الخيار الديمقراطي في الشرق الأوسط / ابرام شاهين


الغرب وبالأخص أمريكا منشغلة في "صناعة" العراق الجديد، وهذا الأمر يثير التساؤل التالي: هل بالإمكان إنتاج عراق بنموذج ديمقراطي فقط بمجرد تغيير النظام السياسي فيه؟ طبعاً الجواب هو النفي، لأنه لا يمكن الانتقال إلي نموذج ديمقراطي بدون وجود أرضية ثقافية تتقبل الديمقراطية أو فكرة الديمقراطية أصلاً، ففي هذه المنطقة هناك من يصف الديمقراطية بالبدعة أو رجس من عمل الشيطان وآخر يصفها بأنها مؤامرة غربية وغيره يدعي بأن لكل شعب ديمقراطيته الخاصة وإن واقعنا السياسي هو حالة ديمقراطية ولكنها مختلفة عن ديمقراطية الغرب الذي لا تحلو له ديمقراطيتنا.

إن صدام حسين مثلاً ليس ظاهرة غريبة أو شاذة في ثقافة مجتمعه بدليل أن هناك نسبة لا بأس بها مِن مَن يتحسر عليه وعلي أيامه الخوالي ويدافع عما قام به هذا الشخص، وبعبارة أخري صدام حسين بسلوكه وأخلاقياته وطريقته في إدارة العراق علي الأغلب لا ينظر له في ثقافة هذه المنطقة علي أنه شخص مدان وغير طبيعي، طبعاً نستثني هنا من تأذي منه بشكل مباشر مثل الكرد والشيعة، فهؤلاء مثلا لا يتصدون للدكتاتورية لأنهم ينتمون إلي ثقافة الديمقراطية بل وأنهم قد يعيدون ما جري لهم علي رأس ضحية أخري من أقليات المنطقة عندما تصبح الدفة بيدهم.

في مثل حالة الشرق الأوسط هناك احتمال ضعيف بأن الإصلاح التدريجي يفيد في تطوير نظام ديمقراطي بالتدريج، لأن العوائق أمام تطور هذا النظام المنشود هي عوائق داخلية تكمن في ثقافة شعوب هذه المنطقة، من الشعوب الكبيرة إلي الأقليات، فلا يوجد إيمان حقيقي وراسخ بالديمقراطية في هذه المنطقة وحتي الأقليات والشرائح المضطهدة فأنها تنظر للديمقراطية علي إنها تكتيك مؤقت حتي تنال حقوقها.

ولكن السؤال هو كيف سوف تتحول منطقة الشرق الأوسط إلي نموذج ديمقراطي في ظل غياب ثقافة الديمقراطية؟ هناك حاجة إلي إيجاد هذه الثقافة أي أن تعتقد أغلبية أفراد المجتمع وحتي العامة بأن الحل لمشاكل المجتمع يكمن في إيجاد نظام ديمقراطي، وكلما كان الاعتقاد لدي أغلبية المجتمع راسخا بأهمية الديمقراطية ازداد تسارع المجتمع إلي النظام الديمقراطي. وهنا تكمن المشكلة الأساسية، فالثقافة ليست قطعة ثياب تقتني من أحد المتاجر أو هي خدمة بنكية مثلاً، فالثقافة مسألة ضخمة ومعقدة وتتكون خلال فترة طويلة من الزمن ونتيجة التجارب والخبرات والتراكمات التي يمر بها المجتمع و لا تكتسب بسهولة ولذلك فإن المجتمعات لا تغير ثقافاتها بسهولة. فتغيير الثقافة يحتاج إلي صدمة حادة يتعرض لها المجتمع حتي يعيد النظر بكل موروثه بشكل جدي. وقد شهد العالم تجارب غيرت فيها مجتمعاتٍ ثقافاتها سواء جزئيا أم كليا، ومن الأمثلة عليها نموذج التدمير الكامل للثقافة القديمة بشكل قاسي في الياباني، التي دخلت الحرب العالمية بعنفوان وكبرياء إمبراطورية عظمي يجب أن تسود العالم ولكن نتيجة الهزيمة القوية التي تلقتها اليابان، الهزيمة التي هزة بل وهدمت الإنسان الياباني من الداخل وجعلته يعيد ترتيب ذاته من جديد ويعيد النظر بكامل ثقافته.

فمن نتائج تلك الهزيمة التي تلقتها اليابان هو أنها أشعرت إنسانها بحاجة إلي النهوض ولكن بعقلية جديدة وثقافة جديدة وفعلا فقد نجح اليابانيين في تحديث ثقافتهم وبزمن قياسي. ومن الأمثلة الأخري علي مسألة تغيير المجتمعات لثقافتها القديمة هو نموذج ألمانيا التي وضعت الدول المنتصرة يدها عليها ووضعتها تحت الوصاية وعملت علي تغيير ثقافة المجتمع الألماني بشكل مباشر من خلال تغيير النظام التعليمي وحجب الأفكار السلبية عن المجتمع لفترة حتي عاد المجتمع إلي رشده، فالحالة الألمانية يمكن وصفها بأنها كانت وعكة صحية تعرض لها الألمان الذين كان لديهم تجربة ديمقراطية قبل الحزب النازي، ولذلك كان العلاج هو الحمية من الأفكار النازية لفترة من الزمن حتي عاد المجتمع الألماني إلي مساره الصحيح. و كذلك هناك تجربة يوغسلافيا التي كانت تعاني من غياب حاد في الديمقراطية فقد نشبت فيها حروب أهلية طاحنة انتهت بمجازر كبيرة، فكان الحل بالنسبة ليوغسلافيا هو التقسيم ببساطة لأن شعوب هذا البلد لم تتمكن من التعايش معاً وتأسيس نظام ديمقراطي يعيش ضمنه الجميع بسلام.

أما بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط فلم تمر هذه المنطقة بأية تجربة كبيرة سوي احتلال العراق، أي صدمة حادة من قبيل حرب طاحنة مثلا تجعل شعوب هذه المنطقة تفكر جدياً بالتطوير والتغيير، ومازالت تجربة هذه المنطقة ضحلة وإن التجارب التي مرت بها لم تكسبها الثقافة الكافية لتتعلم كيف تدير نفسها بطريقة أكثر رقياً، ومازال الكثير في الشرق الأوسط وخاصة في مصر يري بأن الإسلام هو الحل لمشاكل المجتمع السياسية والاقتصادية. وهم يتحدثون عن القرآن وكأنه كتاب إدارة الدول والمجتمعات (لن نناقش صحة هذا الرأي من عدمه) وبدلاً من ذلك يمكننا أن نتساءل التساؤل التالي، إذا كان من الصعب تطبيق الشريعة الإسلامية بالشكل السلفي للنظام السياسي في الدولة فهل من الممكن أن يسيطر الإسلام الإصلاحي الموءود منذ العصر العباسي في المنطقة؟
كما تجد البعض يؤمن بتحويل المجتمع إلي مجتمع عسكري وبذلك لا يبقي هناك لا جاني ولا مجني عليه، ففي المجتمع العسكري الذي يتحول فيه المجتمع إلي أرقام والمواطن إلي روبوت تصبح عملية إدارة المجتمع سهلة وننتهي ببساطة (حسب رأي هذا البعض) من المسألة من حالة عدم الاستقرار والضعف في المجتمع ويقدم مثلا علي ذلك بالمجتمع الصيني الذي خرق القاعدة التي وضعها العقل الغربي، فمن دون أن يتحول المجتمع إلي الديمقراطية وبدون لا تعددية سياسية ولا هم يحزنون تمكنت الصين من أن تتحول إلي بلد اقتصادي كبير، وهذا ما يشجع بعض الآراء هنا بأن نحتذي بالصين وانتهي الموضوع. طبعاً في هذه الفكرة يتجاهل أصحاب هذا الرأي بأن الصين تعاني من انفجار ديموغرافي وإن شعب الصين يقف علي حافة الجوع وليس لديه الوقت الكافي حتي في التفكير بتحسين الكتابة الصينية التي تستلزم المواطن الصيني الأصل ثلاث سنوات علي الأقل لتعلمها، وكذلك يتجاهل أصحاب رأي الاحتذاء بالصين بأن الإنسان الصيني لم يعد قادراً في الصناعة مثلا علي أكثر من تقليد منتجات الآخرين.

طبعا يأتي هذا الرأي هربا من فكرة الاحتذاء بالغرب وكأنه هناك إدراك داخلي بأن هذا الاحتذاء يعيقه الكثير من الصعوبات رغم إدراك ومحاولة المجتمعات الخليجية بالتغيير إلي النظام الديمقراطي، وخروج العراقيين باستنتاج مفاده أنه في الحروب الداخلية لا يوجد أحد منتصر، وهذه نقطة مهمة كي ينطلق منها العراقيين لبناء نظامهم الديمقراطي بعد أن توصلوا لقناعة بقبول بعضهم البعض في الخارطة السياسية للعراق وإدراك بأنه لا يمكن لأي مكون أن يلغي باقي المكونات مع المحافظة علي الاستقرار في البلد.

لو سألت أحدهم من هذه المنطقة عن العقوبة التي يقترحها لمذنب ارتكب جريمة بشعة ستجده يتلذذ بالعقوبة التي يقترحها من إقامة الحد أو القتل تحت التعذيب دون أن يخطر بباله شيء يسمي محكمة أو سلطة قضائية، وهذا ما نقصده بثقافة الديمقراطية التي إذا توفرت في المنطقة سوف تتحول إلي النظام الذي يحقق الرفاهية والعيش الكريم لأبناء المنطقة.

 

 

الزمان 2 – 8 – 2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق