الخطّة الفلسفية للبحث عن السعادة عند الفارابي

موضوع السعادة موجود في آداب الأمم كلّها، ففيه تتكاثف وتتلاقى الآمال والطموحات الأكثر تنوعا، وفيه أيضا تُماحِكُ بعضها بعضا(أي الطموحات والآمال الأكثر كونية للإنسان). وقد ساهم العرب بنشاط بارز في صياغة هذه الإشكالية وفي تعميمها داخل إطار العالم المتوسطي، فقد أدّى نضج الوعي العربي في فترة الفارابي (القرن التاسع ميلادي) إلى مرحلة متقدّمة في اعتماد العقل، اتّسمت بمحاولات تجاوز الذات بعد أن تمت عملية تبيِئَةُ الموروث الفلسفي اليوناني، وتصريفه المناحي التي يقتضيها الواقع والأرضية الجديدة الناشئة، حتى أن العقل أصبح بإمكانه أن يُخضع السعادة- بما هي فكرة شائعة وعمومية الاستعمال- إلى تحرٍّ فلسفي حقيقي، لكي يحدّد بدقة طبيعتها وشروط التوصل إليها بشكل منهجي.

لذلك شكّل البحث عن السعادة، بما هي الغاية التي يفيدها أيّ ضرب من ضروب الاشتغال بالنظر، المقصد الأخير للفلسفة العربية الوسيطة. ولكن هذا التوجّه داخل الفلسفة، ورغم عدم تقديمه لدعائم متينة، فإنه قد نبّه بشكل جليّ لبروز مبحث “إيتيقي” استطاع لأوّل مرّة أن يسائل الفلسفة ذاتها عن مدى قدرتها على التكيّف، وبالتالي انفتاحها على إمكانات التفكير في مشاغلها الخاصة. وبهذا التحديد فإنّه من الحقيق القول إنّ الفلسفة العربية الوسيطة ممثّلة بالفارابي هنا، لم تفقد أهمّيتها المستمدّة من عمق الموضوعات التي طرحتها وطرافتها، بقدر ما يتعلق الأمر بفشل الدعامة الأنطولوجية وجهازها المفهومي القديم في استمرار تقديم التفسير الملائم أمام تقدم مطّرد للعلوم، وتغيّر في بنية مفهوم العالم نفسه.

وداخل هذا الانقطاع الحاصل في اعتماد السند الأنطولوجي، والتغير في تصوّر كوسمولوجي لم يعد التفكير ممكنا من خلاله، يمكن أن نعثر على سؤال ظل يلحّ في الطرح هو سؤال الإنسان نفسه؟ وهذا هو الإطار الذي سوف يحدد اتجاه التفكير في مسائل الفلسفة العربية الوسيطة، ليس بألفاظ صريحة يستخدمها الفارابي، وإنما باعتماد مفاهيم يُفترض أنه قد فكّر من خلالها.

{{1- التمييز بين “مبادئ التعليم”، و”مبادئ الوجود”:}}

يقوم البناء المفهومي لتصوّر الفارابي الأخلاقي على تعيين الأدوات التي تفيد الأمم والمدن في تحصيل سعادتها بنوعيها الدنيوي والأخروي، فالسعادة التي يشير إليها في مؤلفاته هي، في الوقت نفسه، طريقة ونمط في الحياة، تماما كما الفلسفة فهي تستوجب قطاعا نظريا وآخر عمليا. لذلك كان شغل الفارابي، في جانب كبير منه، عملا مفهوميّا بالدرجة الأولى يهدف من خلاله إلى بيان حدود الوصل والفصل بين هذين القطاعين، أي جانبي النظر والعمل في الإنسان. ومن ثم وردت الأسئلة المركزية الذي تخلّلت جلّ أطروحات الفارابي بصيغة علمية تطلب تعيين حدود بداية كل موضوع ونهايته.

ولهذا، يسعى الفارابي إلى ترتيب هذه المبادئ وتبويبها، وذلك من أجل تملّك الأدوات الضرورية في عملية حصر أصل الأشياء وعللها، فيقف عند برهاني الإنّية واللّمية من بين أربعة مبادئ للموجود كان أرسطو قد حدّدها.

إلا أنه يوجد فرق بين “مبادئ الوجود” و”مبادئ التعليم”، بما أنّ هذه الأخيرة تأتي بعد حصول الأولى بالذات. وفي هذا السياق، يقترح الفارابي الابتداء من الرياضيات(علم التعاليم الذي يشمل علوم الهندسة، والحساب، والهيئة، والموسيقى)، باعتبار أنها تُعنى بدراسة الكميات العددية(الأعداد والأعظام) والعلاقات فيما بينها، وكذلك الكميات الفراغية(المقادير والأشكال والأوضاع)، والصلات القائمة فيما بينها. وعن هذا التدرج في تنظيم حقول المعرفة العلمية، تنتج علوم أخرى مثل علم المناظر، وعلم الأجرام السماوية، وعلم الحيل (الميكانيك)…الخ.

إنّ تأكيد الفارابي على إتباع هذا المنهج، الذي يلتزم به الباحث من خلال برهاني الإنّية واللّمية، أمر لازم في مرحلة أولى من أجل التعامل مع الأمور التجريدية، التي لا صلة مباشرة لها بالمادة. ويستمر هذا التمشي التجريدي إلى حين بلوغ مرحلة تظهر فيها بشكل جليّ صور المبادئ الطبيعية الممتزجة مع المادة، فينتقل عندها الباحث إلى دراسة الأجسام الطبيعية بمختلف أجناسها، ويتدرج منها إلى الحيوان، فالإنسان، وهكذا إلى أن يصل إلى مرحلة العقل، فيبحث عندئذ في الغايات وفي المبادئ التي هي سبب وجود الحيوان الناطق، التي يدعوها الفارابي “مبادئ نطقية” خاصة بطلب الكمال الذي للإنسان.

لذلك، فإن البحث في مفهوم السعادة سوف يضعنا إزاء بعض الأسئلة التي تتطلّب الإجابة عنها، أولها يتعلّق بتداخل موضوعات الفلسفة على نحو ما رتبها أرسطو، وخاصة موضوعات الأخلاق والسياسة، أي مؤلفاته في “العلم المدني”، فإذا قارنا على سبيل المثال كتاب تحصيل السعادة ببعض الكتب الأخرى مثل فصول منتزعة أو كتاب الملّة أو آراء أهل المدينة الفاضلة، سوف نجد تشابها واضحا فيما يتعلق بالموضوعات المتناولة(1). وهذا الأمر يطرح مسألة مهمّة تتصل بتاريخ كتابة مؤلف مثل تحصيل السعادة مقارنة بالكتب الأخرى، لأنّ ذلك سيساعد في فهم فلسفة الفارابي وبيان الغاية من تكرار التعرض لبعض الموضوعات، كما أنه سوف يوضح أيهما أسبق زمنيا شروحه ومؤلفاته المنطقية أم كتاباته في الأخلاق والسياسة؟

وفي الحقيقة يعود الغموض المتعلّق بتبويب موضوعات فلسفة الفارابي إلى خاتمة كتاب تحصيل السعادة نفسه، إذ يقول الفارابي: “…ونحن نبتدئ أولا بذكر فلسفة أفلاطن ومراتب فلسفته ونبتدئ من أول أجزاء فلسفة أفلاطن، ثم نرتب شيئا فشيئا من فلسفته حتى نأتي على آخرها. ونفعل مثل ذلك في الفلسفة التي أعطاناها- أعطانا إياها – أرسطوطاليس فنبتدئ من أوّل أجزاء فلسفته. فتبيّن من ذلك أن غرضهما بما أعطياه غرض واحد، وأنهما إنّما التمس إعطاء فلسفة واحدة بعينها”(2).

إلا أن المتفحص لنصّ كتاب تحصيل السعادة لا يمكنه تقرير ما ذهبه بعض المستشرقين من أن الكتاب جزء من مؤلفات فارابية أخرى، وذلك لجملة الاعتبارات التالية:

أولا، نظرا لاختلاف المنهج المتبع في الكتاب عن بقية المؤلفات الأخرى بما هو منهج تعليميّ غرض الفارابي فيه تعليم طالب الفلسفة.
الاعتبار الثاني، يتعلق بمضمون النصّ نفسه حيث أنه يختلف عمّا ورد في كتاب الفلسفتين الذي يعتمد فيه المؤلف عرضا موجزا بمقدّمات فلسفة كل من أفلاطون وأرسطو، في حين يغلب على كتاب تحصيل السعادة تفصيل للقول في مبادئ وأسس فارابية مخصوصة(الإشارة هنا إلى التخطيط الرباعي المتعلق بتقسيم الفلسفة النظرية والعملية إلى فضائل نظرية، وفكرية، وخلقية، وصناعات عملية) لا ترتبط بالتخطيط الذي تبناه الفارابي عند عرض فلسفة أفلاطون وأرسطو في كتاب الفلسفتين.
واستنادا إلى ما سلف بيانه، يمكن التأكيد على أن كتاب تحصيل السعادة هو نصّ مستقل بذاته، وهو يقع في قلب مؤلفات الفارابي الأخلاقية والسياسية(3).

يعتمد الفارابي إذن، طريقة خاصة به في العرض الفلسفي تبرز بصفة جليّة في إتباعه لمنهج محكم التخطيط وتحديد مفهومي لا يجاريه فيهما أحد سواء ممن سبقه أو حتى من معاصريه. وضمن هذا السياق يمكن اعتبار كتاب تحصيل السعادة أداة ضرورية لمتعلّم الفلسفة، بما أنّه يطرح الطريق التي يتعيّن على الفرد سلوكها ضمن مجتمع مطلبه الأساسي تحصيل السعادة. ولكنّ تحصيل هذه الأداة لا يعتبره الفارابي كافيا، إذ ينبغي أن تتلوه عمليّة التنبيه إلى حصول ذلك الشيء، ولهذا كان كتاب التنبيه على سبيل السعادة هو الخطوة المنهجية التي تلي عملية التحصيل، إذ يشير التنبيه هنا إلى “الشيء الذي لا يحتاج إلى برهان زائد على ما تقدم عليه من إيضاحات، والمتقدم هنا هو تحصيل السعادة”(4).

وعلى هذا النحو، يكون كتاب تحصيل السعادة هو الخطوة الأولى في طريق صياغة البناء الأخلاقي والسياسي ضمن مشروع الفارابي الفلسفي، هذا البناء الذي يشكّل كتاب التنبيه على سبيل السعادة محطته الثانية. إذ يُفيد مصطلح “التنبيه”- مثلما مرّ- الشيء الذي لا يحتاج إلى برهان زائد على ما تقدّم عليه من إيضاحات، والمتقدّم هنا هو مصطلح “التحصيل”، حيث يقرّر الفارابي في كتاب التنبيه أنّ الكمال هو الغاية التي يطلبها الإنسان من وراء بحثه عن السعادة باعتبارها غاية في ذاتها ليس من بعدها غاية أخرى تكون ضمنها وسيلة لطلب شيء آخر.

ويرى الفارابي أنّ السعادة في جانبها العملي لا تخرج عن أن تكون ضربا من ثلاثة ضروب من الأفعال:

أولها، أفعال تحتاج إلى وجود فيزيولوجي يتجسد من خلال الاستعمال السليم لأعضاء جسم الإنسان (مثل الحركة، الحواس…الخ).
ثاني تلك الأفعال، تصدر عن آثار الفعل الفيزيولوجي في الوجود النفسي (كالغضب والفرح وغيرها).
أما الضرب الثالث من الأفعال، فيستند في وجوده إلى فعل التمييز الذهني عند الإنسان.

وتخضع جميع هذه الضروب من الأفعال، من زاوية نظر أخلاقية، إلى ما يدعوه الفارابي بـ”جودة التمييز أو رداءته”. لهذا يقوم صرح كتاب التنبيه على سبيل السعادة على بيان الطريقة الناجعة في اقتناء ملكة التمييز هذه. إذ يتعيّن على من أراد نيل السعادة أن تكون أفعاله قصدية، وأن يكون قد اكتسبها بصناعة مما يرسّخ لديه القدرة على التمييز في الأفعال التي يختارها، والتي ينبغي أن يكون مستعدّا لها. فتكون القوّة التي للإنسان في اقتناء الأفعال فطرية، في حين يكون التمييز فيها مكتسبا. وينقسم هذا التمييز إلى ضربين: أحدهما يخص التمييز نفسه الجيد منه والرديء، والآخر يتعلّق بالأفعال وعوارض النفس التي إمّا أن تكون جميلة أو قبيحة. وهذا ما يدعوه الفارابي بـ”الخُلق”، وتعريفه “أنه الذي تصدر به عن الإنسان الأفعال القبيحة والحسنة”(5) ، لذلك ينبغي على الذهن، حتى يديم فعل الجميل وجودته، أن يخضعهما إلى التمييز في كلّ شيء، بحيث “تصير لنا قوّة الذهن ملكة لا يمكن زوالها”(6). وحتى نصل إلى تحقيق هذه الغاية التي رسمها الفيلسوف، يتعيّن علينا أن نسلك سبيلين: أوّلهما الاعتياد، ومعناه “تكرير فعل الشيء الواحد مرارا كثيرة زمانا طويلا في أوقات متقاربة”. أما السبيل الثاني فيتعلّق بالوسيلة التي تستخدم في الوصول إلى الفعل الجميل، والتي هي “آلة الوسط” الأخلاقي(7) على نحو ما شرحها أرسطو في كتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس.

أمّا فيما يتصل بموضوع ذلك العلم الذي يُعنى بجودة التمييز في الأفعال الأخلاقية، فيقسّمه الفارابي إلى قسمين: صنف ينبغي أن يُعلم وليس شأنه أن يفعله إنسان في الوجود، وآخر شأنه أن يُعلم ويُفعل مع تضايف فيه بين الفعل والعمل، وداخل هذا الصنف الأخير يميز الفارابي بين ثلاثة ضروب من الأفعال: اللذيذ والنافع والجميل. وعليه، تنقسم الصنائع التي تنظر في ذلك بدورها إلى صنفين: صنف غايته تحصيل الجميل، وثانٍ مطلبه تحصيل النافع.

واستنادا إلى هذا التحديد، يقرّر الفارابي أنّ الصناعة التي مقصودها تحصيل الجميل هي وحدها التي تسمى الفلسفة أو الحكمة على الإطلاق، وهي تشتمل على علمين متباينين بحسب موضوع كلّ منهما:

علم مجرّد، وهو الفلسفة النظرية التي تدرس موضوعات التعاليم، والطبيعة، وما بعد الطبيعة.
علم وعمل، وهو الفلسفة العملية، والمدنية، والسياسية(8).

وإذا عدنا إلى كتاب تحصيل السعادة، فإنّ الفارابي لا يبدأ بشرح ماهية السعادة، أو بحث السُبل المفضية إليها، وإنّما بتعداد أربعة أشياء إنسانية: الفضائل النظرية، الفضائل الفكرية، الفضائل الأخلاقية، والصناعات العملية. إنّها أربعة أشياء، يُعتبر حضورها في الجماعة السياسية، أو في المدينة أو الأمّة المشار إليها، علامة على السعادة وعلى تملّكها من قبل المواطنين، وهي تبدو كذلك الشرط الذي إذا تحقق يمكن أن ينتج عنه ضربان من السعادة: السعادة الأرضية في الحياة الحاضرة، والسعادة القصوى في الحياة الأخرى، المستقبلية. وهذا ما يعلنه الفارابي دون أيّة برهنة في أولى صفحات كتابه. وعليه فإن النظام الذي وضعت ضمنه هذه الأشياء الإنسانية الأربعة، وكذلك تسمية الثلاثة الأولى بـ”فضائل”، والأخيرة بـ”صناعة” ليس هنالك من إشارة إلى ترتيبها أو للعلاقة القائمة فيما بينها(9).

إنّ التمييز بين سعادة أرضية حاضرة وأخرى مستقبلية مفارقة، لا يمكن أن يكون خاصية للجماعات الدينية أو للأديان الموحى إليها. ومن هنا فإنّ التعابير العربية المستخدمة من قبل الفارابي هي مصطلحات إسلامية، أو هي تعابير قرآنية كلاسيكية قد يكون أضفى عليها معنى أو مضمونا مختلفا عمّا كان معتمدا، ولكنه لا يقول ذلك صراحة. وعليه، فإنه لا يشير إلى “السعادة الأرضية” أو إلى “الحياة الحاضرة” ضمن ثلاثيته (التنبيه/الألفاظ/المقولات)، ولا في أية أعمال أخرى. ويمكن لنا تعليل ذلك بالاهتمام الذي يوليه الفارابي إلى تحصيل السعادة المثالية أو الآخرة، وإلى عنايته بالعالم المستقبلي، فبوصفه “مسلما حقيقيا” كان بحثه عن السعادة الأرضية أمرا ثانويا أو هو بالأحرى أداتيا (instrumental) لا غير. ذلك أنه من الضروري معرفة ما إذا كان امتلاك تلك الأشياء الإنسانية الأربعة هو شرط كاف من أجل بلوغ السعادة، وما إذا كان بإمكان الفرد أن يأمل في نيلها دون أدنى مثابرة(10).

إلا أن الفارابي يستهل بحثه هذا بعرض للفضائل النظرية، وبتذكير لعناصر النظرية الأرسطية في المعرفة العلمية، ذلك أن الهدف النهائي لهذه النظرية هو انقسامها إلى معرفة فطرية وأخرى مكتسبة، وانقسام هذه الأخيرة إلى اكتساب من خلال البحث، الاستدلال والتعلّم. وكذلك التمييز بين المسائل وبين النتائج، ووصف هذه الأخيرة من خلال ألفاظ يقينية يمكن أن تشكل إما اعتقادا أو علما. إن مسألة الأمم والمدن، وكذلك الناس بوصفهم مواطنين هي مسألة قد تم تجاهلها هنا، في حين أن معرفة الأشياء الموجودة نجدها حاضرة مسبقا، سواء كان ذلك ببحث أو باكتساب، عن طريق الإنسان بما هو فرد.

إنّ التمييز بين الرأي والعلم يطرح مسألة اختلاف الوسائل أو المناهج المؤدية إلى المعرفة، وعليه فإن هدف الفارابي المباشر هو وصف المعرفة اليقينية، وكذلك إبراز المنهج المؤدي إلى اليقين الحاصل على أن يتم تمييزه عن المناهج التي لا تؤدي إليه، وبالتالي أن تصف نماذج وأنماط المقدمات المميزة لكل منهج. وبنفس الدرجة التي تكلم فيها الفارابي عن المعرفة، فإن هذه المناهج ليست خاصة بأية أمة أو بأية مدينة، فهي مناهج يتوصل بفضلها الإنسان-بما هو كذلك-إلى ضروب مختلفة من اليقين.

وبالرغم من ذلك فإن الفارابي لا يلتزم بوصف المنهج المؤدي إلى اليقين، وإنما هو يلتزم بما يبدو أنه حاجة ملحّة إلى فهم الاختلافات بين هذه المناهج، وبضرورة المعرفة اليقينية لخاصية كل منها، وكذلك بأن الفكرة التي تبدو معرفة هي شرط لازم للبحث في ما هو موجود، وأيضا للتمييز بين النتائج اليقينية وبين ما هي ليست كذلك. وطوال هذا التحديد يستخدم الفارابي حصرا تعبير “نحن” بدل “الإنسان” عموما(11). وإذا أخذنا الضمير “نحن”، فلا نجده يحمل في ذاته أية إشارة إلى أنه يعني شيئا آخر غير “الكائنات الإنسانية”، بما أن عدم الوضوح في الاختلافات الدقيقة بين المناهج هو ضرر يتقاسمه جميع الناس.

يستفيد الفارابي عموما ممّا يحتويه بناء الجملة الفعلية العربية حتى يترك الضمير أو الفاعل متضمنا أو متخفيا في الفعل. ولكن في النصوص التي نعتمدها كمرجع هنا، يبدّد الفارابي كل غموض فيما يتعلق بالضميرين “أنتم”، و”أنت”(12).

يبدأ القسم الأوّل بالتأكيد على أنّ المطلوب في كلّ مسألة هو “الحقيقة اليقينية”، ولكنّ الفارابي يستدرك مباشرة بأننا في معظم الحالات لا نصل إلى اليقين. وحينئذ فقد يحدث أن:

نصل إلى اليقين في جزء من المسألة، وإلى الظن في ما تبقى منها.
نتخيل ونتوهم شيئا ما يتصل بموضوع اليقين.
نبتعد عن اليقين مع اعتقادنا ببلوغه.
نظل متشككين في موضوعه.

وفي الجزء الثاني من هذا القسم، يقترح الفارابي شرح أسباب هذا الموقف. فمن دون شك هل أننا اعتمدنا مناهج متنوعة، ومثلما أننا نعتبر أن هذه النتائج كافية، على الأقل في حالة واحدة، فإننا نأمل في اعتقاد غير صادق، إذ أننا نصبح جاهلين بفعل اختلاف هذه المناهج أو بفعل الطريقة التي تختلف وفقها. إلا أننا نعتقد في أنه لا يوجد سوى منهج واحد وأنه هو ما نعتمده. ويستند الفارابي إلى مثال لكي يشير إلى أنه بإمكاننا أن ننقاد إلى تتبع مناهج مختلفة لمسائل مختلفة: ففي مسألة ما يمكن أن نعتمد منهجا يؤدي إلى اليقين، وفي مسألة أخرى يمكن أن نعتمد منهجا ينتج نسخة عن الحقيقة، أو آخر يؤدي إلى الاعتقاد. وهنا أيضا فنحن لسنا على علم بالاختلافات بين هذه المناهج الثلاثة، إذ أننا نعتقد في أنه لا يوجد سوى منهج واحد. وعليه فالمراد بحثه، حسب الفارابي، هو الحقيقة اليقينية، وهذا الاعتقاد في منهج واحد يعني أننا نرى فيه أنه الوحيد الذي يؤدي إلى الحقيقة اليقينية. وبحكم أننا لسنا على علم بتنوع المناهج، فهذا يعني أننا لسنا على علم كذلك بمختلف ضروب اليقين أو بمختلف أنواع حالات النفس التي توافقه. إذ أن الاختلاف بين الحقيقة، الاعتقاد والنسخة قد يفلت عنا، مثله مثل الاختلاف بين اليقين، الإقناع، التخيل، الظلال والتشكك. فالمثال الذي أورده الفارابي لا يتعلق بحالتي النفس الأخيرتين، وإنما هو يهتم خاصة إلى فعل أننا نجهل الاختلاف بين التخيّل- التصوّر والإقناع- الاعتقاد، من جهة واليقين- الحقيقة من جهة ثانية. وينتهي الفارابي إلى التأكيد على أنه بهذه الطريقة فقط يمكننا رؤية أين تقع الأشياء، في أغلب الحالات بالنسبة لنا، وكذلك التخصيص بأنه وفق هذه الطريقة فقط يبدو الشيء بالنسبة للأغلبية الساحقة من أولئك الذين يتساءلون حول المواضيع التأملية التي نلاحظها من حولنا.

لذلك، يبدأ القسم الثاني من كتاب تحصيل السعادة، بطلب موجه إلى المجموعة التي أُهدي الكتاب إليها. إذ ليسوا هم الأمم أو المدن، ولا الإنسان عموما أو مجموعة بعينها. إنّ من يتّجه إليه الكتاب هو الضمير “أنت” مرفقا بصيغة الأمر لفحص الوضع المتكرّر بيننا وسببه، ومن ثم الوصول إلى النتيجة البديهية القاضية أنه-على خلاف البقية من بيننا والذين يبحثون في هذه المسائل حتى يصلون إلى يقينيات هجينة- فنحن لا يمكن إلا أن نتخلى عن طرائقهم، ونأخذ بالاعتبار ثلاثة أفعال تفلت عنهم:

إنّ كل هذه المناهج هي مناهج تقنية، بمعنى أنها ليست طبيعية بالنسبة لنا، أو هي من وحي، ووضع الشريعة.
نحن بحاجة إلى علم يمكننا من تكرار الاختلافات الخصوصية بين هذه المناهج.
إنّ استعدادنا الطبيعي للعلم غير كاف لوحده في إدراك الاختلافات. وبالتالي فإننا فضلا عن ذلك بحاجة إلى فنّ أو صناعة خاصة تطوّر هذه الحاجة وتنبّهنا إلى الاختلافات موضع التساؤل. وبفضل هذا الفنّ يمكننا “بلوغ اليقين” حول هذه المقدّمات الأوّل، كما حوّل انتظامها الذي قد يؤدّي إلى “الحقّ-اليقين”، أو إلى “اليقين ببعضه”، أو إلى “الظنّ”، أو إلى “التخيّل”(13).

{{2- تعيين العلم المعنيّ بتدبّر السعادة:}}

استمرّ الفارابي في التأكيد على أننا لا يمكن أن نمضي قُدما إلا بعد أن نحصّل هذه المعرفة(الحقيقة اليقينية). إذ يستبدل “علم الموجودات” بـ”عرض المسائل”، الذي تمّت الإشارة إليه في بداية القسم من الكتّاب. ولكننا الآن نحن مستعدّون لملاحظة “علم الموجودات” تحت كل سماته، لأننا نعلم ماهية كل من هذه الموجودات، كما أننا نمتلك ملكة التمييز بين مختلف أصناف النتائج التي نصل إليها واليقينيات التي نحصلها، وأخيرا بإمكاننا أن نجرّب ما تعلّمناه من الآخر والذي نعلمه نحن أنفسنا له(14).

إذا كان القارئ يتبع عرض المنطق وعلوم الأشياء الموجودة (الرياضيات، الفيزياء، العلم الإلهي، والعلم الإنساني أو السياسي) آخذا بالاعتبار التمييز الأخير، فهو يلاحظ في كل مرحلة يقطع فيها الفارابي تقدم “الباحث” المجهول لكي يتكلّم عن الـ”نحن”، فإنّ المحور هو نفسه: التمييز بين الأشياء مثلما هي معلومة من قبلنا نحن، والأشياء مثلما هي معلومة بالطبيعة. يطوّر الفارابي إذن، الاستتباعات المنطقية لهذا التمييز، حيث يتجسّد المعطى الكلاسيكي في درس أرسطو التمهيدي في كتاب الطبيعة، مباشرة بعد استنتاج المقطع الذي تمّ تحليله. إذ يبدو واضحا في هذا العرض أن “الحقيقة اليقينية” و”السبيل المؤدية إليها” هي ألفاظ ملتبسة، وأنّ الابتداء بمعارف أولية هو الشرط الضروري، ولكن غير الكافي، من أجل تحقيق الهدف الأقصى للعلم النظري.

وتحصل هذه النتيجة عن التمييز بين “مبادئ التعليم”، و”مبادئ الوجود”، وهو تمييز يصل إلى حدّ أبعد من الاختلاف الشكلي بين مختلف المناهج المنطقية. وفي تعليقه المقتضب على التحليلات الثانية(البرهان)، يُبرز الفارابي هذا التمييز من خلال المثال التالي: نحن نلاحظ النمو التدريجي لضوء القمر باعتبار أنه يمرّ من طور النمو إلى شكله التام. ويستدلّ لدينا أنّ القمر دائريّ، بما أنّ تصاعد ضوء القمر هو سبب معرفتنا أنه دائريّ. وعليه، فإنّ الشكل الدائريّ للقمر هو السبب في التصاعد التدريجيّ للضوء(15). وهذا ما يريد الفارابي التدليل عليه بقوله إنّ “مبادئ التعليم” هي سبب معرفتنا بـ”مبادئ الوجود”، وبالتالي فإنّ مبادئ الوجود هي سبب وجود ما يحصل لنا من استعمالها كمبادئ للتعليم. وعلى هذا النحو، ألا يختلف منهجنا العلمي بفعل اعتماد أنّ “مبادئ التعليم” التي نستخدمها يمكن أن تكون مختلفة عن “مبادئ الوجود”. ففي حالة وجود واحد، فإنه يكون لنا عن المبدأ الأوّل أو الله فقط مبادئ معرفتنا. ونواصل التقدم من الأفعال المعلومة لدينا إلى الأسباب أو المبادئ التي لا نعلمها، إذ أنه فقط عندما نصل إلى معرفة هذه المبادئ انطلاقا مما هو واضح بالنسبة لنا، يمكن أن نشرع حينئذ في شرح تأثيرات هذه المبادئ الخفيّة عنّا. ويمكن القول إنّ هذه المسائل لا تطرح في الرياضيات، باعتبار أن”مبادئ التعليم” تتماهى مع “مبادئ الوجود”، حيث تكون البراهين الرياضية صورية محضة(16). وفي هذا المعنى تحديدا يكون البحث في الأعداد والأبعاد”أكثر سهولة” وأقلّ إمكانية لإحداث “التشكيك والخلط”، ومن ثمّة اختلاف الرأي فيما يتعلّق بميزة منهجه ويقين برهانه. أما عندما يتناول الفارابي العلوم الرياضية، فإنه لا يستخدم الـ”نحن” مطلقا. وعلى العكس من ذلك، ففي العلم الطبيعي تكون “مبادئ التعليم” بالنسبة للأغلبية مختلفة وتابعة لمبادئ الوجود، وهنا يستند الفارابي أيضا إلى أولئك الذين هم من بيننا، أي أولئك الذين يصعدون من “مبادئ التعليم” إلى “مبادئ الوجود”، والذين هم في الأصل مجهولون لدينا.

حينئذ، لا يمكن إلا أن نفاجأ من ملاحظة أن الفارابي، في وصفه تقدّم الباحث في جزء العلم الطبيعي الذي يتناول الإنسان، كماله واجتماعيته، في العلم الإلهي، وفي العلم الإنساني أو السياسي، لا يستند مطلقا إلى الـ”نحن”. كثيرا ما يشير الفارابي إلى “الباحث”، وبدل أن تُعطى له “البراهين”، فإن نتائج هذه المسائل “هي التي تصبح بديهية له”. لذلك يجدر بنا، في هذه المرحلة، تسجيل الملاحظات التالية:

تأتي العودة الأخيرة إلى الـ”نحن” في آخر العلم الطبيعي في معناه الدقيق، وخاصة مع البحث في الأجسام، والأشياء المتصلة بها.
إنّ البحث في مبادئ وجود الأجسام السماوية، وفي العقل الإنساني يمكناننا من التعرّف على أن هذه المبادئ “ليست طبيعة أو كائنات طبيعية(…)، ولا هي أجسام أو هي في أجسام”.
إنّ البحث في الكائنات الميتافيزيقية أو الإلهية يبدأ بمبادئ التعليم، وبعد ذلك يتعرّف الباحث أنه لا أحد من هذه الموجودات مالك لسبب مادي، وأخيرا ينتهي به بحثه في أسبابها إلى الوجود الذي ليس له لا سبب ولا مبدأ للوجود. وبالتالي، فإنّ الهدف الأقصى للعلم الإلهي، الذي هو معرفة هذا الوجود، هو رهن معرفة أنّ هذا الوجود يوجد، وهو لا يحمل أية معرفة بمبادئ وجوده.
أما فيما يتعلّق بالبحث حول الإنسان، فينتهي كذلك إلى التعرف على أن “المبادئ الطبيعية” غير كافية. ومثلما أنها تفحص النفس والعقل، فهي تتعرف إلى أن مبادئها تكمن في الـ”غايات”، وفي الـ”كمالات الأخيرة” للإنسان، والتي لا تفعل بعدُ كأسباب طبيعية بما أنها تشكل غايات ينبغي على الإنسان أن يعملها باستخدام المبادئ العقلية التي له(17).
وحينما يأخذ الباحث بمعرفة هذا الكمال، يستطيع عندها أن يعلم هدف الفضيلة الفكرية(délibération)، الأفعال الأخلاقية والصناعات العملية التي للإنسان، وهذه المعرفة تجعله قادرا على التمييز بين من يستخدمون كمال الإنسان، وبين من لا يستخدمونه، أو الذين يضعون عائقا دونه. وبخلاف البحث في الأجسام وفي الأشياء الجسمية، فإن البحث النظري حول الإنسان لا يؤدي إلى معرفة أسباب أو أسس شيء موجود، وإنما فقط إلى “الكمال الذي يتعين على الإنسان بلوغه”. على أنه في الأشياء الطبيعية المحض، فإن البحث- بوصفه جزء من التعليم- يمكن أن يؤدي إلى اليقين حول وجودها وخاصة حول أسس وجودها، ذلك أنه في العلم الإلهي تكون مبادئ التعليم من البداهة بمكان بالنسبة للباحث أن يوجد مبدأ أقصى، وأنه ينبغي عليه أن يكون تاما دونما وصف، أما في العلم الإنساني أو السياسي فإنّ “مبادئ التعليم” تمكنه(أي الباحث) من تصوّر ما هو الكمال أو الغاية الإنسانية وكيفية وجودها.

وفي نهاية وصفه للعلم النظري، يتّجه الفارابي مرّة أخرى إلى مُخاطبه ليقول: “هذا هو الكمال النظري، وهو كما تراه، يشتمل على علم الأجناس الأربعة التي بها تحصل السعادة القصوى لأهل المدن والأمم “(18).

إنّ فعل “رأى” الذي اشتق منه اللفظ التقني “رأي”، هو الذي يعطي بدوره للفعل معنى “تشكيل فكرة”. فالفارابي لا ينتظر حتى يتمكّن مخاطبه، الذي طلب منه التفكير في تداخل المناهج بيننا واختلاطها، من أن يتوصل إلى إمكانية الحصول على “الحقيقة اليقينية” أو “معرفة” الكمال النظري. ولكنه يعتقد الآن في قدرته على تشكيل رأي محتمل حول ما هو متضمن في الكمال النظري، أو حول نمط المعرفة الذي يشكله. إنّ قدرته على تشكيل رأي ما تفترض على الأرجح القدرة على تصوّر ضرورة تمييز طابع المناهج المختلفة، وامتلاك المنهج المؤدي الحقيقة اليقينية وأن يلتحق بأولئك المناطقة الذين هم من بيننا. ولكنها تفترض كذلك أن الفرصة قد أصبحت مؤاتية لملاحظة طريقة عمل “المناطقة” للوصول إلى معرفة الأشياء مثلما هي في الواقع(19).

لا يقحم الفارابي مخاطبه في العلوم النظرية، وإنما هو يقوده من خلالها بغرض أن يبين له كيفية عملها، وهو يساعده في أن يصنع اليقين لنفسه بأن الكمال النظري يتمثل فقط فيما يمكن أن يكون معلوما في هذه العلوم النظرية ومن خلالها. وبصرف النظر عن قياس رد فعل المخاطب في استقلال عن خطاب الفارابي، لا يمكن إلا أن نعبر عن التعجب إزاء استتباعات المسألة التالية، لأن مجرد طرحها فقط يشير إلى أيّ مدى قد نجح مشروع الفارابي: “وهو كما تراه يشتمل على علم الأجناس الأربعة التي بها تحصل السعادة القصوى لأهل المدن والأمم. والذي يبقى بعد هذه أن تحصل هذه الأربعة بالفعل موجودة في الأمم والمدن على ما أعطتها الأمور النظرية”(20).

إنّ المخاطب هنا لا يبدو معترضا على تعريف الكمال النظري أو ادعائه بأن يكون معرفة كل الأشياء الضرورية لكي يبلغ السعادة. على العكس من ذلك فهو مستعدّ لفهم مسألة-مع العلم أن المخاطبين مستعدين لفحص المشكل-ما إذا كان الكمال النظري في ذاته يتضمن كل ما هو ضروري لبلوغ السعادة، وما إذا كان، بالإضافة إلى المعرفة، يوفّر ما هو ضروري للحصول على السعادة في الواقع الحالي بين المواطنين، وداخل المجموعات السياسية.

وقبل الشروع في وصف المنهج اليقيني، ومختلف العلوم النظرية، ينبّه الفارابي المخاطب إلينا “نحن المسلمين”، وإلى الخلط الذي تحتويه المناهج المتداولة بيننا. وذلك باعتماد مسائل أكثر تجذّرا مثل طبيعة الكمال، والسعادة القصوى، والطريقة التي تحققت وفقها- فهو يجهل ما نعتقده “نحن المسلمين” بشأنها أو كيف نعتقد أنه ينبغي عليها أن تتحقق. يمكن تفسير صمت الفارابي في جزء منه، لأننا لا نميز المناهج الواحدة عن الأخرى، فلا يمكن أن نميز اليقين عن الإقناع أو عن التخيل، كما لا يمكن أن نقرر أيّا منهما هو معرفة الحقيقة والآخر هو رأي أو صورة. وبالتالي فإنه فقط “نحن المسلمين”، أي المناطقة وعلماء الطبيعة من يعرف ما هو العلم ومن يمكن له تحديد فيما يتمثّل”الكمال النظري”. بما أنّ المعرفة النظرية التي تتعلّق بالإنسان تتضمّن معرفة كماله وسعادته، ونحن فقط المؤهّلون للحكم فيما تتمثّل هذه الأخيرة تحديدا.

وعليه، فنحن لا نعلم ، على الأقل فيما يلائم بحث ما، إذا كان الكمال النظري كافيا لتحصيل السعادة أو أنه محتاج لشيء آخر. وقبل أن نرى تصوّر الدين من قبل الفارابي، يكون من السابق لأوانه التساؤل حول الهدف الضمني المخصص لنا “نحن المناطقة وعلماء الطبيعة”. ذلك أن العامّة من غير المناطقة أو علماء الطبيعة سوف يعترضون حتما على هذا الهدف ويقترحون أنّ المعرفة الأفضل لسعادة الإنسان، وبالخصوص سعادته “القصوى” هي تلك التي توجد في شريعة، وأنّ الشريعة تحديدا هي التي تشير إلى الطريق المؤدية إلى تحصيل السعادة(21).

المسألة إذن هامة بالنسبة لنا “نحن المسلمين”، ولكن حتى تكون متعلّقة بنا، ينبغي أن نعيد صياغتها على النحو التالي: هل يتوفّر هذا الكمال النظريّ على كل ما هو ضروريّ لتحصيل السعادة القصوى؟

إذا كانت الإجابة بالإيجاب، فهذا سوف يقود لا محالة إلى التساؤل حول نجاعة الدين والشريعة الإلهية، بصرف النظر عن الحثّ على تحصيل هذا الكمال النظري. إلا أنه إذا كان الكمال النظري، يوفّر فقط معرفة السعادة القصوى والطريق المؤدية إليها، فسوف يكون من الضروري أيضا العودة إلى شيء آخر يؤدّي إلى الوجود الحالي لما هو معلوم نظريا، وهذا ما قد يشكّل وظيفة الدين والشريعة الإلهية.

من هنا يمكن اعتبار أنّ هذا الموقف الأخير، الذي تتمثّل وظيفة الدين والشريعة وفقه في إيجاد ما توصل عقل الإنسان غير المستفاد إلى معرفته في العلم النظري، هو اقتباس خاص بالفلاسفة العرب، وبالفارابي تحديدا. ومما يزيد التعجّب، في هذا السياق، أنّ الفارابي يرفض أخذ موقف حول مسألة الدين خاصة وأنّ مخاطبه لا يتردّد في أن يقبل إجابته: إنّ الكمال النظري لا يكفي في تحيين السعادة في المدن والأمم، إذ يجب فضلا عن ذلك حصول شيء ما مثل الحكمة، أكثر من حصول الدين أو الشريعة(22).

يبدي المخاطب هنا تسرّعا غير مرتقب في قبول هذه الإجابة، إذ من الممكن حينئذ، أنه أساء تقدير ذلك منذ البداية. وهذا ما يقترحه الفارابي حينما يذكّر مخاطبه بالجملة الأولى التي تؤكّد أنّ ضربا من ضروب السعادة يمكن أن يحصّله أهل المدن والأمم شرط أن يكونوا مالكين للأشياء الإنسانية الأربعة(23).

بقي لنا الآن أن نرى ما إذا كانت المعرفة بماهية هذه الأشياء الأربعة مماثلة لتملّكها أو لتحقيقها من قبل أهل المدن والمجموعات السياسية؟

أن نجيب بالسلب فذلك يعني إثبات معطى الفارابي الأصلي، الذي يفترض أن تحصيل السعادة يعني التملك الملائم للأشياء الأربعة، وليس الفضيلة النظرية وحدها، ويُبيّن التحليل الحالي لماذا، إضافة إلى الفضيلة النظرية، تكون الفضيلة الفكرية أو فضيلة الحكمة ضرورية. فالمشكل الذي يبدو ذا أهمية فورية بالنسبة للمخاطب ليس معرفة ما إذا كنا بحاجة لمساعدة إلهية، إضافة إلى الأشياء الإنسانية الأربعة، ولكن ما إذا كنا بحاجة لفضيلة أو لصناعة إنسانية إضافية بجانب الفضيلة النظرية وكمالها، وبفعل أن الفارابي يخصص نصف كتاب تحصيل السعادة تقريبا لبيان أنّ حاجة ما توجد، فهذا يكشف عن أهمية هذه المسألة إلى جانب المعرفة المنقوصة للمخاطب في الموادّ العملية(24).

ومرة أخرى يوجّه الفارابي حججه إلى المخاطب، إلى المنطقيّ، وإلى عالم الطبيعة. إذ يشير في بداية القسم الثاني إلى أنّ المواضيع التي تمّ فحصها لا تنتمي إلى الطبيعيات، وإنما هي تبرز فقط عندما نلاحظ التمايزات بينها وبين الموجودات الطبيعية. ذلك أنّ الكائنات الطبيعية المخصوصة محدثة وهي تتقبل صفاتها طبيعيا، في حين أنّ الفضائل والصنائع تتحقّق من خلال النشاط والإرادة. لقد لجأ الفارابي إلى الكائنات الطبيعية حتى يشرح ويجعل بديهيا لمخاطبه بعض المسائل المرتبطة بتحقيق الأشياء المتصلة بالإرادة، وحتى يبين أن هذه تشكل طبقة في ذاتها.

إنّ الصعوبة التي تواجهه في توجيه مخاطبه تُدرك دون شكّ في صياغة الجملتين من هذا القسم حيث تتعيّن الـ”نحن”. فـ”العفّة واليسار هي معان معقولة وإرادية، وإذا أردنا أن نوجدها بالفعل”(25)، ينبغي علينا معرفة كيف تتغيّر صفاتها بفعل الزمان، المكان…الخ.

ولكن في حالة المعطيات الإرادية، فإنّ العارف نفسه مدفوع بهذه الوظيفة، والمعرفة وحدها لا تجعله قادرا على تحقيقها بأفضل وجه. وبالإضافة إلى ذلك فإنّه لا وجود لرابط ضروريّ بين معرفة ألفاظ المعقولة للاعتدال والغنى، والنشاط الموجب لإيجاد هذه الألفاظ الآن.يختلف النشاط بحسب شرط إضافي: الرغبة وتقرير تحقيقها. تشير الواصلة “إذا” التي يستعملها الفارابي في الحالتين إلى شرط غير حاضر ضرورة عند من يمتلك العلم النظري. وبالإضافة إلى ذلك فقد كفّ الفارابي عن الحديث عن الـ”نحن” في القسم الأوّل في العلم الإلهيّ، وفي العلم الإنسانيّ أو السياسيّ، ونبدأ على هذا النحو في الشكّ أنّ غياب الرغبة والقرار المشار إليه هنا يثير الدراسة النظرية للأشياء الإلهية والإنسانية بما هي متميّزة عن المنطق وعن علم الطبيعة، حيث يكون الأساس المشترك المثار من قبل الاستناد المتكرر إلى الـ”نحن” أكثر بروزا. وعليه، فإنّ غياب إرادة تعيين الألفاظ المعقولة إراديا في المدن والأمم يثير بطريقة ما لدى المخاطب فهمه النظري لها، أو أنها تنتج نقصا في التحمّس نحو الأشياء الإلهية والإنسانية بما هي متميزة عن المنطق وعن علم الطبيعة.

ومهما يكن من أمر، فالمخاطب مقصيّ من القسم الثالث.إذ أنّ محور هذا القسم ليس الدليل الذي وفقه يتعين على واضع الفضيلة النظرية أن يمتلك أيضا الفضائل الفكرية والأخلاقية العليا والصناعة العملية، بمعنى أن يصبح ملكا حقيقيا. فهي تصف قبل كل شيء ما ينبغي على ملك حصّل هذه الفضائل أن يفهمه ويفعله. وبما أنه قادر على تعيين الفضائل والصنائع المخصوصة في المدن والأمم، يشرح الفارابي كيف ينبغي عليه أن يعلم ويشكل ميزة هذه الموضوعات، أن يقنع، ويخضع، ويشرع، وينظمّ طبقات لواحقها ويقود المدن والأمم، وكلّ مجموعة وفرد نحو السعادة القصوى التي هم مهيّئون لها طبيعيا. إنّ العلاقة بين هذا الوصف وبين المخاطب تبدو واضحة. إذ يعود له تقرير ما إذا أنه يريد أن يصبح ملكا. فإذا قرر أن يصير ووصل إلى ذلك، فإن ذلك هو مكافأته. وإلا فسوف يتم إقصاؤه من السلطة ومن النصر المطلق، والفارابي قد أقصاه بصفة رمزية بفعل أنه لم يتوجه له ولم يجعله منتميا إلى أولئك “الملائكة”، الذين يمتلكون سلطة مراقبة التعليم والبحث حول العلوم النظرية(26).

ولكن بعد فحص مسألة معرفة ما إذا كان العلم النظري وحده كافيا لتحقيق هذه الأشياء الأربعة، استنتج الفارابي ضرورة وجود أربعة أنماط من العلم، وليس نمطا واحدا:

العلوم النظرية التي تجعل الأشياء التي توجد معقولة من خلال براهين يقينية.
العلوم الخطابية التي تُبرز نفس هذه المعقولات بواسطة الإقناع.
العلوم الشعرية التي تُوفر تصوّرات(مثالات) هذه المعقولات من خلال الإقناع.
العلوم المستفادة لكلّ أمّة من الثلاث الأولى(27).

والفارابي لا يتوقف في هذا القسم من تكرار أن النمط الأول هو الأعلى. ولكن قصده هو إقناع المخاطب باعتماد أن العلوم الثلاثة الأخرى هي ضرورية وناجعة، وأنّ هذه العلوم ينبغي أن تستعمل لتحقيق هدف العلم النظري الذي هو السعادة القصوى للإنسان. فالمخاطب ليس بحاجة مطلقا لأن يكون مقتنعا بتفوق العلم النظري. وقد حاول الفارابي في القسم الثاني البرهنة على أن هذه العلوم النظرية ليست كافية في ذاتها لتحقيق السعادة القصوى، ومن دون التحيّر لمعرف ما إذا كان المخاطب يريد أو يستطيع إتباع البرهنة، فقد عرض بالتفصيل، في القسم الثالث، نشاطات الملك الذي يعلم المواطنين ويُكوِّن ميزاتهم مع قبولهم أو أن يجبرهم. في البداية طلب من المخاطب اعتماد أن أشياء أخرى هي ضرورية إضافة إلى العلم النظري. وقد طلب منه الآن اعتماد أن أصناف أخرى من العلم هي ضرورية إضافة إلى العلم النظري.

في هذا القسم، يُعرض الطابع الإشكالي للأسماء وفق الطريقة التالية: يبرّر الفارابي وجود العلوم الأخرى بفعل أنها ضرورية في تربية العامّة. إذ يتأسّس التمييز بين العامّة والخاصّة على التمييز بين الرأي المشترك والمعرفة. ولكن في الاستعمال العمومي، فإنّ ألفاظا مثل “عامّة” و”خاصة” لا تشمل على أولئك الذين يقبلون الآراء المشتركة، ولا على من يبحثون عن المعرفة، فإنّ هذه الكلمات لم تستخدم بناء على قاعدة المعرفة وإنما الاعتقاد، فالناس المهرة في بعض الصناعات يقولون إنّهم ينتمون إلى الخاصة وأن الآخرين ينتمون إلى العامة، لأنهم يعتقدون أنهم يمتلكون هم أنفسهم المعرفة وأنّ الآخرين “يقتصرون على بادئ الرأي المشترك”(28). والفارابي هنا لا يدخل هذا الاستعمال المشترك والغير محدّد لكي يبعد الشكّ حول التمييز الحقيقي بين العامّ والخاص، وإنما لكي يجابههما. إنّ الاستعمال العمومي المؤسس على ما يفكر فيه الناس ويعتقدونه، يعكس المعاني الحقيقية لهذه الكلمات. فالتمييز بين العامي والخاص يعرف بصورة أفضل، ليس من قبل ممتهني الصناعات الذي يظلّون حبيسي اعتقادهم الخاص، وإنما من قبل ممارسي العلوم، وخاصة من بين أولئك المالكين للعلم الأسمى الذي لا يستند للرأي المعتمد عموما.

والنتيجة التي تفرض نفسها هنا، هي التالية: أنّ الفارابي ليس مجدّدا. فالمجدّدون هم أولئك الذين يحصرون معنى العلم في العلم النظري وحده. ومهما تكن فوائد هذا الحصر، فهي تقطع مع المعنى الأصلي للحكمة وللفلسفة. وبالنظر إلى هذا الأفق الأصليّ والأكثر اتّساعا، فإنّ البحث في العلم النظري وحده لا يشكّل بحثا عن الحكمة الأسمى، والفلسفة التي قد نحصل عليها هنا لا يمكن إلا أن تكون “فلسفة بتراء”، ويكون بالتالي صاحبها “فيلسوف زور”(29).

{{الهوامش والمراجع:}}

- يعتبر كتاب تحصيل السعادة عملا منهجيا، يبيّن فيه الفارابي السبيل المنهجية التي يتعين على “الأمم وأهل المدن” اتخاذها حتى يكون بمقدورهم تحصيل تلك الأشياء الإنسانية الأربعة(وهي: الفضائل النظرية، والفضائل الفكرية، والفضائل والخلقية، والصناعات العملية)، التي ستمكنهم من دفع الظلم عن المدن، وبناء سياستهم العادلة. راجع هنا: الفارابي، تحصيل السعادة، تحقيق جعفر آل ياسين، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1983، ص49.

1- درج بعض المستشرقين مثل ليو شتراوس وفرانتز روزنتال وريتشارد فالتزر على اعتبار كتاب تحصيل السعادة جزء من كتاب آخر يتناول مسائل فلسفات كل من أفلاطون وأرسطو، وهذا الكتاب سمّاه صاعد الأندلسي في كتابه طبقات الأمم “في أغراض فلسفة أفلاطون وأرسطوطاليس”، كما دعاه ابن أبي أصيبعة في مؤلفه عيون الأنباء في طبقات الأطباء “كتاب الفلسفتين لأفلاطون وأرسطوطاليس”. وهذا ما دفع بمحسن مهدي إلى اعتماد نفس الترتيب. انظر في هذا الصدد:

Mahdi(M), La cité vertueuse d’Al-Farabi: La fondation de la philosophie politique en Islam, Albin Michel, 2000, p.265.

2 -الفارابي، تحصيل السعادة، مصدر مذكور، ص97.

3- راجع في هذا الصدد: مقدمة رسالة التنبيه على سبيل السعادة، تحقيق سحبان خليفات، منشورات الجامعة الأردنية، عمّان، 1987.، ص45.

4-جعفر آل ياسين، أعمال الفارابي الفلسفية (المقدمة)، دار المناهل، بيروت، 1992، ص26.

5- الفارابي، رسالة التنبيه على سبيل السعادة، مصدر مذكور، صص190-191.

6- نفسه، ص189.

7- نفسه، ص211.

8- نفسه، صص224-225.

9- انظر: الفارابي، تحصيل السعادة، مصدر مذكور، ص49.

10- إنّ “فيلسوف المسلمين”، كما جرت دعوة الفارابي بذلك، لم يتمكن من تجاهل ما اعتبره أغلب المسلمين الشرط الأساسي لتحصيل السعادة القصوى، أي حضور بعض الأفضلية القدسية عند الأمم: معرفة الأشياء الإلهية، العناية، الفضائل الأخلاقية والصناعات الإلهية، والتي لا يمكن تحققها إلا بفضل اختيار إلهي، ووحي، وإتباع القوانين الإلهية وأنموذج النبي. راجع في هذا الصدد: غوماز نوغالس، سلفادور، »الاستيعاب الأصيل للسياسة عند الفارابي«، في: “كراسات تونسية”، عدد103-104/1978، ص140.

11- ولكن من هم هؤلاء “النحن”؟ إنّ كل المناهج التي يستخدمها الفارابي، والتي يشير إليها في هذا القسم إنما تستمد معناها التقني من صناعة المنطق. وحينئذ فإن الحاجة إلى معرفة تقنية لهذه الموضوعات، حتى ولو أنها موضوع فن خاص، ليست مفترضة ضمن هذا القسم، بل على العكس من ذلك، فنحن نعي الحاجة إلى معرفة تقنية مماثلة فقط حينما نفكر في نتائج غيابها. يمكننا إذن، أن نصف الألفاظ التي استخدمها الفارابي بأنها ألفاظ قبـ-تقنية(pré-technique). وبالتالي فإن جل الألفاظ التي يستخدمها الفارابي، والتي تطبق على المناهج وعلى نتائجها، هي ألفاظ قرآنية. ومن بين هذه الألفاظ نجد”الحق اليقين”و”الضلال”اللذان يشيران على التوالي إلى الوحي الإسلامي وإلى الجهل به. حينئذ، فإن الفارابي لا يضع أي تمييز بين مَن هم بيننا، والذين هم مسلمون، وبين مَن هم بيننا، المسلمين الذين لاحظوا الوضع الشائع بيننا.= =وبنفس الدرجة فإن الوعي الذي هو أصل الخلط السائد(تنوع المناهج) لا ينتج عن امتلاك لعلم غير إسلامي أو وافد، وإنما عن ملاحظة وجود ضروب متنوعة من اليقين بيننا. فالفارابي هنا يتحدث باعتباره مسلما، فهو يتماهى مع هؤلاء المسلمين الذين، بعد ملاحظة الخلط الفكري المتواتر عند من يشتركون معه في الدين، يهتمون بدائه وبدوائه. وفي هذا المعنى يكون “تحصيل السعادة”عملا ظاهريا. انظر هنا: Mahdi(M), La cité vertueuse d’Al-Farabi: La fondation de la philosophie politique en Islam, op.cit, pp.239-240.

12- إذ يلجأ الفارابي بدلا من ذلك إلى اعتماد الضمير”هو” كأداة للإحالة إلى الموضوع الذي يريد الخوض فيه. راجع هنا: لانغاد، جاك، من القرآن إلى الفلسفة: اللسان العربي وتكوّن القاموس الفلسفي لدى الفارابي، ترجمة وجيه أسعد، وزارة الثقافة، دمشق، 2000، صص430-432.

13- راجع في خصوص هذه المعطيات: الفارابي، تحصيل السعادة، مصدر مذكور، ص50.

14-وفي الواقع، فإن الفارابي لا يشير إلى مخاطبه أو يوجه انتباهنا إليه سوى في مناسبات قليلة. ولكن إذا ما تم استدعاؤه، فمن الضروري أن نأخذ عنه كل شيء، لأن الفارابي إنما يوجه كلامه نحوه وليس إلينا نحن، إننا مستمعون لهذا الحوار فقط. فعندما يقول الفارابي “نحن”، فهو يتكلم عن نفسه وعن مخاطبه، فهو يعني “أنا وأنتم” أو مجموعة أكبر ينتمي إليها “أنا وأنتم”، ولكنها تظل غير محدودة. نحن المسلمون، نحن الذين لاحظنا الوضع السائد المتعلق بالمنهج لدينا نحن المسلمين، نحن الذين ليس باستطاعتنا أن نمنع من ملاحظة أن هذه المناهج هي تقنية أو أنها قد أنتجت من قبل الصناعة، والتي هي بحاجة إلى علم يمكن أن ينظم اختلافاتها الخاصة، التي تمتلك استعدادا طبيعيا للعلم وتستشعر الحاجة إلى تطويره بفضل صناعة تجعل تأكيد طابع المقدمات والاستعداد الخاص لكل منهج ممكنا، نحن الذين لا نلتزم البحث عن علم ما هو موجود إلا بعد أن نحصّل المعرفة الملائمة والضرورية. نحن الذين نأمل في أن نعرف كيف نبحث، نعلّم ونتعلم فقط بعد تحصيل معرفة عميقة بالمنطق، نحن الذين نمتلك القدرة على تقييم حقيقة ما نكتشفه، وما يعلمه لنا الآخرون وما نعلِّمه للآخرين، والذي نستطيع التمييز بين الحقيقة، الاعتقادات والتصورات. ومثلما هو مستفاد، يوجد اختلاف بين الـ”أنا وأنتم” من بين كل هذه الـ”نحن”. وفي الحالات النادرة التي يتكلم فيها الفارابي عن نفسه في صيغة الـ”أنا”، نجده يكتب”أريد أن أقول”، مشيرا إلى أنه يشرح معطى واضحا في معناه بالنسبة له، ولكن ليس كذلك بالنسبة لمخاطبه. وعندما يتكلم مباشرة مع مخاطبه، فهو يأمره بأن يفعل أو أنه يشير عليه بالوسيلة المؤدية إلى نتيجة محددة. إن المخاطب لا ينتمي بعد إلى الـ”نحن” الأكثر انحسارا التي ينتمي إليها الفارابي. وفي هذه المرحلة، مثلا يطلب منه أن يكوّن نفسه ضمن صناعة المنطق حتى يتأهل للمرور إلى مجموعة الـ”نحن”، المسلمون الذين يلاحظون الخلط المنهجي الذي وجدنا أنفسنا فيه، إلى مجموعة الـ”نحن”، المناطقة الذين تجاوزوا هذا الخلط وامتلكوا الاستعداد الملائم للحصول على معرفة الأشياء الموجودة. انظر هنا: Mahdi(M), La cité vertueuse d’Al-Farabi: La fondation de la philosophie politique en Islam, op.cit, pp246-247.

15- انظر هنا: الفارابي، كتاب البرهان، ضمن: المنطق عند الفارابي، نشرة ماجد فخري، دار المشرق، بيروت، 1987، ص20.

16- يقول الفارابي في كتاب تحصيل السعادة، ص56: “إذ كان ما يبقى من ذلك الجنس ويلحق هذا العلم، الذي نظره في الأعداد والأعظام، أن تكون مبادئ التعليم فيه بأعيانها مبادئ الوجود، فتكون براهينها كلها تجمع الأمرين جميعا”.

17- راجع في خصوص هذه الملاحظات: الفارابي، نفس المصدر السابق، صص63-66.

18- نفسه، ص64.

19- وخصوصا كيف أن المنهج الذي يعتمده المناطقة يثبت “إنية ولميّة” الأشياء الطبيعية. وهذا يعني أن المخاطب قد تمكن من ملاحظة كيف أن علماء الطبيعة يطبقون المنهج الذي يؤدي إلى اليقين أولا، ثم إلى دراسة الطبيعة والموجودات الطبيعية، بما في ذلك الإنسان، وكيف أنهم يرفضون الخوض في الأشياء التي لا تنتمي إلى العالم الطبيعي الذي نحيا فيه إلى أن يدفعنا البحث في مبادئ الأشياء التي نعرفها إلى البحث في الأشياء التي لا توجد “الطبيعية أو غير الطبيعية”، وكيف أن فعل علماء الطبيعة على هذا النحو إنما هو من أجل البحث في الأشياء الإلهية انطلاقا من معرفة الطبيعة والموجودات الطبيعية، وكيف أنهم يعتمدون فقط ما يمكن أن يكون بديهيا من خلال هذا البحث، بحيث يقع رفض أي شيء بمثابة يقين لم يتم التوصل إلى إثباته. راجع في هذا الشأن: الفارابي، نفس المصدر السابق، صص60-61.

20-نفسه، ص64.

21- لذلك سوف نرى أن الفارابي لا يرفض هذه الفكرة، بل على العكس من ذلك فهو يثبت كل استتباعاتها. حينئذ، وباعتبار أن (المناطقة، وعلماء الطبيعة)إنما يريدون فحص مسألة معرفة ما إذا كان الكمال النظري كافيا لتحصيل السعادة، فإن الفارابي(المنطقي وعالم الطبيعة في نفس الوقت)لا يكف عن الانتماء إلى تلك المجموعة الـ”خاصة”، بألفاظ أخرى فإن أية طريقة أخرى لا تعتمد الحكمة الفلسفية في بحث هذه المسائل، سوف تكون عملا لا طائل من ورائه. انظر ما يقرره الفارابي في هذا الشأن: الفارابي، تحصيل السعادة، صص88.

22- يقول الفارابي في نفس الكتاب السابق، صص90-91: “فإن الفلسفة تعطي ذات المبدأ الأول، وذات المبادئ الثواني غير الجسمانية التي هي المبادئ القصوى، معقولات. والملّة تخيلها بمثالاتها المأخوذة من المبادئ الجسمانية، وتحاكيها بنظائرها من المبادئ المدنية(…)وكل ما تعطي الفلسفة فيه البراهين اليقينية، فإن الملة تعطي فيه الإقناعات. والفلسفة تتقدم بالزمان الملّة”.

23- نفسه، ص64.

24-على عكس القسمين الأول والرابع من كتاب تحصيل السعادة، حيث يتوجه الفارابي مباشرة، وفي مناسبتين إلى مخاطبه، فإن القسمين الثاني والثالث، واللذان يأملان في إيجاد حلّ للمسألة المثارة أعلاه، لا يشتملان على أي مرجع مباشر إلى المخاطب.وإضافة إلى ذلك توجد فقط إشارتان مقتضبتان إلى الـ”نحن”في القسم الثاني، ولا توجد أية إشارة في القسم الثالث. والسبب الذي لأجله يستند الفارابي غالبا إلى الـ”نحن” في القسم الأول(والذي يعلن في نهايته بكل ثقة أن المخاطب يمكن أن يكوّن رأيه الخاص حول التصور الذي مضى والذي يتفق بفعل هذا الرأي معه)لا يبدو صالحا مطلقا.يوافق هذا التغير تغيرا في المحور المركزي. ففي القسم الأول الذي يتناول الفضيلة النظرية،= =بطلها كان “الباحث” الذي كان هدفه جعل الأشياء التي توجد معقولة، حيث يحتل المنطق والبحث حول الطبيعة موقعا مركزيا. أما محور القسمين الثاني والثالث فهو تحقيق الأشياء الإنسانية الأربعة في المدن والأمم. في حين يبحث القسم الثاني في بيان أنها لا تتطلب فقط الكمال النظري، ولكن كذلك الفضيلة الفكرية، الفضيلة الأخلاقية والصناعة العملية، وأن هذه مجتمعة لا يمكن أن يحصلها إلا من كان مهيأ طبيعيا لتقبّلها. وبدل هذه ليس “باحث” العلوم النظرية كما هو، وإنما شخص ما يمتلك الإرادة ويقرر في الحاضر إيجاد الأشياء الإنسانية الأربعة اللازمة لتحصيل السعادة، في المدن والأمم. وبالتالي، يتعين عليه أن يكون حائزا على ملكة أخرى إضافة إلى الملكة النظرية كما ينبغي عليه تحصيل الفضيلة السياسية وكل أوصاف الملك. راجع هنا: الفارابي، تحصيل السعادة، مصدر مذكور، صص80-81.

25- نفسه، ص67.

26- ويكتمل فحص تحصيل السعادة مع نهاية القسم الثالث. فالأشياء الإنسانية الأربعة التي يقود تملكها إلى السعادة قد تم عرضها، في نفس الوقت قياسا إلى ذاتها وإلى الوسائل التي تتحقق من خلالها في الأمم والمدن. إن الملاحظات التمهيدية والنهائية لكل من الأقسام الثلاث الأولى كافية لبيان أن الفارابي قد وفر إطارا صلبا حتى يذكر القارئ بمراحل برهنته، وأنه داخل هذا الإطار تعلن الملاحظات الختامية للقسم الثالث أن الموضوع المتناول من قبل المؤلف قد اكتمل الآن نهائيا. أما القسم الرابع فيبدو ضربا من خاتمة غريبة عن الموضوع مثلما تمت صياغته في الجملة الافتتاحية لـ”تحصيل السعادة”. فإذا كان هذا الموضوع هو بحق المحور المركزي للكتاب، فإن حضور هذا القسم الأخير لا يمكن تبريره. إضافة إلى ذلك فإن القسم الرابع يدمج بعض المواضيع الجديدة التي تم تناولها بصفة متسرعة نسبيا. فهي تُفتتح على تقريظ للعلم النظري وتعيين جذوره. وهي توفر دلالة “الفلسفة” و”الدين” والصلة بينهما”حسب الإغريق”. كما أنها تشرح بصفة جيدة أفكار وكلمات”الملك”، “الفيلسوف”، “المشرّع” و”الإمام”. وهي تبين كيف أن نفس الكائن الإنساني يمكن أن يكون فيلسوفا ومشرعا دينيا. وهي تميز كذلك بين الفيلسوف الحق والفيلسوف المزيف، وهي تؤيد إرادة هذا الأخير في الحكم.وفي الأخير فهي تُرجع هذا الضرب من الفيلسوف إلى اليونان بصفة عامة، وإلى أفلاطون وأرسطو بصفة خاصة، وتُؤمِّن من هنا نقلة مع القسمين المتبقيين من الثالوث. إن السرعة التي بواسطتها تم تناول هذه المواضيع قد تم تعويضها بإحالة مباشرة، نسبيا متواترة، إلى المؤلفين الذين يشكلون سلطة، وهو أسلوب تجنبه الفارابي إلى حد هذه اللحظة، إذا ما استثنينا استناده إلى أفلاطون في مسألة تربية الملك في القسم الثالث. وفي الواقع فإن امتحان الإحالات يُمكِّن من اكتشاف المحور العام لهذا القسم وصلته بمحور القسم الأول. إذ يختتم هذا الأخير بالتأكيد على أن العلم النظري يحتوي معرفة الأشياء الإنسانية الأربعة التي تبلغ عن طريقها المدن والأمم السعادة القصوى، كما أن الفارابي يعتمد كمكسب أن المخاطب قد أدرك معنى هذا التأكيد. انظر: الفارابي، نفس المصدر السابق، صص84-92.

27- لا يسمي الفارابي هذه الضروب الثلاثة “الخطابية”، “الشعرية”، و”الشرعية”، ولكن هذه النعوت هي مخصوصة مراعاة لتعريفاتها. فالسؤال الأول الذي يقفز إلى الفكر عند المخاطب يتعلق بمعرفة ما إذا كان الفارابي محقا في تسميته “علوما” المذاهب غير النظرية، أو أن التسمية اعتباطية. وبتكرار كلمة “علم” وحدها أو بإضافة المبين”هذا العلم”، “هذه العلوم”، “هذه العلوم-هنا”، يجبر الفارابي المخاطب التساؤل حول هذه المسألة، ويغالطه باعتراضات محتملة ويرجع كل المسألة تقريبا إلى مشكل أسماء. ثم يمتحن فيما بعد قدرته الخاصة في مجال الأسماء ودلالاتها، مشيرا إلى أن طريقته في استخدام الأسماء تتأسس على سلطة أكيدة وعلى فهم صلب وأنه ينبغي على المخاطب الأخذ عنه. انظر: الفارابي، نفس المصدر السابق، ص84.

28- الفارابي، تحصيل السعادة، مصدر مذكور، ص86. من هنا يبرر الفارابي انتقاله من ممارسي الصناعات إلى ممارسي هذا العلم، وهو يبحث في تعريف المجموعة الأولى التي تملكها وفي تحديد دلالة كلمة”علم” بالنسبة “إليهم”.ولكنه يصطدم هنا بالمشكل التالي: فالتقليد السردي(“لقد قال”) الذي تملك الأوائل علمه هذا، كان هم الكلدانيون، حيث انتقل منهم إلى المصريين، اليونان، السريان وأخيرا العرب.لكن الفارابي لا يتوفر على الأدب الكلداني أو المصري حول الموضوع، أو أنه لا يلحق دينا إلى ما اتصفوا به في حقبته.فهو لا يعرف مثلا، أن ما كان يُلحق بحكمة الكلدانيين والمصريين يعني “هذا العلم النظري” أو “العلوم الأخرى”. فالأدب الوحيد الذي يعرفه والذي يحتوي تعبيرة هذا العلم كان في اللغات اليونانية، السريانية والعربية. فحتى يعرف الاستعمال السابق لكلمة علم، كان عليه العودة إلى اليونان(“الذي استمر بينهم بعض الوقت”).إذ يشكل اليونان سلطة الفارابي الأفضل لأنهم، في نفس الوقت، يمتلكون هذا العلم ولأننا نمتلك الأسماء التي طبقوها عليه ونعلم دلالاتها. وفي القسم الثالث، يوسع الفارابي دلالة كلمة “علم” حتى يدمج ضروب العلم الثلاثة الأخرى، وهو يسحب وظيفة العلم إلى السياسي، إضافة إلى المعرفي.كما أنه يبرر ذلك باستدعاء الوظيفة والمعنى الأصلي للعلم “عند الإغريق الذين يمتلكون هذا العلم”. فالاسم الأول الذي أطلقوه عليه كان”الحكمة المطلقة”و”الحكمة الأسمى”، وهم يدعون “علما”اكتساب هذه الحكمة. وقد كان لديهم اسم إغريقي هو “الفلسفة”، للإشارة إلى حالة الفكر العلمي، ولكن ما يستفيدونه من فلسفة هو حب الحكمة الأسمى. فمن يكتسب هذه الحكمة لا يسمونه “عالما”، وإنما “فيلسوفا”، وهو اسم يعني لديهم عاشق الحكمة الأسمى. ينتقل الفارابي على هذا النحو من كلمة”علم”إلى تعابير”حكمة”و”حب الحكمة”، أي إلى الفلسفة والفيلسوف. وأخيرا فهو يلحق رؤية أو رأي الفلاسفة اليونان حول موضوع عشقهم، الحكمة الأسمى(التي تشتمل بالقوة كل الفضائل)، وهو يلحق الأسماء التي منحوها لها(“علم العلوم”…الخ)ويشرح ما يعنونه ببعض الأسماء. انظر هنا أيضا: الفارابي، نفس المصدر السابق، صص88-89.

29-نفسه، ص.94.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق