبين إليها، وقد اقتربنا منهم وحاولنا التغلغل إلى عوالمهم الخفيّة لتنقل صورة أكثر واقعيّة عن حياة  المثليين جنسيا في الجزائر وسبل تفكيرهم، سواء كانوا ذكورا أم إناثا…
 
من الصدف أنّ فكرة الغوص في عالم المثليين جنسيًا في الجزائر انطلقت من بيروت، هناك  ٳلتقينا، قبل حوالي الأسبوعين بأحد مقاهي شارع الحمراء، شابّا سندعوه (لضروريات أخلاقية) حسن (27 سنة). انطلق حديثنا مع حسن من مسرحية "لماذا تركت الحصان وحيدا؟" التي أخرجها مؤخّرا المسرحي العراقي جواد الآسدي، قبل أن نكتشف تدريجيا، وبعد التعريج على عدد من المواضيع المختلفة، حقيقة كونه عضوا في جمعية "حلم" للدفاع عن حقوق المثليين جنسيا في لبنان. عرّفنا حسن عن بعض نشاطات الجمعية والتزامها بالدفاع عن المثليين قبل أن يتساءل: "وكيف هي أوضاع المثليين جنسيًا في الجزائر؟". في الحقيقة لم نجد إجابة عن تساؤل محدّثنا وقد أدرك بسرعة تلعثمنا وواصل: " في اعتقادي أنّ وضع المثليين جنسيًا في الجزائر بدأ في التحسّن خلال الفترة الأخيرة". التزمنا الصمت قبل أن يضيف حسن: "هنالك كثير من المنتديات الإليكترونية والمجموعات النشطة على الإنترنيت إضافة إلى امتلاك المثليين في الجزائر موقعا إليكترونيا". كم هو مخجل أن نكتشف أنّ أجنبيا يعرف بعض التفاصيل الحياتية نجهلها نحن عن بلدنا. دام لقاؤنا مع حسن حوالي الساعة والنصف، ٲطلعنا خلالها عن بعض أوضاع المثليين جنسيا في دول عربية ومعاناتهم الدورية، التشريعات القاضية بإعدامهم في العربية السّعودية، وتجريمهم في الأردن ومصر أين دارت، علنيًا، كثير من قضايا محاكمة المثليين، قبل أن يسرّ إلينا عن جانب من علاقته مع مثليّين جنسيا من الجزائر، ويمنحنا، تحت إلحاح الطلب، العنوان الإليكتروني لأحد المثليين جنسيا الجزائريين، وأحد الناشطين في الدفاع عن حقوقهم، والمنخرط في تفاعل متواصل مع جمعية "حلم".
 

بالعودة إلى الجزائر، دخلنا في تواصل مع "م" (الذي سندعوه أنور). تبادلنا بعض الرسائل الإليكترونية قبل أن نحدد موعدا. وبالفعل، يوم الأحد، في حدود الرابعة بعد الزوال، التقينا أنور بأحد مقاهي شارع حسيبة بن بوعلي، بالجزائر العاصمة. وجدنا أنفسنا في مواجهة شابّ، بقامة متوسّطة، حليق الذقن، يرتدي قميصا أحمر ضيّقا جدّا، سترة شتوية، وبنطلون جينز أسود. عرفنا إلى شخصه وأخبرنا أنه طالب في السنة الرابعة، تخصص رياضيات.  ساد، في البداية، الصمت بيننا، قبل أن يقتلع منا تعهّدا بعدم كشف هويته مقابل الإجابة عن مختلف الأسئلة التي تراود ذهننا حول حياة المثليين جنسيًا في الجزائر. تردّدنا في اختيار موضوع بداية الحديث، وراح أنور يحدّثنا عن اهتماماته بالمنتخب الوطني لكرة القدم ومباريات كأس العالم المقبل وضجره من مغالاة البعض في تشجيع "الخضر". ثم العودة، بسرعة، إلى محور لقائنا والقول: "ألا ترى أنّني شخص طبيعيّ جدّا؟ لست مصّاص دم؟". عاد بنا إلى علاقته الإليكترونية مع جمعية "حلم" اللبنانيّة وتأسّفه لنظرة المجتمع الجزائري المزدرية لفئة المثليين جنسيًا. حاولنا الدّفاع عن النظرة الاجتماعية من خلال إسنادها إلى التأويل الدّيني وتذكير أنور بالآية القرآنية، الواردة في سورة العنكبوت: "  وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ". نظر إلينا أنور وأجاب "أرجوك أكمل الآية" فكان له ما شاء: " أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ". وهنا جاءت إجابة محدّثنا بلهجة تحمل يقينا قائلا: "بحسب تفسير الطبري فإنّ قوم لوط كانوا يرمون عابر السبيل بالحجارة فأيّهم أصاب كان أولى به ويأخذون ماله وينكحونه ويغرّمونه ثلاثة دراهم وكان لهم قاض يقضي بذلك "مضيفا" بالتالي فإنّ عقاب قوم لوط كان عقابا على الإكراه والاغتصاب وقطع الطريق والسّلب ولم يكن عقابا على المثليّة". تبيّن لنا، لاحقا، أنّ كثيرا من المثليين جنسيا في الجزائر يحملون التفسير نفسه، والمثير أكثر أنّ أنور كان مشبعا بالثقافة الإسلامية ومطّلعا على ما يتعلّق بحياة أمثاله حيث خاطبنا: "يتضمّن القرآن ثلاثة وثلاثين آية تتحدّث عن المثلية الجنسية، ولكن العقاب غير صريح وهناك تأويلات مختلفة"، قبل أن يختتم كلامه بالإشارة إلى أنّ المثلية الجنسية تعاقب بالموت في أربع دول عربية هي السودان، موريتانيا، السّعودية واليمن.

رازان والطريق إلى أرض الأحلام:

يعاقب القانون الجزائي الجزائري فئة المثليين جنسيّا بالسّجن، وبالغرامات المالية التي لم تمنع شريحة واسعة من مواصلة البوح بميولها متحدّية القوانين المطبقة، وكاشفة عن حلمها في أن تنتهج الجزائر الطريق التي سارت عليها بعض الدول الأوربية، على غرار فرنسا وإسبانيا. تواصل لقاؤنا مع أنور ودعانا إلى زيارة بعض الأصدقاء بأحد الأحياء الجامعية. في سيارة الأجرة التي نقلتنا إلى وجهتنا لم يكن أنور يبدي ملامح شابّ مثليّ. لاحظنا أنّه يردّ على الهاتف النقال، مرّتين، بشكل عاديّ.  المهمّ أننا بلغنا وجهتنا، بعد مسير حوالي  الأربعين دقيقة، ودخلنا الحيّ الجامعيّ دون إثارة فضول أعوان الأمن ودون التأكّد من هويتنا. كانت السّاعة تشير إلى حدود السّادسة والنصف مساءً. ولجنا رواقا شبه مظلم وعلى طرف الرواق دخلنا غرفة أنور. بوستير للمنتخب الوطني وآخر لكريستيانو رونالدو كانا يزيّنان الغرفة المكتظّة بثلاثة أسرّة وبعض الكتب المبعثرة وقطع الخبز على الطاولة. جلسنا على حافّة سرير وراح أنور يحضّر قهوة قبل أن يتّصل بصديق له التحق بنا بعد حوالي الربع ساعة. شاب تبدو عليه بوضوح علامات المثلية. راح يعانق أنور ويحدّثه عن هاتف نقّال يريد شراءه. صافحنا صديق أنور الذي خاطبنا: "أعرّفك برازن، عفوا "م" ". وينخرط في الضّحك. ثم يواصل: "هو واحد من الناس اللي نعزهم". لم يبد "م" امتعاضا إزاء كلام أنور الذي كشف لنا لاحقا أنّ مختلف المثليين جنسيا يحملون أسماء أنثوية فيما بينهم. وعلم انه من بين الشّلة يوجد آخر يدعى "سوزان". بدا "م" مستعجلا جدّا، يضع "بريسيون" على الأذن اليمنى، يتحدّث ببعض النرفزة، ولا يتحرّج من إبداء ميول شاذّة في طريقة الكلام أو في الحركات، إضافة إلى نبرة صوته الرقيقة جدا ثم نوعية السجائر التي يدخّنها من ماركة غالية الثمن نوعا ما بالنسبة لطالب جامعي (مع العلم أنّه يدرس في كلية الحقوق).

لما أخبر أنور صديقه "م" عن هويتنا لم يبد اكتراثا وذكر جملة واحدة عن ميوله المثلية: "أنا حرّ فيما افعل.. واحد ما يسألني". ثمّ يضيف: "نهزّ الدبلوم ونقلع لأوربا واللي ما يعجبوش الحال راه عارف وش يدير". حيث أدركنا لاحقا، وبفضل شهادات أنور، أن فرنسا مثلا تمنح كثيرا من الامتيازات بالنسبة للمثليين جنسيًا، منها حقّ اللجوء السياسي والتحصل على وثائق الإقامة، وتوفير الحماية، حيث يحكي لنا: "أوّل شخص نال حق اللجوء في فرنسا بسبب المثلية الجنسية كان جزائريا، وذلك عام 1997". قبل أن يكشف لنا عددا من النقاط، من مقاه وبارات، بباريس، تحتضن الشواذّ جنسيا ويقصدها خصوصا جزائريون، من بينها:  "بانانا كافيه" (الدائرة الأولى)، "فينيل كلوب" (الدائرة الثانية) ، "تانغو" (الدائرة الثالثة)، "فوليه بغايه" (الدائرة التاسعة) ويتساءل: "لما كشف رئيس بلدية باريس عن مثليته الجنسية لم يتدخل أحد ولم يتهجم عليه أحد بينما نحن في الجزائر نضطهد المثليين". لم نجد إجابة سوى القول: "على الأقل هناك أماكن يمكن أن تلتقوا فيها في الجزائر". بالفعل، أطلعنا أنور على ثلاثة أماكن مهمة "في وسط العاصمة وضاحية سيدي يحيى"، إضافة إلى نشاطهم عبر الموقع الإليكتروني www.ffaid.org  وتواصلهم عبر الفايس بوك.

الصين: من تصدير اليد العاملة إلى تصدير المثليّة الجنسية:

أكثر ما شدّ انتباهنا إزاء كلام أنور هو حالة الوعي وإدراك مختلف مظاهر المثليّة الجنسية في الجزائر، والتي تتّخذ من ألوان قوس قزح شعارا لها. وعن سؤالنا حول المثلية بين الأوساط النسائية يقول: "المثليات جنسيا أصادفهنّ في بعض المقاهي المعيّنة. نعرف بعضنا جيدًا ولكن، لا أحد يتدخّل في نطاق الآخر" مضيفا: "في الحقيقة، أخبرك أنّ المثلية الجنسية بين النساء لا تشكّل عارًا في الجزائر. لا تتراءى ملامحها. ثم العار بالنسبة للمرأة في الجزائر هو لما تفقد عذريتها وفي بقية الحالات ينظر إليها باعتبارها امرأة وكفى".  مشيرا، في السياق ذاته، أنّ حال المثليات أفضل من حال المثليين، لأنّهنّ يمارسن شذوذهنّ خفيّة ودون إثارة انتباه أحد. جال بنا الحديث إلى أنور عبر كثير من المحطات قبل أن يكشف لنا صدفة عن قضية شاب صينيّ، مقيم في الجزائر، مثليّ جنسيّ، ينشّط مدوّنة اليكترونية، عبر الانترنيت، تقرّ صراحة بميل صاحبها. حيث اكتشفنا، بعد الإطلاع على المدوّنة، على كونه رساما ويتّخذ من المثلية الجنسية قضية له. كما لمسنا من حديث أنور أنّ الأنترنيت توفّر فضاء التقاء مهمّا بالنسبة للمثليين جنسيّا في الوطن العربي، حيث أطلعنا مثلا على موقع "الفاتحة" الذي يجمع بين المثليين العرب، وموقع "بنت الناس" الذي يجمع بين السحاقيّات. ويختتم أنور مكاشفاته بالقول: "سواء أن يرضى الآخرون بالمثلية الجنسيّة أو العكس المهم أن يرضوا بتعايش الأفراد المثليين جنسيًا في بيئتهم" ويضيف: "لماذا لا يتحدث الآخرون عن وطء الحيوانات وانتهاك الحرمات ويسعون إلى تضييق حرياتنا رغم أننا لا نشكّل خطرًا على المجتمع".
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق