الدفاع العربي الأفضل: إغاثة الملهوف بأكله!

مثال أول: مذيع في إذاعة المنار في أوائل التسعينيات، علق ساخرا على فلم السهرة الأمريكي المنتخب والذي كان عنوانه (القوة دلتا) وتهكم على الدعاوة الفجة وتشويه صورة العربي في الفلم بسذاجة. في الفلم يبادر التركي المسلم الإرهابي إلى أخذ أخته رهينة ووضع السيف على عنقها لإنقاذ نفسه من بطل دلتا الأميركية تشاك نوريس الذي جاء لإنقاذ رهينة أميركية؟

مثال ثان: جاك شاهين أميركي إعلامي لأبوين لبنانيين، 72 عاماً، عمل مستشاراً لشؤون الشرق الأوسط في إذاعة «بي بي سي» البريطانية، هو الآخر، تهكم في عدد من أعداد مجلة العربي يعود إلى أواخر الثمانينات (العدد353) على فلم “الدفاع الأفضل” الذي ظهر 1984 وصوّر في إسرائيل، وتخيل القوات العراقية وهي تقوم بغزو الكويت. تعليق شاهين قال: “إن أي شخص يعرف ولو قدرا ضئيلا من المعلومات، عن الوطن العربي لا يمكن أن يظهر القوات العراقية وهي تصب حممها على الكويت، فالكويت والعراق قطران عربيان جاران، كما أن الكويت لم تطلب أبدا مساعدة القوات الأميركية لمواجهة قوات عربية حليفة و”شقيقة””. الذي حصل أن عراق الاستبداد، أخذ أخته الكويت رهينة، كما في “دلتا” في مقابل تحرير رهينة أخرى هي فلسطين! و نفذ سيناريو الفلم دون أن يكون قد رآه! والنتيجة التي يمكن قراءتها: إما أنها مؤامرة محكمة إلى درجة أنها يمكن أن توصف بأنها قدرية جبرية، أو أنه سيناريو نفذه العراقيون الدمى أو المنومون مغناطيسا بنزاهة منقطعة النظير، أو أن صورة العربي المشوهة في هوليود صارت تتصل ببعض الحقيقة في حقبة الاستبداد.

خطف الأجانب السائحين الملهوفين و”إكرام الضيوف” غدا تقليعة في اليمن، وقد يكون في خطف الضيف السائح، الذي جاء بعملته الصعبة، وبكينونته الأصعب، “وجاهة قبلية” خاصة عندما ينتمي لدولة حليفة لإسرائيل مثل الصحفي البريطاني آلان جونستون المختطف رهينة في غزة. الأجانب الذين ينتمون إلى ديمقراطيات عريقة ليسوا على دين “ملوكهم”، فالملوك العضاضون ذوو الأنياب انقرضوا في أوروبا! لكن كيف إذا كان العربي يخطف أخاه العربي لإنقاذ أخيه العربي أو إنقاذ نفسه. الواقع الحاصل أن العربي الحالي هو احد اثنين: خاطف أو رهينة، تحت الاحتلال الأجنبي أو تحت “الاحتلال الوطني”. دليله في ذلك أمير مكيافيلي الذي لا تتناسب أطروحاته مع أخلاقنا: (الغاية تبرر الرهينة) ، نطالب بالكويت مقابل فلسطين، وبمزارع شبعا والجولان معا أو فلتبقيا تحت الاحتلال، ونطالب بالأندلس إن حوصرت حلب.. من قبلنا!

الرهينة “السوداء” غريبة عن التراث العربي، وأشهر مثالين هما اللذان يضرب بهما المثل، الأول في الوفاء والثاني في العفو والإحسان. الأول هو السموأل بن عادياء الذي ضرب به المثل في الوفاء (وكان من وفائه أن امرأ القيس لما أراد الخروج إلى قيصر استودعه. فلما مات امرؤ القيس غزاه ملك من ملوك الشام، فتحرز منه السموأل، فأخذ الملك ابناً له وكان خارجاً من الحصن، فصاح الملك بالسموأل، فأشرف عليه فقال: هذا ابنك في يدي وقد علمت أن امرأ القيس بن عمي ومن عشيرتي، وأنا أحق بميراثه، فإن دفعت إلي الدروع، وإلا ذبحت ابنك. فقال: أجلني، فأجله. فجمع أهل بيته ونساءه فشاورهم، فكل أشار عليه أن يدفع الدروع ويستنقذ ابنه. فلما أصبح أشرف عليه وقال: ليس إلى دفع الدروع سبيل؛ فاصنع ما أنت صانع. فذبح الملك ابنه وهو مشرف ينظر إليه، ثم انصرف الملك بالخيبة فوافى السموأل بالدروع الموسم فدفعها إلى ورثة امرئ القيس)

المثال الثاني هو النبي يوسف الصديق عليه السلام الذي يرويه ابن عباس:

(قال يوسف للترجمان قل لهم: لغتكم مخالفة للغتنا، وزيكم مخالف لزينا، فلعلكم جواسيس، فقالوا: والله! ما نحن بجواسيس، بل نحن بنو أب واحد، فهو شيخ صديق، قال: فكم عدتكم؟ قالوا: كنا اثني عشر فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك فيها، قال: فأين الآخر؟ قالوا: عند أبينا، قال: فمن يعلم صدقكم؟ قالوا: لا يعرفنا هاهنا أحد، وقد عرفناك أنسابنا، فبأي شئ تسكن نفسك إلينا؟ فقال يوسف: ’ائتوني بأخ لكم من أبيكم’ إن كنتم صادقين، فأنا أرضى بذلك “ألا ترون أنى أوفي الكيل” أي أتمه ولا أبخسه، وأزيدكم حمل بعير لأخيكم” فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي”.
وجاؤوا به، فالتم شمل العائلة ونهاية القصة سعيدة ومعروفة.

إذا تلفتنا حولنا لن نجد في تفاصيل حياتنا، صغرى وكبرى، سوى تطبيقات لهذين المثالين : الموظف يرهن “الدروع” الورقية للمراجعين مقابل رشوة، والقاضي يؤجل البت في القضية مقابل “إكرامية” والحكومة “الحكيمة” ترهن الديمقراطية رهنا كاملا أو قد تسمح لها بساعات “تنفس” في أفضل الحالات العربية، بانتظار تحرير القدس. حتى النضال والجهاد ضد إسرائيل يصير “رهينة” غير مسموح لكم بالجهاد ومسموح لنا: بلغة الحزب العربي “المختار” الذي يحتكر المقاومة لنفسه!

إن مسمى الرهينة قد يكون لطيفا بالمقارنة مع القتل غير المباشر، القتل بالوشاية، أن يشي مواطن بأخيه الرهينة من أجل طرفة قالها، أو لفظة غاضبة، أو عدم مشاركته في “المسيرة العفوية”، نكاية به أو انتقاما لتعب الواشي و”نضاله” في الهتاف “العفوي” للسلطة.

خطة الدفاع الأفضل، صارت منهجا للنظام العربي، والمجتمع العربي اعتنق “دين العض”، الوصفة الفضلى لاستمرار الاستبداد و”الاستقرار”، الدفاع الأفضل ضد التغيير والحلم والمستقبل.

عودا إلى مثال دلتا: أقسى حالات الرهن هي تقليد الحاكم العربي لسيناريو دلتا، وأخذ مجتمعه رهينة، وقوله للغرب: انظروا! حولت مجتمعي إلى آلة، اتركوني أحكمه أو أطلق، بضغطة زر، هذا الشعب المتدين الراغب عن جحيمي الأرضي في الجنة السماوية على ربيبتكم إسرائيل.

هوليود تشوه صورة العربي في السينما، العربي يشوه صورته في الواقع.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق