الحياة بالطبعة الأعرابية

أعرابية ممزوجة بذهنية دينية معبّأة على عجل وارتجال مع مال متدفّق أخطأ مصارفه الطبيعية في التنمية ومعالجة الفقر، هي ما يُقدّم للعالم إمّا على أنّه صحوة إسلامية، أو نمط حداثوي عربيّ محافظ على الهوية والثوابت. وهو ما تيسّر للعقل المحدود أن يفهمه ويتصوّره، فهل هو غياب القدرة على الإبداع واستيعاب المعطى الحضاري حيث تطوف الصور البدائية للإنسانية وتُستحضر أدواتها وتعابيرها، ويكون السيف في مواجهة التقنية، والانغلاق ضدّ الحداثة، والكذب بديلا للإنجاز السياسيّ، والفكرة البسيطة المضخّمة في المخيال، قادرة على هداية البشرية وحلّ الأزمات العالمية؟ أم هي صورة وافقت الهوى والمزاج لم تأخذ كثيرا من الجهد وتناسب الحيلة الجمعية المتواضعة.

يجري طرح هذا النمط الحياتيّ بكثافة، ويؤسّس له بعد أن احتكر جزء من العالم العربي مهمّة رعاية الثقافة والأدب والفنون، وتصدّر عملية التكلّم نيابة عن التاريخ. ولم تعُد خارج الملاحظة عملية التجميل والتنجيم (خلق النجوم) المضحكة التي تمارسها وسائل الإعلام (الثرية) والتي تولّت، هي الأخرى، الحديث نيابة عن الصامتين (الفقراء) واحتكرت مهمّة توجيه الوعي الجمعيّ العربيّ. في تسويق هذا الغثاء وصولا إلى حالة التنميط. وهذا المعروض يحدّد بوضوح ذائقة المقدّمين، والذي يبدو استعراضا لمراهق ثريّ مدلّل. ويستوي في ذلك الخطّ الأصوليّ الذي يحتمي بالأعرابية ويجد فيها مكانه الحقيقيّ وفي حصونها اللامرئية ملاذا آمنا، والخطّ الليبراليّ (المدّعى) الذي لازال يلبس الأعرابية في التفكير.

اختلط العربيّ بالأعرابي وتماهى معه بعد أن تراجع العربيّ بكلّ تراثه وثقله ومكتسباته المعرفية الحديثة، ليفسح المجال لنموذج بائد غطّته رائحة ما، لكنها ليست رائحة الجهد والمحاولة، وافرز خطابا أعرابيا وليس عربيا كما يقول محمد عابد الجابري يتعامل مع الممكنات الذهنية كمعطيات واقعية ويستجير بالسماء على مشاكل الأرض ويكرّس خطاب اللاعقل في مملكة العقل. (1)

كان التحدّي الأعرابيّ كنمط حياتيّ وثقافيّ الحاضر على مستوى السلوك والرؤى، أخطر ما واجه الإسلام في مسيرته وأراد أن يميّعه ويختصر رسالته بالغنائم والارتزاق، ورغم الحملة الشرسة عليه ومحاولة إطفاء حيويته، إلا أنّ الأعرابية كانت تطلّ برأسها بين الحين والآخر، وحاول الإسلام إسكاتها عبر سهم (المؤلّفة قلوبهم) المعروف في فقه الزكاة، والتي حوت في باطنها نزعة الارتزاق السياسي التي ربّما مهّدت فيما بعد للتمرّد على الدين فيما سمّي بحروب الردّة، والتي كان ظاهرها فهم الأعراب للزكاة والصدقة على أنها (إتاوة) يدفعونها. في القرآن تسفيه كامل للكيان الأعرابيّ وتشهير صريح ممزوج باتهامات عقائدية على وشك إدراجهم في مربّع الكفر الصريح لولا التداخل الاجتماعي وهشاشة الوضع السياسي. وقد فصّل القرآن وأسهب في وصفهم وتحديد وجهتهم كما لم يفصل في أيّ قضية مماثلة.

ورد وصف الأعراب في القران (بتعبير ديني يعطي نقدا للزمان أكثر مما يعطيه للمكان، لأنّ باقي المدن الأخرى كمكة والمدينة تدخل ضمن الدائرة الأعرابية كمكان) في عشر مواضع جاءت جميعها موصوفة بأوصاف دونية قاصرة عن النهج والفعل الصحيح المفترض. فجاء وصفهم بالكافرين (سورة التوبة آية 97) وليسوا أهلا للمسؤولية (سورة التوبة آية 89) منافقين (توبة 100) رجعيين (الاحزاب16 ) كذابين (الفتح 10) أدعياء وملتصقين (الحجرات 13) مستثمرين قذرين (توبة 98) انتهازيين (توبة 118). إضافة إلى مواضع أخرى أشار إليهم القرآن فيها دون ذكرهم صراحة (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) الحجرات. مع نصوص كثيرة من السنّة بنى عليها الفقهاء أحكاماً شرعية، فقرّروا عدم جواز إمامة الأعرابيّ في المدينة. وقال مالك لا تجوز إمامته ولو كان اقرأهم لكتاب الله، ولا تجوز شهادتهم مع أهل الحاضرة ويقدم عليهم، ولا يستحقون الفيء لأنهم غير مقاتلين، وأحكام أخرى بحقّهم جعلتهم في مستوى أدنى بقياسات التحضّر والمدنية وعلى مستوى الالتزام الإنساني والأخلاقي كما يفهم من النصوص .كما أن هناك أحاديث تفيد، أن الرجوع إلى البداوة بعد الهجرة (والتي تترجم إلى الردّة الحضارية) كبيرة من الكبائر تقترب من مستوى الردّة الشرعية.

في صحيح البخاري قول الحجاج لسلمة الأكوع وقد بلغه أنه خرج إلى سكنى البادية (ارتددت على عقبيك ) يعني تعرّبت، فقال لا ولكن رسول الله أذن لي في البدو. وقد كان المهاجرون يستعيذون بالله من التعرّب، وحديث سعد بن أبي وقاص ( اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردّهم على أعقابهم ). جاءت المواجهة العسكرية بين الإسلام والأعرابية باكرا في ما سمّي بحروب الردّة، وكان الفهم السطحيّ والبسيط للمتمرّدين، يجعل اعتراضاتهم تتمحور حول تقاسم النفوذ والغنائم، وعالجوها بطبع نسخ أخرى من النبوّة في شخص (مسيلمة) و(سًجاح ) و(الأسود العنسي) ممّا سهّل مسألة الحسم العسكري لهذه الفئة بعد أن ركّز المسلمون على مسألة الكفر (الامتناع عن أداء الزكاة) الذي جعل قتالهم واجبا شرعياً. لكنّ المواجهة مع الخوارج أعادت النمط الأعرابيّ في القتال والمواجهة، ولم تستوعب المعطيات السياسية الجديدة كما لم تتفهّم خروج الطبقة السياسية الإسلامية من روحانية النصوص إلى ماديات الحياة الجديدة. والأعرابي فهم الغيب دون تهذيب ودون تحديد مما أعطاه رخصة أخذه بشكل شخصيّ ومزاجيّ. وانطلت عليه كذلك حيلة سرقة الغيب من قبل الأشخاص تحت مسمّى التواصل والتفويض والوصاية، إلا أنه يجيد كذلك لعبة إخضاع الغيب لرغباته الشخصية. فحملت الفهم الأعرابيّ للتديّن، كما يحمله اليوم بعض الجماعات الإسلامية الراديكالية. هنا يمكن القول إنّ الأعرابية أطلّت برأسها مرّة أخرى بحمولة أيديولوجية كانت السبب في خروج الإسلام من المطلق الروحي إلى النسبيّ المبرّر بالروحانية. وليس من قبيل الصدفة أن يطلق البعض صفة (الخوارج) على بعض الجماعات وإن كانت التسمية تعني الخروج عن الملّة إلا أنها تحتمل انطباق الصورة مع متعلقاتها التاريخية.

تحدّث ابن خلدون عن البداوة والحضارة وهو أوّل من أشار إلى تأثيراتها، لكنّه قلّل من تداعياتها الشاذّة وحاول أن يضعها في إطار الأخلاق والشهامة والعصبية، في وقت كانت حاضرة بقوّة في الهياكل السلطوية، لذلك فهو لم يخرج كلّ ما في جعبته من وصف اجتماعيّ دقيق لها، كما أخرجها مثلا أبو حيان التوحيدي في كتابه (الإمتاع والمؤانسة). فلم تعد البداوة تلك الفطرة المحمّلة بالفضائل والناشدة للحرية، فقد فقدت عذريتها مع عهر المال والتكنلوجيا “القسرية” وأصبحت حُبلى بما ترسّب من نظم اجتماعية هجينة، وأصبحت ترقيع عورات تاريخية بعورة أخرى، فقدت عذريتها في ماخور حضاريّ غير مسبوق ثمّ لم تستطع إعطاء مستحقّات هذا العهر في مجاراة الواقع الجديد.

من هنا يتأسّس لنا أن الحديث عن (الأعرابية) يأتي في إطار ما تستطيع الصحراء أن تقدّمه من قالب لمجتمع متعدّد مؤسَّس ومتكرس، وما يمكن أن يحدث عندما تتولى هذه الثقافة تفسير الحياة متجاهلة تماما مدار الزمن. إن وضعت نفسها في موضع قيادة الحياة أو وضعتها ظروف تاريخية في هذا الموضع. مع الإشارة إلى أنّ الصحراء وإن زالت كمكان في الارتياد والسكن، فإنها لم تُزَل كزمان وكمرجعية فكرية وثقافية. لازلنا نحتكم إليها ونعتمد نظمها في معالجة الحياة. ونجد تأثيراتها تتجدّد من حين لآخر ملقية بظلالها على الحياة. إلا أنّ العصر الحديث شهد تداعياتها الكارثية. أوّل ما يواجهك من مظاهر الأعرابية الاجتماعية كثرة التلوّنات السياسية والتحوّلات في الموقف ونسبية المبادئ والادّعاء وملء القصور العلميّ بالكلام الكثير وطغيان الشكل على الموضوع، وهو إفراز لعملية التمترس خلف القناعات الكاذبة وخلف الوجه والاحتماء بالأخلاق لحماية الموقف، لأنّ الصحراء لا تسمح لأحد أن يختبئ خلفها، فلا بد من الاختباء وراء الوجه (بالكذب الدجل النفاق) لتوفير بعض الحماية النفسية المتخيّلة، أو إيجاد ما نتدثّر به من مفاهيم وطقوس نقدّمه ملئا للفراغات الكثيرة في العدّة الحضارية، فلم نجد إلا الشرف الموهوم ومفردات جرى تضخيمها لتصبح صنما نقدّم له القرابين، في حين كان العرب يعبّرون عن شرف المرأة ونقائها بالضوابط الاجتماعية المعروفة وجدانيا والمستقرّة في الأذهان دون رتوش أو ما يدلّ عليها، الأعراب الآن لا يستطيعون تقديم هذا الشرف نظريا فقدّموه شكلا بالحجاب والنقاب. وهم الذين أعادوا جرائم الشرف إلى الواجهة بعد أن انحسرت نوعا ما خلال عقود قليلة مضت.

أعاقت الأعرابية الاستثمار بالكادر البشريّ المتاح إلا في مجال الموت والعبث، وأفرغت الفعالية الاجتماعية والثقافية البشرية من كلّ المحتويات إلا من القتل والبطش والحيازة العنيفة السمجة. وتأتي صورة المرأة العربية في مقدمة الإعاقات، وخاصة المرأة الخليجية التي لازالت تدور في متعلّقاتها التاريخية، ولازالت تنتظر الإذن في قيادة السيارة والخروج إلى السوق، أو صرف همّتها وعنايتها إلى الزينة وإبرازها فقط كواجهة أنثوية لهذا النمط، مع أنها تملك الكثير، ليس أقله الجمال العربي الأصيل.

لعب المال العربي المتدفق بوفرة من عائدات النفط، دورا كبيرا في إعادة هذه المظاهر إلى الواجهة وتلوين الحياة بالبيئة التي يتواجد فيها المال. وشراء المواقف لصالح هذه البيئة، الأمر الذي غيّب تماما نماذج حضارية متفوّقة نوعا ما (سوريا تونس لبنان) وأضعفها وقوّى مجتمعات متواضعة حياتيا ودفعها إلى الواجهة كنموذج عربيّ، واستقطب المهارات لتحقيق التفوّق المتخيّل. المال العربي أعاد لي الأعرابية بصورة ثرية وزيّنها لي. وهذه حقيقة مرّة يجب أن تقال قبل أن نؤخذ بالظلم، المال العربيّ بنى لنا قصرا من ورق لكنه أخذ حيزا في الثقافة العربية المقدمة، قصرا لا نعرف كيف نسكن فيه، وأنشأ إعلاماَ أضخم من الإعلام الغربيّ لا نعرف كيف نوظّفه للتنمية، وبنى لنا مشافي كبيرة ضخمة ومطارات وناطحات سحاب وجيوش جرارة أوجدتها فرضية بسيطة، هناك مال يعني هناك سلعة، وهناك وفرة مالية، إذن يجب أن تكون هناك ظواهر عمرانية (كتل خرسانية) وهناك طموح سلطويّ للتفوّق يعني هناك معرض كبير، لكنّ كلّ تلك الأموال والعمران لم تمنع وفاة 150 شخص راحوا ضحية أمطار هطلت لمدّة ساعتين في السعودية. وزلزال قويّ في اليابان بلغت قوته 7.3 قتل ثلاثة أشخاص فقط. ويبدو أننا ورثنا لضعف الخيارات تلك الصورة الأولية.

في العقود الثلاثة الأخيرة جرى إعادة إنتاج هذه الثقافة ومتعلّقاتها على عدّة مستويات، وجرى تحفيزها في ظلّ تراجع الاهتمام العربي بالنظم العالمية الحديثة ورواج خطاب الصحوة الإسلامي، وإصرار الحكومات القومية على إحياء الدور القومي للأمّة عبر الولوج العشوائيّ والاضطراريّ في الصحراء. إمّا عن رغبة مبدئية وإمّا أن يلجأ الحاكم إذا أعيته الحيلة وواجه ضغوطا واستحقاقات شعبية ملحّة، إلى تبنّي النزعة الأعرابية في افتعال الأزمات وتفعيلها وحشد الهمم الكليلة. واعتماد الريف كحاشية لوجستية مستغلا ضعف الاهتمام العامّ في هذه الحاشية. وهذا ما يفسّر اللامنطقية والعدمية في المواجهة والتحدي والإعلان عن النفس وتقديمها، ويفسّر قصور السلطات عن حالة الارتقاء أيضا.

مشكلة الأعرابية أنها وعاء كبير كبر الصحراء، وثوب فضفاض مفخّخ بكلّ ما هو سلبيّ ولا منطقيّ وعدميّ وبما هو غير مسوّق اجتماعيا، ليست له حدود وقواعد معينة تعلن هوية حضارية له، ويمكن أن تكمن فيه كلّ التيارات حتى المتناقضة منها، ممّا يسهّل سرقة العنوان الرئيس، وهو ما سهّل سرقة الدين بسرعة، فطفا على السطح رجال دجّالون قدّمتهم هذه المدرسة على أنهم وعّاظ ومصلحون. لقد ظلت الأعرابية بحجمها البسيط والمتواضع بعد أن غادرها الإسلام إلى العراق والشام ومصر ليتلاقح مع الثقافة الفارسية والرومانية والإغريقية ويطعّم بحضارات قديمة أخرى شملها الفتح الإسلامي فزاد الثراء السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وظلت الأعرابية في مجتمعاتها وبيئاتها وسلمت الحياة والدين معا من تأثيراتها حتى العصر الحديث، حيث أخرجها المال العربي المتدفق منها، وأخرجها جماعات كانت غائبة عن الحدث وعن صناعة الحياة قاصرة عن المعرفة اللازمة لذلك وقاصرة عن الاستعداد النفسي المعين على ذلك، وبعد أن ملكت المال الوفير الذي لم يجد بفعل هذا القصور تصريفات حضارية له في وجوه التنمية والعقل والتحديث، واعتمد في أفضل الأحوال لاستنساخ شكل المدنية فقط دون مضمونها. فلا أرى اللوحة الفنية وقصيدة الشعر والأدب والفنّ إلا عبر الدولار البترولي، ولا أرى رغبة التحرّر والانعتاق من الديكتاتورية والعبودية والتحديث إلا عبر اللحية التي أصبحت لازمة من لوازم القنوات الفضائية. وهذا جوهر ما ألمّ بالعالم العربي والإسلامي من الأعرابية، التي وإن كانت دعواتها صريحةً إلى التصدّي والمواجهة واكتشاف الذات والدفاع عن الهوية وحجز مقعد في نادي الإنسانية. إلا أنها ستظلّ بحاجة ماسّة إلى الآلية الصحيحة.

فهي التي تحدّد لي الآن وفق مقاساتها من هو شاعر العرب وأديب العرب وواعظ العصر وفقيه الأمة وشيخ المجاهدين، وهي التي ترسم لي الطريق في مطوّلة هل يجوز أو لا يجوز وهي التي تضطرّني إلى النفاق وترسمه سلوكا لي. وهي التي، جفّفت منابع الإبداع من رسم ونحت وأدب ومبادرات فردية، وسرقت مجتمعات كاملة كانت تعتبر طوق النجاة. وأصبح العقل المسطّح والتفكير الساذج سمة هذا العصر. وتراجع الكثير من النجوم والأعلام الذين صنعوا الحياة وتربّوا على الرصانة والعلمية، وتفرّقوا في المنافي وماتوا فيها. وارتدّ الكثير من العلماء على أعقابهم وخرجوا علينا يقرؤون التاريخ وفقا لمنطق جديد خشية الناس وخشية فقدان الماهية، هذا التبسيط المخلّ في عرض الموضوعات وطرحها، واختصار أكبر القضايا في قوالب بسيطة بساطة الحياة الصحراوية. واعتماد نظام الصفقات الآنية وستر العورات عبر الإيمان المدّعى والوعود التاريخية، سهّل زحف رمال الصحراء إلى المدينة وأكل ما تبقى منها من فضاء، مع عامل سياسيّ أشار له الدكتور برهان غليون في كتابه الدولة القومية. وهو خوف الأنظمة السياسية من ثقافات المدن وتشجيعها للثقافات المنحدرة منها والتي يضمن منها الولاء لعدم معرفتها الكثير. وتغذيتها بين الحين والآخر بفيتامين النخوة والشهامة والدفاع عن الأصالة، جعل الدول والمدن طبعة منقحة للصحراء كما ضيّعت اليسار العربيّ وشرذمته، وتفّهت أطروحاته وحضوره الجماهيريّ، بعد أن راهن على هذه البطانة رهانا استراتيجيا. ممّا اضطره أخيرا إلى الدخول في عباءتها وتبنّي أطروحاتها على أساس شخصيّ. رغم أنّ حركات الإسلام السياسي الفتيّة في الخمسينات حاربت اليسار بالنموذج الأعرابيّ، وأسقطته مقولات الاغتراب والتنكّر للشرف والحشمة، وعادت الآن لتصطفّ معه في الخندق وتعبر عليه كجسر ثم لا تلبث أن تلتهمه.

الصورة الباهتة التي تقدّمها الأعرابية مع العجز في ملء الحيز الحضاري الكبير الذي فتحته تحولات العالم الاجتماعية والاقتصادية والعلمية، شجّعت ثقافات إسلامية أكثر بهوتا وأكثر تواضعا على إيجاد مكان مناسب لها في المزاج العربيّ مثل التركية والباكستانية والإيرانية، وأن ينزع هؤلاء النجومية على حساب العرب الذين تعدّ القضية قضيتهم بامتياز، مما جعلنا ساحة مستباحة لثقافات هزيلة تحمل علم الدين، مع واجهة أعرابية يجري تقديمها كنموذج بين الحين والأخر أنيقة ملمعة، ويجري تلميعها وتحركها وسائل الإعلام التي تطرح الأعرابية بالثياب الأنيقة، أعرابية وإن ضاعت ملامحها الشكلية التقليدية لكنها طغت كنمط أعرابي صميم. حيث الذائقة معدومة من كثرة الألوان فهي بلا لون.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق