الخوف من الاسلام الاصولي! / شفيق ناظم الغبرا

لم ينجح الاسلام السياسي بشكله الاصولي الراهن و المائل لقمع الرأي الاخر والاتجاهات المختلفة اكان ذلك في غزة ام في الكويت وايران ولبنان والعراق او السودان وافغانستان في تحقيق تقدم لصالح الاسلام. لقد نجح الاسلام السياسي في بعض الجوانب ومن اهمها هز صورة الكثير من الانظمة العربية وكشف هشاشتها وضعفها ولا ديمقراطيتها . كما ونجح ايضا في تحدي الغرب واسرائيل والدخول في طريق المقاومة. لكن الاسلام السياسي لم ينجح في مهمته الاساسية الا وهي تطوير الانسان العربي والمسلم ومساعدته على تحقيق نهضة تنهل منها الاجيال العربية الراهنة و القادمة. ان مقتل الاسلام السياسي هو في عدم سعيه لتنمية المجتمعات والافراد والوصول بهم للنجاح في التعامل مع القضايا الاساسية التي تؤخر العالم العربي والاسلامي وتحد من تطلعاته. فعلى مر العقود لم ينجح شعار” الاسلام هو الحل” في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والانسانية. لم ينجح في تطوير الاخلاق والمجتمع والقيم والتنمية والحريات. بل قاد هذا النموذج للاسلام الاصولي المنطقة لسلسلة من الحروب والنزاعات والتراجعات كما نشاهد في العراق وفي افغانستان وفي ايران والسودان وغيرها من الدول. بل حتى الان الاستثناء الوحيد لهذه الحالة السلبية هو النموذج التركي الذي لم يجد له طريقا في بقية المجتمعات العربية الاسلامية.

ان موجه الاسلام السياسي لم تنتهي بعد. فهي مستمرة حتى يومنا هذا وان كانت بدأت تشعر بالتعب والارهاق الناتج عن معاندتها للواقع الانساني ومتطلبات الحرية والتجديد للانسان العربي. ففي عالم عربي واسلامي يتوق للديمقراطية تشجع الحركات الاسلامية قيام السلطة والدولة بقمع المخالفين سلوكيا وفكريا وعقائديا ودينيا كما هو حاصل نسبيا في الكويت وبصورة اكبر في دول عربية عديدة. وفي عالم عربي يبحث عن حرية النشر تشجع الحركات الاسلامية الرقابة علي اساس احتكار الفكر والتدخل في حقوق المعرفة. يكفي متابعة ما حصل مع سيد القمني في قضية جائزة الدولة لنرى مدى التعرض للفكر والمفكرين ومدى التجني عليهم من قبل الاصولية. وفي عالم عربي يتوق لاحترام الطوائف الاسلامية لبعضها البعض تشجع الحركات الاسلامية على الفرز بين المتدين والغير متدين والشيعي والسني والسفي والغير سلفي، وهذا بدوره يؤدي للتفكك والاختلاف على اصغر واكثر القضايا هامشية، وما المواجهات الطائفية في اكثر من بلد عربي مؤخرا الا دليل على تهافت هذا المنطق. وفي عالم عربي تواق للتعليم تضع الحركات الاسلامية قيودا كبيرة على التعليم والمناهج وعلى التعليم المشترك مما يضر برسالته ويحد من جودته . وفي عالم اسلامي يتوق للنقد والتقيم على المسلم ان يتعرض لمناهج دينية وغير دينية تقوم على الحفظ لا نقاش فيها او تساؤل.

وحيثما وصل التيار الاسلامي الى السلطة، باستثناء تركيا، لم تتعمق الديمقراطية بل ازدادت الديكتاتورية. لكن الديكتاتورية الاسلامية اكثر من مجرد سيطرة سياسية لانها تتداخل والمجال الشخصي والسلوكي والاجتماعي وتمس المرأة والشباب والحريات واللباس وتتدخل مع الثقافة والكتابة والفن والابداع كما حصل في افغانستان وكما يحصل في غزة اليوم وكما حصل في السودان وايران ومجتمعات اسلامية اخرى. ان الاسلام الاصولي استثناء عن الاسلام الحضاري وهو في التطبيق الاقرب للنموذج السياسي الشمولي الذي عرفناه مع التجربة الشيوعية والسوفياتية. ومع الاصولية هناك صعوبة كبيرة في تقبل الديمقراطية. وفي المشروع الاصولي يقسم الناس الى كفرة ومـؤمنين والى نساء صالحات وغير صالحات على اسس شكلية ومظهرية.

لقد غلبت الحركات الاصولية جانب صغير وثانوي من الاسلام وحولته الى جانب اساسي ، ومن هنا كثرة التركيز على المرأة والاختلاط والحجاب والنقاب واللباس الشرعي واوقات عمل المرأة والفوراق بين المذاهب والطائفية والخوف من العالم الخارجي والعولمة والتغير. و يصبح الاسلام وفق المشروع الاصولي اقل تسامحا واقل مرونة مع الاخرين وكأنه في زمن الفتوحات الاستثنائي. في المشروع الاصولي الراهن تغيب الرحمة عن الدين ويغيب المبدأ القراني الخالد( من يعمل مثقال ذرة من الخير سيرى نتيجة لذلك وان ما يعمل مثقال ذرة من السلبيات سيرى نتيجة لذلك) عن الممارسة. في المشروع الاصولي يتم تفريغ الدين من روحانياته وتسامحه وتحويله لوصفة تقوم على سلسلة من الطقوس في ظل مصادرة الحريات. ان الامثلة على هذا كثيرة وهي السبب في تحول الكثيرين عن هذا النمط من الاسلام الاستثنائي.

وتواجه الاصولية معضلة كبيرة مع الرأي الاخر والاختلاف ومع العالم الذي يتشكل حولنا، ولديها مواجهة مع الحداثة و المساواة بين الرجال والنساء، و الحريات والفردية و حقوق الانسان، و الفن والنحت والرسم و الاختلاط والمرأة وعناصر اساسية من مكونات القرن الواحد والعشرين. ستبقى هذه القضايا تؤثر على المشروع الاسلامي وتساهم في اخافة الناس والمجتمعات من نواياه. ومع ذلك لابد لمجتمعاتنا من السير مع التجربة الاصولية حتى النهاية ولا بد من نقدها بنفس الوقت ونزع المقدس عنها. وهذا سيتطلب الكثير من اعادة التفسير الديني وفق رؤى جديدة لجيل جديد.

استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

عن موقع شفاف الشرق الأوسط

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق