الدرس التونسي من منظور اقتصادي / منير حداد

 نشر البروفيسور "أدموند فيلبس" الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد والأستاذ سيف الدين عموس من الجامعة الأمريكية اللبنانية مقالا في " الفايننشال تايمز" بتاريخ 25 يناير الماضي، بعنوان "إعتاق تونس من طريق العبودية" جاء فيه ما يلي:

"كان لإشعال الشاب محمد البوعزيزي النار في جسده يوم 17 ديسمبر 2010 صدى في كامل التراب التونسي. لقد عمت البلاد الاحتجاجات ضد نظام الرئيس زين العابدين بن علي، و التي تواصلت حتى سقوط هذا الأخير يوم 14 يناير 2011. و كانت هذه المرة الأولى، منذ عقود، ينجح فيها شعب عربي في إسقاط طاغية، ممّا أعاد الأمل للملايين الذين يعيشون تحت أنظمة شبيهة.

إن  الاعتقاد السائد في الغرب هو أن الدول العربية تعتمد في مجملها على صيغة بدائية لاقتصاد السوق. و كلما زادت النقمة الشعبية نتيجة جشع الحاكم و فرضه ضريبة مرتفعة على القطاعات المنتجة، يتم التوصل إلى حل ما لتغيير النظام.

 

هناك الملايين من أمثال البوعزيزي الذين لم يجدوا حظهم لا في سوق العمالة الذي يقع تحت رقابة الدولة ولا في إنشاء مشاريع خاصة بهم

 

كما يسود الاعتقاد بأن هذه الاقتصاديات تعمل بصفة مرضية رغم الرشوة والعمولات التي تساعد الحكام وأفراد عائلاتهم على زيادة دخلهم. لكن اليوم وبدخول الشاب البوعزيزي

 الفولكلور العربي، يجد الغرب نفسه في حيرة من أمره: كيف أدت عملية إضرام شاب النار في جسده إلى كل هذه الاحتجاجات؟

 

كان الشاب البوعزيزي يبيع الخضار في أحد شوارع سيدي بوزيد عندما أقدم البوليس على حجز عربته بدعوى أنه لم يحصل على الترخيص اللازم. وبما أنه لم يكن في مقدور الشاب الحصول على ذلك  فقد تم قطع رزقه، ولم يعد بمقدوره الحصول على أي مصدر آخر للرزق.

تحكم الدولة في تونس بن علي رقابتها على كافة الأعمال – بما في ذلك عربات بيع الفاكهة والخضروات- ولا يسمح للفقراء بمزاولة الأعمال إلا مقابل رشوة تساعد أعوان الدولة على تحسين وضعهم المادي. كما يتم منح الامتيازات لأفراد الطبقة الوسطى بناء على اعتبارات الولاء للنظام القائم، لا المقدرة على إدارة الأعمال. والأسوأ هنا أن الحكام هم طرف مباشر في السيطرة على الشركات العمومية ذات الأهمية.

على هذا الأساس، تصبح المؤسسات الواقعة تحت تأثير الحكومة قوة خانقة للاقتصاد ككل. ومما يزيد الطين بلة تهميش الفقراء وعدم اعتبارهم جزءاً من اقتصاد السوق، مما يمثل مظلمة كبرى في حق هؤلاء الفقراء و يؤدي إلى خسارة كبيرة على المستوى الوطني. فهناك الملايين من أمثال البوعزيزي الذين لم يجدوا حظهم لا في سوق العمالة الذي يقع تحت رقابة الدولة ولا في إنشاء مشاريع خاصة بهم، وبذلك لم يكن بإمكانهم أن يصبحوا أعضاء منتجين في المجتمع.

 

لم يكن فشل تونس في عدم قدرتها على توفير الفرص لشعبها، بل في سحبها لهذه الفرص كما هو واضح من سحب عربة البوعزيزي

 

ويمكن القول إن محدودية الطلب على العمالة ونمو الدخل ناتج عن  حماية المؤسسات القائمة التي تحظى بالدعم الرسمي من الحكومة وأجهزتها، مما مثل حاجزاً أمام دخول الأفكار والمؤسسات الجيدة لدعم اقتصاد البلاد.

توجد اختلافات كبيرة في العالم العربي، من بلد إلى آخر، لكن قبضة الدولة على الاقتصاد نلاحظها في الدول العربية وغير العربية أيضاً. فالمركزية الناتجة عن عدة عقود من السياسات الاشتراكية أدت بدورها إلى عقود من إصلاح اقتصاد السوق. لكن هذه الإصلاحات لم تقلل، على العموم، من الرقابة المركزية على الوظائف المتاحة لعامة الناس. ولعل التغير الوحيد يتمثل في الانتقال من رقابة الأجهزة التابعة للحكومة إلى رقابة تشرف عليها البطانة التابعة لرجال الحكم.

 

لقد لاحظت السيدة هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبوع  الماضي (في الدوحة): 

"عرب كثيرون سئموا فساد المؤسسات وركود النظام السياسي القائم"، لكنها أخفقت في استخلاص الدرس الأهم من أحداث تونس، عندما قالت: "حينما يفتقر الزعماء إلى الرؤية الايجابية ويفشلون في توفير الفرص لمساهمة الشباب، سوف يقفز آخرون لسد الفراغ". لم يكن فشل تونس في عدم قدرتها على توفير الفرص لشعبها، بل في سحبها لهذه الفرص كما هو واضح من سحب عربة البوعزيزي بدعوى أن صاحبها لم يكن حاصلاً على الترخيص. لذلك، فعلى الحكام العرب أن يعدوا العدة لمواجهة هذا البركان الهائج، إذ أن الأنظمة التي تصادر حق شعوبها في الرفاهية والتنمية هي أنظمة لا تستحق البقاء، وعليها ألا تتوقع خلاف ذلك.

 

ما العمل إذاً؟ على الدول العربية العمل على إيجاد البنية المؤسسية المساعدة، بما في ذلك نظام تعليمي أفضل، مع التذكير بأن التعليم ليس كافياً. ففي تونس التي تعتبر دولة رائدة في هذا المجال، توجد بطالة كبرى لدى الشباب حاملي الشهادات. والخطوة الأولى يجب أن تكون الكف عن تقديم المساعدة للشركات الفاشلة التي لم يكن بإمكانها الاستمرار لولا الدعم الذي كانت تحصل عليه من  الحكومة، وكذلك يتوجب الكف عن عرقلة المبادرات الفردية لإنشاء المشاريع، بما في ذلك البسيطة منها". انتهى

لعل أهم ما جاء في المقال أعلاه أهمية أن تعطى الأولوية لوضع حد للعراقيل الحالية أمام المبادرات الفردية، و ذلك بتسهيل نظام التراخيص المعقد، و المسئول حالياً عن عشرات المليارات من الدولارات من المشاريع المجمدة في الدول العربية بانتظار الحصول على تصريح السلطات المعنية، مما ضاعف من أبعاد  الوضع الحالي و ما فيه من فقر وبطالة واحتقان. و بالإمكان  تحقيق ذلك بتعويض نظام التراخيص الحالي بنظام بديل بحيث يقتصر المطلوب على مجرد تسجيل المشاريع الجديدة لدى هيئة مستقلة لغرض جمع الإحصاءات و دفع الضرائب. أي انه يمكن للمستثمر البدء في إنشاء المؤسسة الجديدة بعد فترة معينة إذا لم يتم إبلاغه بعكس ذلك. كما تساعد لامركزية القرار على التقليل من  هذه العراقيل نظرا لمصلحة السلطات الجهوية بتنمية المناطق التابعة لها بالنظر، و يمكن أن يتحقق ذلك من خلال نظام بديل يتم فيه تعيين محافظي الأقاليم عن طريق الانتخاب.

 

عن  موقع إيلاف 8/2/2011

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق