الخميني ـ كو ألانغو؟ / شذا شرف الدين

 

في ذلك الصباح من شهر شباط كانت الفوضى تعمّ مدرسة المنارة وتثير مسيو جوزيف، مديرها على التلاميذ. هذه المدرسة حوت أهل حي المنارة في رأس بيروت وكل المطرودين من المدارس الأخرى أو الراسبين فيها. وكنت أنا ورفيقتي مهى شهاب في عداد هؤلاء. وكان احترامنا، أنا ومهى، لمسيو جوزيف قد سبق وانهار يوم رأيناه يركض وراءنا في الشارع فيما كنا نهرول هاربين من المدرسة باتجاه مدرسة الآي سي للقاء رفيق، شقيق مهى، والهروب معه من هناك لنجلس كالكبار في مقهى الويمبي وندخن السجائر. في ذلك الصباح من شباط 79 رفض الشباب الوقوف بالصف كما جرت العادة قبل الدخول إلى الصفوف، وراحوا يهتفون للثورة ويحيّون الشعب الإيراني البطل الذي أجبر الشاه المستبّد على التخلي عن عرشه والرحيل إلى غير رجعة عن بلده. مسيو جوزيف وقف عابساً غاضباً كعادته وراح «يشوبر» بيديه محاولاً تهدئة الطلاب لكنْ من دون جدوى. أحدهم وقف وراح يخطب فينا ويحيّي أهل إيران الأبطال ويتكلّم عن الثورة وكأنه قدم لتوّه من هناك بعد أن خطّط لها هو بنفسه. وما لبث أن تحمّس الجميع للهتافات وصرنا نردّد شعارات «ثورة، ثورة حتى النصر» من بعده، وبدّدنا أول حصة دراسيّة في ذاك النهار فيما بدا مسيو جوزيف واقفاً جانباً مكتّف الأيدي، وقد خلته يقول «… إخت الّي بدّو يعلّمكن».

من إيران كنت أعرف «الساهون» أو «السوهان» كما يلفظونه هم، وعبارتَي «كو ألانغو» (أين السوار) و»بيا إنجا» (تعال). هاتان العبارتان علّمتنا إياهما امرأة عمّي الإيرانية الجميلة التي كنا نشبّهها بفرح ديبا رغم أنها لم تكن تشبهها. وبهاتين العبارتين كنا نخاطب ابنة عمّي التي لم تكن قد تعلّمت النطق بعد ولم تكن تفهم سوى لغة أمها. لكن هتافات الشباب الحماسيّة طردت في تلك اللحظة من ذاكرتي عبارتَي «كو ألانغو» و»بيا إنجا» المائعتين واستبدلتهما بـ»ثورة ثورة حتى النصر»، كما فعلت الشيء نفسه بصورة امرأة عمّي الشقراء التي حلّت مكانها صورة شيخ ملتحٍ يشبه جدّ أمي.

لكنْ آنذاك لم تكن صورة جدّ أمي معلّقة في صالون البيت ولم يكن يؤتى على ذكره سوى في مناسبات نادرة، خصوصاً متى أراد أحدهم أن يتذكّر حادثة شخصية شهد عليها، قال خلالها «جدّي السيّد» جملة ما، جملةً فيها من الحكمة أو الذكاء ما يجعل المرء يكرّرها. يومها لم يأت أحد في البيت على ذكر الثورة ولا حتى في المساء حين بثّ التلفزيون صورة الشاه وهو يصعد إلى الطائرة هارباً من المتظاهرين، ثم صورة الشيخ الملتحي يلوّح بيده للجماهير.

لكن يوماً بعد يوم صرنا نسمع قصصاً عن استبداد الشاه وكيف أنه ذات يوم وخلال تظاهرة طلابيّة شهد عليها عمّي الذي كان يدرس في إيران، أمر بضرب المتظاهرين وبدأت أنهار من الدماء تسيل في الشارع… وقصة أخرى عن جدّ أمي مفادها أنه حين أتى الشاه إلى لبنان وطلب لقاءه، رفض الأخير إستجابة دعوته بحجّة أنه «ويل لشعب ينحني علماؤه لملوكه»، فما كان من الشاه إلا أن أتى هو لزيارته في داره.

بالتدريج صارت تُروى قصص أكثر فأكثر عن إيران وعن «جدّي السيد» وأمجاد رجال الدين وتاريخ جبل عامل واضطهاد الشيعة وكربلاء والحسين… قصص كنا نحيلها آنذاك إلى المرويّات الخرافية كقصص «غريم» أكثر مما إلى الروايات التاريخيّة. لكنها فجأة صارت حاضرة بوصفها تاريخنا الشخصي المنسي والذي من واجبنا تذكّره. بعدها بفترة وجيزة صرنا نرى صورة «جدّي السيّد» معلّقة في الكثير من بيوت العائلة.

أما زوجة عمّي الإيرانية فلم تبد سعيدة بما يجري. فهي كانت من محبّي الشاه وكان الخوف يبدو على وجهها كلّما شاهدت صُور الثورة في التلفزيون. وأنا بتّ في حيرة من أمري: فالإيرانية الوحيدة بيننا لم تبد مسرورة بتلك الأحداث، وهي أدرى ببلدها، فلماذا الكل متحمّس هنا للشيخ الجديد؟ ورحت أشكّك بنظرة امرأة عمّي للأمور وقرّرت، متأثرة بأصدقاء أختي الشيوعيين، أنها بورجوازية من أعداء الشعب ولا تحب الثورة. وهي على كل حال تهوى «اللبس والبذخ» (كما كانت نساء العائلة تقول عنها) ولذلك فهي حزينة على فقدان الشاه وفرح ديبا وقصورهما التي باتت اليوم في أيدي الكادحين. لكني حين كنت أراها حزينة وخائفة تتبدّد أحكامي عليها، وأتساءل: كيف يمكن أن تكون هذه المخلوقة الرقيقة عدوّاً لأي كان… هي تحب البذخ، هذا صحيح، لكن أين المشكلة في ذلك؟ وهل من يحبّ العيش المرفّه إنسان سيء؟ فأنا أيضاً أحب البذخ واقتناء الأشياء الجميلة… لكنّي لم أقرّ بذلك سوى لنفسي.

في السنة التي تلت الثورة، مُنعنا من ارتداء لباس البحر وكل ما هو كاشف (للجسم) وصارت ألبستنا تخضع للمراقبة اليومية: هذه البلوزة «مزلّطة»، وهذا البنطلون «مفسّر»، يجب أن تكوني محتشمة بما يليق ببنت «بيت ديني« (لم نكن قد سمعنا تلك العبارة حتى ذلك الحين). ثم صار الكلام عن ممارسة الطقوس الدينية والتشدّد فيها يثار يومياً تقريباً، الشيء الذي أنتج مشادّات عنيفة في المنزل. فنحن لم نفهم كيف حصل هذا الانقلاب السريع الذي حوّل أهلنا من أفراد منفتحين، ولو محافظين، إلى أناس متشدّدين ومتزمّتين؟

هكذا اتّسعت الهوّة بيننا وبين أهلنا أكثر فأكثر إلى أن أصبحنا غرباء في العديد من الأمور عن بعضنا البعض. فلا هم فهموا عدم اكتراثنا بما لم نعهده قبلاً، ولا نحن فهمنا إصرارهم على زجّنا في عالم لا نشعر بالانتماء إليه أصلاً، غصباً عن كل ما خبرناه من قبل.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل البيروتية 17/4/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق