الخميني و”الاستثناء الأصولي المقدّس”

من بين كلّ الأصوليين المشرقيين البارزين، يقف السيّد الخميني بكونه الشّخص الأصولي الوحيد والأوّل الذي استطاع نقل الأصوليّة إلى مستوى الدّولة. فإذا كان سيد قطب والمودودي هما من أبرز من مثّل العقل الإيديولوجي الذي نظّر للأصوليّة والأصوليين، بنحو تقليدي، في القرن العشرين (ومرّة أبرزت مجلّة نيويورك تايمز (23 مارس 2003) على غلافها سيّد قطب بوصفه “فيلسوف الإرهاب والقاعدة”)، فإنّ السيد الخميني قد تجاوز ذلك إلى ما هو أبعد، وذلك بأخذ الأصولية من مستواها “التقليدي” والطهراني البسيط إلى مستوى جديد، شكّل في العالم الإسلامي، السنيّ والشيعي معاً، حالة استثناء يمكن أن نصفها بحق بـ”الاستثناء الأصولي المقدّس”. هذا ما سوف تحاول هذه المقالة إيضاحه سريعاً.
من المهم عند تناول مثل هذه الشخصيات الأصولية، التذكير بنقطتين هامتين:
النقطة الأولى:
أنّ الخميني، كما هو معلوم، صعد في ظل شروط عالميّة شهدت، ومازالت مستمرة إلى الآن، بعثاً وإحياء دينياً عالمياً. لهذا لا يمكن تغييب مسألة السّياق الإقليمي والدّولي الذي شهد صعود حركات وأحزاب دينيّة وأصوليّة أتت كاستجابة سياقية لما شهده العالم من توترات سياسية وفشل في سياسة التحديث والحكم الديكتاتوري (حكم الشاه بمثابة أرض خصبة لقيام الخميني مثلاً)…الخ. عند هذه النقطة، يمكن اعتبار أنّ أصوليّة الخميني، عموماً، ليست استثناء من الأصوليات التي صعدت في القرن العشرين.
النّقطة الثانية:
ما من شكّ، أنّ الخميني ينتمي، بنحو عام، إلى العائلة الكبيرة، “عائلة الأصوليين” الآسيويين والمشرقيين، سواء أكان أفراد العائلة ينتمون إلى الدّيانات السّماويّة أو الأرضيّة أو لا ينتمون إلى أيّ دين (مثل بعض الأصوليين الماركسيين)؛ هذه العائلة التي يجمع أفرادها سمات مشتركة (Common Family) تتعلق بالثّقافة و”البارادايمات” الذهنيّة، وذلك من حيث النّظر إلى الذات والعالم والحداثة والغرب والماضي…الخ،.
لهذا، من السّهل في كثير من الأحيان قراءة حضور مستويات إيديولوجيّة مختلفة ومتناقضة داخل شخص أصولي واحد. وهنا تكمن ميزة الخميني الأصوليّة، رغم التقاء بعض القادة الأصوليين العرب عندها معه، وهي استفادته من التنظيرات والتّجارب السّابقة عليه، الدينيّة واليساريّة: إنّه بمقدار ما استفاد من سيد قطب ثم خرج عليه، بمقدار ما استفاد من الشيوعيّة وأدلجاتها الحمراء الثوريّة و”التوتاليتاريّة” ثم هاجمها. لهذا ليس من الصعب قراءة حضور لينين وقطب داخل أصولية الخميني. الجامع هو التقارب الذهني والثقافي في التفكير “التوتاليتاري”، بغض النظر عن الاختلاف الإيديولوجي بينهم.
لا نصدق أنّ الخميني من وراء مأسسته لكيان دعاه بـ “الجمهوريّة” أنّه كان يبتغي تطبيق «أصل» مقدّس قد قرأه بين تلافيف التّراث أو أنّه كان يبغي الرّجوع بالتّاريخ إلى العصر الذّهبي (حتّى أنّه ليخيل للمرء في كثير من الأحيان بأنّه ثمّة جدار بين الخميني وبين التّراث الإسلامي يمنعه، حقيقة، من قراءة الأصول كما هو حال أي تراثيّ تقليدي). إنّ الأصول التراثيّة في مثل هذه الذهنيات، يعاد توليدها وفق ما يقتضيه الاستحقاق السّلطوي للأصولي، وذلك بمخياليّة طهرانيّة لا تخلو من تناقض عقلي بين ما هو مرسوم في الذّهن وما هو على أرض الواقع. إنّ الخميني لم يكتف فقط بالخروج على الأصول وإعادة توليدها بقالب سياسي وثيوقراطي فريد من نوعه، أو الانتقاء منها وتنقيحها وتعديلها…الخ، بل أضاف “أصلاً”، قال إنّه من الله، أي انتداب الفقيه أو ولايته vilayat-i-faqih على البشر: “إنّ ولاية الفقيه ليست شيئاً اخترعه مجلس الخبراء بل شيء أمر الله به” (John L. Esposito and, John O. Voll, Islam and Democracy, Oxford, 1996, p. 63)، رغم علمه هو قبل غيره، بأنه ليس ثمة نص تشريعي واضح، سواء سنيّ أو شيعيّ، يقول بحكم الفقيه.
إنّ إصراره الدائم بأنّ “حكومة الجمهوريّة الإسلاميّة التي نعتقد بها، هي موحى بها من قبل النبي العظيم (ص) ومناهج الإمام عليّ (ع)” يعني أنّ ذهنيّة الرجل كانت متجاوزة بخطوة كبيرة للذهنيّة الأصوليّة التقليديّة. فإذا كان الأصولي التقليدي ينصب في ذهنه “نموذج” دولة كانت قد أقيمت في الماضي الذّهبي، فإنّ الخميني لم يعترف بيوم بقيام أيّ دولة إسلاميّة قبله لها الشرعيّة الإلهيّة كما هو حال الدّولة التي رسم لها في كتابه الشهير “الحكومة الإسلامية”.
لهذا، إنّ مسألة «تدنيس» التّاريخ الإسلامي (وبالمقابل الاحتفاء الألوهي بشخصه هو الذي يطبّق وحي السّماء)، كانت متقدّمة بكثير عند الخميني أكثر من أيّ أصولي آخر. من هنا، ينظّر هو وأتباعه بأنّه بتأسيسهم للجمهوريّة قد حقّقوا حُلماً كان الأنبياء ذاتهم يحلمون به (انظر أحمد الفهري، في تعليقه وتقديمه على كتاب الخمنيني «سرّ الصلاة أو صلاة العارفين»، مؤسّسة الإعلام الإسلامي، بيروت، ص10- 11). لهذا، من الخطأ حصر الخميني بأيّ صفة مثل تراثي، نصيّ، حرفيّ، سلفيّ…الخ (وبنفس الوقت نقول، الخميني هو كلّ الأصوليين، لكنّه لا يشبه أيّ واحد منهم).
بالطّبع، لا يعني هذا خروج الخميني عن القيمة التراثيّة تماماً، أو خروجه عن الذهنيّة الأصوليّة التقسيميّة (البياض والسّواد، الكفر والإيمان…). كل ما في الأمر أنّ أصوليّة الخميني بمقدار ما تتكئ على التراث الإسلامي، بمقدار ما تعمل خارجه. لقد قدّمت هذه الأصوليّة قراءة جديدة لأصول الدّين، لكنّها قراءة لا تبغي الالتزام بهذه الأصول، بمقدار تحويرها وإضافة أصول أخرى عليها من جهة، ونقل هذه القراءة إلى مرتبة الإلهي والمقدّس – وبالتّالي مساواة القراء الفقهاء المعصومين الذين يقرؤون بالسماء، فيصبح الخروج على هذه القراءة بمثابة الخروج على السّماء-، من جهة ثانية، ومن ثم مأسسة هذه القراءة سياسياً في إطار كيان دولتي سماه “جمهوري إسلامي”، من جهة ثالثة. وفوق ذلك، لقد ربط تحقيق أحكام الدّين على الأرض عضوياً بإقامة سلطة سياسيّة لكهنة الدّين ورجالاته، بعد أن كان هذا الرّبط مشروطاً بقدوم المهدي على طول التّاريخ الشّيعي.
النّقطة الأخيرة التي يمكن أن نشير إليها في هذه العجالة، تتعلق بالعلاقة بالحداثة والغرب. إنّ أحد مصادر القوة الأصوليّة للخميني هو عداءه للغرب، ذلك أنّ مثل هذه الذّهنيات لا يُكتب لها الاستمرار، عادة، إلا بخلق وإعادة خلق أعداء لهم، يكونون بمثابة أحضان إيديولوجيّة وسياسيّة لبقائهم في السّلطة. وفي هذه النّقطة يشترك الخميني مع كثير من الأصوليين العرب والتوتاليتاريين المشرقيين، لكنّها عنده أشدّ. فكما أنّه لم يبخل من الاستفادة من الأصوليين، كقطب، ثم خرج عليهم، وكذلك الأمر بالعلاقة بالحداثة والغرب: استغلال الأجواء التي تخلفها الحداثة والعمل من داخلها، لكن بنفس الوقت التّنكيل بكلّ ما هو حداثي وغربي، أو بمعنى أدق، التنكيل بهويّة الحداثة. إنّه ضد الحداثة لكنه الأصولي الأول في المشرق الذي استطاع الاستفادة منها وخاصّة من النّاحية الماديّة.
ربّما لا يمكن الإجابة بنحو دقيق، إلى أيّ نمط من الأصوليات المشرقيّة تنتمي أصوليّة الخميني، لكن “مبدئياً” يمكن القول، بسبب الاستثناءات الأصوليّة التي تضمنها كيانه الإيديولوجي والسّياسي، بأنّ أصوليته يجب أن تدرس بشروطها الاستثنائيّة هي، مع عدم إغفال الشروط السياسيّة للإحياء الدّيني العالمي. إلا أنّ أصوليّته تبقى حالة استثناء في التّاريخ الأصولي. إنّها الأصوليّة التوتاليتاريّة التي دعت جون إيسبوسيتو وفول أن يكتبا عن سجن إيفن Evin، هذا السّجن الذي تغيّر سجّانوه، لكنّه السّجن الذي بقي هو هو سواء في عصر الشاه “ظل الله” على الأرض، أو في عصر الخميني “روح الله” على الأرض: “إذا كان سجن إيفن، السيئ والرديء السمعة، قد أُفرغ من سجناء بهلوي [الشاه]، فإنّه امتلأ مرة أخرى بسجناء الجمهورية الإسلاميّة” (Esposito and, Voll, p. 70).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق