الحياة السياسية في مصر: “معارضة من غير أمل” وأحزاب بلا مستقبل

تدور الحياة السياسية المصرية بين محاور ثلاثة:

الحكم يمثله “الحزب الوطني الديموقراطي” الذي أسسه الرئيس الراحل محمد أنور السادات في منتصف سبعينات القرن الماضي خلفا لـ”حزب مصر الاشتراكي” الذي أقامه السادات أيضا على أنقاض “الاتحاد الاشتراكي العربي” الذي أمسك بزمام السلطة منذ أقامه الرئيس الراحل أيضا جمال عبد الناصر في 1962 ليخلف ” الاتحاد القومي” الذي كان بمثابة حزب السلطة منذ 1956، بدوره خلفا لـ “هيئة التحرير” التي أنشأها “الضباط الأحرار في 1953، بعد أن حلّوا الأحزاب التي كانت قائمة حتى مشارف ذلك التاريخ.

الأحزاب السياسية، وعلى الورق، يوجد في مصر أكثر من 35 حزبا سياسيا تتمتع بالشرعية القانونية بحكم موافقة “لجنة شؤون الأحزاب” التي يديرها الحزب الحاكم. أما الشرعية السياسية، ناهيك عن الشرعية الاجتماعية أو التاريخية، فتكاد تكون معدومة بالنسبة لمعظمها، مبرر وجودها رغبة نظام الحكم في “زينة” يتصور أنها تصادق على ادعاءاته حول الديموقراطية والتعددية.

من هذا الواقع استقر التعارف على تصنيف يميز بين “أحزاب رئيسية” وأحزاب لا تذكر، بل لا يعرف الشخص العادي مجرد أسمائها. الأحزاب الرئيسية التي يشملها هذا العُرف هي: “الوفد” و”التجمُّع الوطني التقدمي الوحدوي” و”العربي الناصري” الذي يردفه وينافسه على ارتداء قميص عبد الناصر، و”حزب الكرامة” الذي لم يحصل بعد على الشرعية القانونية وإن كان يصدر صحيفة تحمل اسمه.

الحركات والمنظمات السياسية التي لا تحظى بإقرار قانوني، تتوزع بين تيارين متباعدين هما: الإسلام السياسي، الذي يستحق تناولا أوسع سيأتي لاحقا، والحركات الماركسية: الحزب الشيوعي البالغ الضعف وإن كان بعتبر “حزب التجمع الوطني الديموقراطي الوحدوي” [“التجمع”] يعبر عنه بدرجة أو بأخرى، و”حركة الاشتراكيين الثوريين” التي تتمتع بوجود محدود لكنه ملحوظ في أوساط طلاب الجامعات.

 الأحزاب الرئيسة

كان فريد الأطرش يغني : الحب من غير أمل أسمى معاني الغرام. ويبدو أن الأحزاب الرئيسة تعتنق مذهبه.

مثلا: تصف صحيفة “الوفد” نفسها على موقعها على الإنترنت بأنها “صحيفة مصرية معارضة تصدر عن حزب الوفد…”.

لا شك في أن الوصف هو واقع الحال، لكنه ينطوي على معنى آخر، يبدو أن القائمين على الموقع واستطرادا الصحيفة نفسها واستطرادا على الاستطراد الحزب الذي يصدر الصحيفة، قد التفتوا إليه؛ هو أنه يعتبر نفسه “معارضة من غير أمل”، أي أنه سيبقى في المعارضة إلى أن “يقضي الله أمرا كان مفعولا”، بما توحي به العبارة من معاني النعي أو التأبين، في افضل الأحوال.

ما ينطبق على “حزب الوفد” ينطبق على تلك “الأحزاب الرئيسة” جميعا ؛ كلها لا تعتبر وجودها في موقع المعارضة حالة تاريخية فرضتها أوضاع وظروف بعينها. وأن مآلها الذي يُفترَض أنها تسعى إليه هو أن تتولى الحكم ذات يوم.

ينطوي ذلك على دلالات ملحوظة في سلوك تلك الأحزاب جميعا، يمكن تلخيصها في ما يأتي:

إن هذه الأحزاب جميعا، لديها اعتراضات على الحكم، تبدأ من ثوابته، إلى سياساته، إلى ممارساته، إلى سلوك وجوهه البارزة، لكن هذه الاعتراضات في مجموعها، بالنسبة لكل حزب، لا تقيم منظورا يؤسس لنقد منهجي وشامل، فلا تعرف إن كانت انتقادات لنظام الحكم ومصدر شرعيته وأسسها، أم أنها انتقادات لسياسات بعينها، إن عدّلها الحكم أو تخلى عنها، ينفتح الباب أمام قبوله من هذا الحزب أو ذاك.

بين نقد نظام الحكم وانتقاد سياساته بون واسع ومسافات شاسعة.

ما يترتب على هذا، هو أن أيا من تلك الأحزاب لا يتقدم من الناس ببرنامج للتغيير، لأن كلا منها يخاطب الناس باعتراض هنا أو اعتراض هناك، قد تشكِّل الاعتراضات أكواما أو تلالا أو حتى جبالا، لكنها لا تقيم صرحا، هذا من ناحية؛ ومن الناحية الأخرى لا تقول هذه الأحزاب للناس ماهي سياساتها المحددة البديلة. من يعترضون على التبعية للخارج لا يرسمون (لا يعرفون؟) طريقا إلى الاستقلال. من يجمعون التوقيعات للمطالبة بإلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل، لا يقولون لنا كيف سيواجهون ما يترتب على ذلك الإلغاء. الذين يأخذون على الحكم إهماله الرعاية الصحية العامة بذريعة نقص الموارد، لا يقولون كيف يمكن توفير الموارد للصحة العامة. الأمر نفسه ينطبق على التعليم الذي أصبحت مجانيته معرضة لإلغاء زاحف ومستتر، وينطبق على تقرير حد أدنى للأجور يتناسب مع حد أدنى لكلفة المعيشة. ويسري على غياب حد أدنى من ضمان العيش والكرامة للمتعطلين والمتقاعدين، إلى غير ذلك وعلى منواله كثير.

لا تكاد تلك الأحزاب تتحدث عن شيء قدر ما تتحدث عن فساد الحكم والحاكمين وعن الحاجة إلى تداول السلطة. في الأولى لا تكاد توثِّق شيئا ممّا تقول، رغم أن التوثيق ممكن بشيء من الجهد. وفي الثانية لا تقول ماذا ستفعل إن آلت اليها السلطة.

من الصفات المشتركة بين هذه الأحزاب أنها:

تقوم على حنين إلى ماضٍ يصعب تصور استعادته؛

فحزب “الوفد” ما زال يحاول العيش على ما يسميه “تراث الوفد” الوطني والليبرالي، ليس فقط رغما عن التاريخ الذي تجاوز ذاك التراث، إنما أيضا رغم أن الحزب في ثوبه الجديد الذي يرتديه منذ إعادة تأسيسه في 1976، يتخلى دون مواربة عن عناصر مهمة من ذلك التراث، على سبيل المثال لا الحصر، تخلى “الوفد الجديد” عن العقد الاجتماعي الذي أرساه سلفه القديم: الملكية الفردية مقابل حماية حقوق الطبقات الاجتماعية الضعيفة. كما تخلى عن مفهوم “وحدة عنصري الأمة” وتعانق “الهلال مع الصليب” كأساس للوحدة الوطنية والمواطنة، عندما تحالف مع “الإخوان المسلمين” في 1976.

أما حزبا “التجمع” و”الناصري” فيسعيان، مع تباين المرتكزات الإيديولوجية، إلى استعادة “منجزات” المرحلة الناصرية”، بغض النظر ممّا تبين على مدى ما يقارب عقودا أربعة من أن الناصرية، من ناحية، لم تمد لها جذورا في المجتمع، ومن الناحية الأخرى، أن أسس الاقتصاد المصري شهدت تغيرا وتدهورا شديدين نتيجة لتغير موازين القوى الاجتماعية محليا وتغير موازين القوى الإقليمية منذ الهزيمة العربية أمام إسرائيل في 1976، كما بفعل “العولمة التي أفرزتها “الثورة العلمية التكنولوجية” التي اجتاحت العالم بعد انقضاء المرحلة الناصرية في مصر.

كما أن الأمين العام لحزب “التجمع” حسين عبد الرازق، لهذا الكتاب، يفسّر تراجع الحزب سياسيا وشعبيا بالظرف الموضوعي: ما يمارسه الحكم من تضييق على حركة الأحزاب ونشاطها وانصراف الناس عن السياسة، دون التقليل من شأن عناصر القصور الذاتية في الحزب: شيخوخة القيادات، تصلب شرايين الحزب بسبب استقرار مسؤولي الحزب في مواقعهم لسنوات طويلة، حتى إن لم يوفوا بمسؤولياتهم، الارتباك الفكري أمام المتغيرات…

ويكاد تصور عضو المكتب السياسي لـ “الحزب العربي الناصري” أمين يسري يتطابق مع تصور عبد الرازق.

قياداتها العليا جميعا في السبعينات من أعمارها، بينما قياداتها الوسطى في الستينات والمراكز الثانوية يشغلها جيل يدخل إلى خمسينات أعمار أفراده.

 ضعف قدرتها على اجتذاب أعضاء من اجيال أحدث. كما أن الخارجين منها أو “المتساقطين” من عضويتها النشيطة، سأما أو تراخيا، أكثر بكثير من الداخلين إليها.

الصراعات داخلها تدور بين شخصياتها القيادية بدلا من موضوعات سياسية أو حزبية أو حتى إدارية.

حزب “الوفد” خاض الانتخابات الرئاسية الأخيرة ضد الرئيس حسني مبارك، برئيسه في حينها نعمان جمعة الذي خسر الانتخابات التي كانت نتيجتها مقررة سلفا، لكن منافس جمعة على رئاسة الحزب ورئيسه الحالي محمود أباظة، استند إلى تلك النتيجة ليصل إلى عزله من منصبه، ما فجّر صراعا قضائيا، ما لبث أن تدهور إلى استخدام السلاح، وما زال النزاع القضائي متواصلا.

في الوقت نفسه، يشهد الحزب الناصري منذ مؤتمره الأخير، صراعا مريرا يكاد يشله، بين أمينه العام السابق أحمد حسن والنائب الأول لرئيسه نقيب المحامين سامح عاشور، حيث يتبادل الطرفان، في قاعات الهمس، الاتهام بالعمل لحساب النظام، وهو ما يتداوله أنصار كل منهما علنا؛ بينما رئيس الحزب ضياء الدين داود الذي أعلن منذ أسابيع أن الحزب “لا علاقة له بجمال عبد الناصر”، قد تجاوز الثمانين من عمره مع صحة متدهورة.

أما حزب “التجمع” فما زال الصراع داخله مكتوما وربما محكوما. لكنه صراع على “لا مسائل” إذ يدور حول ما يشكو منه بعض أطرافه من هيمنة رئيسه – رفعت السعيد، ليس فقط على قيادته ومنظماته، إنما أيضا على مستقبله ومصيره ويحمّلونه المسؤولية عن ضعفه وعمّا يصفه بعض هؤلاء بأنه “ذيلية للدولة”.

 • • •

… وحزبان مستجدان

إلى هذه “الأحزاب الرئيسية” استجد حزبان:

1 – “الغد” الذي أسسه المحامي أيمن نور. وفور تأسيسه حظي بدعم أميركي معلن وانصب عليه عداء حكومي وصل حد سجن المؤسس بتهمة التزوير بعد أن خاض الانتخابات الرئاسية وخسر. لم تخفف الضغوط الأميركية الشديدة التي بلغت شبهة تبنيها الحزب من عداء الحكم. بيد أن الصراعات الناشبة بين مؤسسي الحزب الغض والذين لا يعرَف لأي منهم تاريخ سياسي، قد أراحت مناصريه الأميركيين (والسعوديين؟) ومن لف لفهم في مصر، كما أراح الحكم المصري الذي يناصبه عداءً يرى البعض أنه مصدر ما أصبح لاسم الحزب – دون الحزب نفسه – من رواج محدود على أي حال.

2 – الحزب المستجد الآخر هو “الجبهة الديموقراطية” التي كان أبرز مؤسسيها أقطاب ثلاثة، تولّى اثنان منهم – الدكتور يحيى الجمل والدكتور علي السلمي – مناصب وزارية في عهدي أنور السادات وحسني مبارك، على التوالي. أما القطب الثالث فهو الدكتور أسامة الغزالي حرب، رئيس تحرير مجلة “السياسة الدولية” التي تصدر عن مؤسسة “الأهرام” التي تملكها الحكومة والذي كان عضوا بارزا في “لجنة السياسات” في الحزب الحاكم، التي استحدثها ويقودها جمال مبارك، الوريث الظاهر لأبيه الرئيس الحالي.

استقال الغزالي حرب من ذلك الموقع المقرّب والمتنفذ ليكون في المركز الثاني بين مؤسسي الحزب المستجد.

على أي حال، لم يلبث الدكتور علي السلمي أن استقال من الحزب لأسباب لم يعلنها وإن كان الدكتورالجمل يرى أنها ترجع إلى عدم قدرة الحزب الأخذ بمقترحات تتظيمية تقدم بها السلمي. ومنذ أيام استقال الدكتور يحيى الجمل من رئاسة الحزب، معللا استقالته بـ”الحرص على الشفافية وإقرار مبدأ تداول السلطة”، لكنه بقي عضوا في الحزب.

الدكتور الجمل لا ينفي ولا يثبّت ما أشار إليه هذا الكاتب من انطباع أن الحزب تأسس لتسهيل توريث الرئاسة لجمال مبارك بتوفير منافس “معقول” له على المنصب، اعتصم من النفي والتأكيد بقول إن ذاك الانطباع ينبني طبعا على وضع الغزالي حرب، الذي استقال من معقل مبارك الإبن ليؤسس حزبا معارضا. وكان هذا الحديث قبل أيام ثلاثة من استقالة الدكتور الجمل من رئاسة الحزب.

 

 • • •

 

تبدو هذه إجمالا أحزابا بلا مستقبل، بل أن قياداتها لا تكاد تدعي خلاف ذلك.

 —————————————–

النهار 3/3/2008
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق