الدكتور رشيد الخيون : تبقى تجربتي ذرة من المتراكم من تجارب العقلانية في تراثنا الفكري والعقلي

رشيد الخيون

“عندما بدأت بالكتابة في شأن التاريخ والتراث الفلسفي والفكري والسياسي لم يدر بخلدي أني سأشكّل خطورة ما، أو أن هدفي هو توجيه النقد إلى تلك الأُصوليات. وإنما وجدت نفسي متوافقاً بل ومتصالحاً مع هذا النوع من الكتابة. بمعنى جاء بحثي عن الروايات التي تهزّ من تلك الأصوليات من وحي البحث عن الممنوع والمحجور لا للتصدي. ولا أدّعي، بطبيعة الحال، تبنّي مشروع مستقلّ، بل وليس لأحد أن يدّعي مثل هذا الادّعاء، فالمشروع عمارة معقدة لا يحققها معمارُ واحد، إنّما هو جهود شبكة من العلاقات والرؤى تصبّ في مجرىً واحد”..
هكذا يرى الباحث التراثي الدكتور رشيد الخيون وهو كاتب وباحث عراقي في شؤون التراث الإسلاميّ، أكمل دراسة التعليم والتربية (دبلوم)، والدراسة الجامعية (بكلوريوس) في الفلسفة، والدراسة العليا (الدكتوراه) في الفلسفة الإسلامية. درس في المدارس الإبتدائية 1976-1979(العراق)، ثمّ المدارس الثانوية (اليمن) 1980- 1992، إدارة ديوان الكوفة (1993-2006)، وهو مركز ثقافي بلندن. ومحرّر ثقافيّ في جريدة المؤتمر (2000-2003)، وعمل باحثاً في تلفزيون الحرّة (2004-2005). كتب في مجلات عربية عديدة: النهج، المدى، الثقافة الجديدة، العرب السعودية، عيون، الديمقراطية المصرية، أدب ونقد المصرية، وأبواب اللبنانية، وكاتب صفحة تراث في مجلة المجلة (2000-2001). حالياً يشرف على طلبة الشهادات العليا في مركز الدراسات الإسلامية العالي (الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية-لندن)، وعضو هيئة تحرير، وباحث في كتاب مسبار الشهري، المختص بالحركات الإسلامية المعاصرة، والذي يصدره مركز مسبار للدراسات والبحوث بدولة الإمارات العربية المتحدة. وكاتب مقال أسبوعي في جريدة الشرق الأوسط ومن كُتاب جريدة المدى.

صدرت له المؤلفات التالية:

مذهب المعتزلة من الكلام إلى الفلسة، دار النبوغ- بيوت 1994. تلخيص البيان في ذكر أهل الأديان (تحقيق) دار الحكمة-لندن 1994. معتزلة البصرة وبغداد (طبعتان) 1997و1999. جدل التنـزيل (تاريخ خلق القرآن) دار الجمل-كولون 2000. هل انتهت إسطورة ابن خلدون جدل ساخن بين الأكاديميين والمفكرين العرب (كتاب مشترك)، القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر 2000. الأديان والمذاهب بالعراق، كولونيا: دار الجمل، (طبعتان): 2003، 2007. حروف حي، تاريخ البابية والبهائية، كولون: دار الجمل، 2003. كتاب مندائي أو الصابئة الأقدمون (تحقيق) دار الحكمة-لندن 2003. المختار من أدب المغتربين العراقيين (كتاب مشترك)، اعداد صلاح نيازي، لندن: مؤسسة الرافد 2004. المباح واللامباح (فصول من التراث الإسلامي) دار مهجر-بوسطن 2005. المندائيون في الفقه والتاريخ الإسلاميين، بغداد: إتحاد الجمعيات المندائية 2005. خواطر السنين. مذكرات الدكتور محمد مكية (تحرير) دار الساقي- بيروت 2005. المشروطة والمستبدة (تاريخ الحركة الدستورية بالعراق وإيران وتركيا)، بيروت: مركز الدراسات الاستراتيجية 2006. طروس من تاريخ الإسلام، بيروت: الانتشار العربي 2007. المجتمع العراقي 20، بيروت : مركز الدراسات الاستراتيجية 2008 وكتاب الأحزاب الدينية بالعراق، تحت الطبع. وقد اجرينا هذا الحوار معه :

العلمانية تمثّل فصل الدين عن الدولة. والسؤال: أنّه بعد التجارب المرّة، التي مارسها الدين السياسي طيلة قرون، ألا تشكّل رؤيتكم قطيعة أبدية للاستبداد المقيت بفعل أدلجة الدين؟

نعم، العلمانية هي الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، أي دعوة إلى عدم تسييس الدين، وهي مأخوذة من العالم، بمعنى الدنيا، وليس من العلم مقابل الدين. وأعتقد أنّ الحديث النبويّ “أنتم أعرف بأمور دنياكم” هو مقدّمة إلى تلك العلمانية. وأنّ جواب الإمام علي بن أبي طالب للخوارج، عندما رفعوا شعار: “لا حكم إلا لله”، كان مقدّمة أيضاً لتلك العلمانية، وأنّ هناك أكثر من سبعين آية قرآنية أشارت إلى العلمانية، كما ندعو لها نحن اليوم: “لست عليهم بمسيطر”، “لا إكراه في الدين” وغيرهما. إنّ اتهام العلمانية بالإلحاد، على ما اعتقد، من بنات أفكار الإخوان المسلمين، وعنهم أخذته بقية أحزاب الإسلام السياسيّ، سُنَّة وشيعة. فالتكفير هو السلاح الأمضى بيدهم، والمؤثّر الأسهل في عقول البسطاء، وهو محاولة لاحتكار الله والدين، والحقيقة هم يحاولون فرض منهجهم السياسي، مثلما يريدون، وعلى ما يشتهون. مع أنّ كلمات الله واضحة وبائنة بأنّ الناس يبقون مختلفين، وأنه سبحانه أرادهم كذلك، فبأيّ حقّ يريدون فرض إسلامهم السياسي على البشر؟

لذا أجد في أدلجة الدين قطيعة مع الحرية والديمقراطية، تلك التي ما اقترب منها الإسلام السياسي إلا اقتراب المضطرّ لتناول لحم الميتة، مثلما اعترف بهذه الحقيقة أحد أقطاب الإسلام السياسي بالعراق اليوم. ولو استطاعوا تحقيق مآربهم السياسية بلا ديمقراطية ما تحدّثوا عن الديمقراطية، وما لجأوا إليها. أرى أنّ الدولة الإسلامية تاريخياً كانت دينية المظاهر، وعلمانية الجواهر،. فالدين لا يتمكّن من حلّ المعضل الاقتصادي والاجتماعي بقدر ما يبقى روحاً ترفرف باسم الله كضمير اجتماعي يحرس ويدفع نحو الفضيلة، وليست له إدارة البنوك والمصارف. ومَنْ تحدّث عن نظرية إسلامية في الحكم عليه أن ينظر إلى تلك القرون الطويلة، ألم يظهر رجال حرصوا على قيام الدولة الدينية قبل الإسلام السياسي المعاصر؟ فما علّة الفشل؟ أليست العلّة في غياب النظرية، لأنّ الله لم يشأ أن تتأسّس دولة باسمه يديرها الإخوان المسلمون، ثمّ تديرها جماعة طالبان؟ ومَنْ يجادل بالمثل الإيراني عليه أن يتعمق بتجربة هذا النموذج، فسيجد أنها مظهر دينيّ وجوهر علمانيّ، ومع ذلك هناك قلق من التجربة، التي دفعت الناس إلى إعادة النظر حتى بالتدين الشخصي، وكيف نزل رجل الدين في أعينهم كل هذا النزول.

نقد الدين السياسي بفعل الرواية التاريخية شكّل تحدّيا كبيرا من قبلكم، ترى، ماهي الأسباب التي عززت النجاح الذي برز بشكل واضح من خلال لإقبال القارئ على نتاجكم؟

– لا أدري، هل هناك نجاح أم لا! لكن، الذي أدركه أنه منهج مناسب لثقافتنا، وإرثنا الحضاري. وبالتالي تكويننا العقلي. فكما هو معلوم، نحن أمّة مازالت، وستبقى، مشدودة العاطفة للأطلال، ومأخوذة ببريق الماضي. وعندما تريد التأثير لا بدّ من التعامل مع ذلك الماضي وتلك التركة. ومعلوم، أنّ الدين السياسي واحد من نتاجات تلك التركة. إضافة إلى ذلك، أجد الماضي الإسلامي، على وجه التحديد، أكثر انفتاحاً من حاضره، فهناك نصوص دينية تجعل الإنسان أكثر حرية، وأكثر إشراقاً ، بينما يحاول الدين السياسي اليوم كبحها عبر التفسيرات والإضافات التي وضعت في الحديث النبوي، وما زاده الفقهاء من وعّاظ الأحزاب الدينية، أو لنقل السلاطين، والعبارة مقتبسة من عنوان العلاّمة علي الوردي “وعّاظ السلاطين”.

أقول: هل هناك، على سبيل المثال لا الحصر، أمر قراني بحجاب شعر المرأة؟ أم أن النص الذي ورد في سورة “النور”، وبقية النصوص، التي خصّت العفّة والحشمة، ركّزت على النحور، بل جعلت الحجاب، من دون غطاء الرأس، محصوراً بالنساء الحرائر من دون الإماء. بمعنى أنّ الحجاب ماهو إلا زيّ كبقية الأزياء للتمييز بين الناس، وهنا جاء للتمييز بين الحرّة والأمة. لكن، ماذا حدث؟ حدث أن جعلوا الشعرة من رأس المرأة عورة؟ ولجأوا إلى النقاب، الذي يُلغي شخصية المرأة تماماً. وأعتقد أن هروب خطيب، أو رئيس الجماعة، المعتصمة بالمسجد الأحمر بباكستان في زيّ متحجبة، مثلما جاء في وسائل الإعلام مؤخراً، دليل على أن هذا الزي يستخدم لإلغاء الهوية!

أجد عائشة بنت طلحة بن عبيد الله ناطقة بلسان بنات عصرها، القريب من عصر النبوّة، اللواتي تطلعن إلى الحرية من الحجاب، الذي فرضه الرجال ولم يفرضه الدين. قيل: خرجت عائشة من خدرها سافرة الوجه، وهي ابنة صحابي كبير، ومن المبشرين بالجنة على حدّ عديد المرويات وأحد المستشارين الستة لاختيار الخليفة بعد مقتل عمر بن الخطاب، كذلك هي زوجة قائد معروف، لو نجح لأصبح بعد أخيه خليفة المسلمين، هو مصعب بن الزبير بن العوام. خرجت، وهي من الحرائر لا الإماء، ولمّا لامها أسياد القبيلة قالت: ليس بيَّ من عيب أخفيه! عموماً، أجد الرواية التاريخية الناطقة هي أكثر حيوية وإقناعا في نقد الدين السياسي، لأنها الأقرب من زمن التشريع القرآني والنبوي، وهي الأقرب من حياة التقاة وزعامات المذاهب. فما مارسه الخلفاء والأئمة لايُردّ من قِبل الأتباع بسهولة.

أرى أنّ تجربتكم العقلانية في نقد الأصولية الإسلامية قد تعرّضت لتهديد ونقد قاسيين، فهل تفكرون بالتراجع، أو الخضوع للأمر الواقع، وما تشكّله تلك الأُصوليات حالياً من سلطة وانفراد بالقرار السياسي؟

حقيقة، عندما بدأت بالكتابة في شأن التاريخ والتراث الفلسفي والفكري والسياسي لم يدر بخلدي أنّي سأشكّل خطورة ما، أو أنّ هدفي هو توجيه النقد إلى تلك الأُصوليات. وإنما وجدت نفسي متوافقاً بل ومتصالحاً مع هذا النوع من الكتابة. بمعنى جاء بحثي عن الروايات التي تهزّ من تلك الأصوليات من وحي البحث عن الممنوع والمحجور لا للتصدّي. ولا أدّعي، بطبيعة الحال، تبنّي مشروع مستقلّ، بل وليس لأحد أن يدّعي مثل هذا الادّعاء، فالمشروع عمارة معقّدة لا يحقّقها معمارُ واحد، إنما هو جهود شبكة من العلاقات والرؤى تصبّ في مجرىً واحد. وكذلك الأصولية ليست عائدة لمؤسّس واحد، إنما من سلسلة من المؤسّسين أو المراجع. أما الخطورة فليس لي تقديرها على شخصي أو كتابتي، رغم ما يصلني من تهديدات واعتداءات كلامية وكتابية، بقدر ما ألمح أضرارها على الحياة المعاصرة في مجالاتها كافة، من السياسة والاقتصاد والثقافة، وعلى الإنسان بكل ما يمثله من وجود في هذه الدنيا. بعبارة مختصرة إنها إلغاء لكل جميل بما فيه العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، لأنّ تلك الخصوصية تتدخل في خصوصيات الإنسان كافّة من غسل اليدين والطعام والمنام إلى صناديق الانتخاب، وبيدها مفاتيح الجنة والنار. والسؤال إذا كانت الدنيا مهانة لديهم إلى هذا الحدّ، من التزهيد بها، لصالح الآخرة دار الخلود فلماذا هم يتكالبون عليها كلّ هذا التكالب؟

عموماً، تبقى تجربتي ذرة من المتراكم من تجارب العقلانية في تراثنا الفكري والعقلي وحاضرنا، من وجوه تصدّت للاندحار الفكري، ومنهم مَنْ قضى نحبه ومنهم مَنْ ينتظر، بداية من المعتزلة وإخوان الصفا، وما صنفه أبو حيان التوحيدي، ومن قبله الجاحظ، وتجارب المؤرخين، الذي لم تمنعهم عصورهم من قول مالا يُقال اليوم، بل ومَنْ يرويه عنهم عليه تحسّس رأسه إن كان مازال منصوباً على كتفيه أم لا!

لم أبدأ الكتابة، كما أسلفت، قصد التصدي لهذا أو ذاك، لكني كابن لهذا العصر، وكوريث حضارة عريقة، شأني شأن أيّ عراقي من المثقفين أو سواهم، وجدت نفسي في الضفة الأخرى المواجهة لتلك الأصوليات، وعلى المرء أن يذكر فضائل ما مر عليه وما أعانه من تجارب وشخصيات.

كانت لقراءة المفكر المصري سلامة موسى، والذي أظن أنه توفى في نهاية الخمسينات من القرن المنصرم، أثر في الذاكرة، وفي التوجّه، وعلى وجه الخصوص كتابه “عقلي وعقلك”. كذلك قراءة ماجمعه الجاحظ في “البيان والتبيين”، وقصص المغامرات الأدبية والعلمية. ثم الارتقاء إلى قراءة كتب اليسار الماركسي، فمَنْ يقرأ “ديالكتيك الطبيعة” لأنجلز مثلاً يبدأ في الانفتاح بل الجرأة على قراءة كتب أخرى. ومَنْ يقرأ تراث وحياة السيد هبة الدين الشهرستاني يكسر طابع الخوف والتردد، والرجل كتب معارفه في زمن عصيب ومتردٍ، في مطلع القرن العشرين، وكذلك تدفع أفكار الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء الجريئة إلى الإصرار على اعتراض قطار الأصولية الجارف. كل هذا له أثره وحضوره في العقول ناهيك مما كتبه علي الوردي، وحسين مروة، وهادي العلوي، وما وصلنا من الحزب الشيوعي العراقي من تأكيد على القراءة، بل التعليم أو التدرّب على هضم تلك المعارف وتقديمها للغير على شكل محاضرات أو مجاميع ثقافية.

لا أعتقد أن الأصوليات منفردة الآن بالقرار السياسي، أقولها ليس من باب الاستهانة بقوتها، وبكثافة الأتباع. بل لأنها مفتقرة إلى إمكانية هذا الانفراد على مستوى إدارة الدولة وتوجيه الاقتصاد والفكر والثقافة، والتعليم إلى غيرها من المجالات. والسبب أنّها تفتقر إلى الفكر والنظريات والتجارب على مستوى التعامل بالسياسة كسلطة وإدارة لا كمعارضة. ومعلوم أنّ كل جماعة قادرة على المعارضة والتشهير بالسلطة، لكن ليس الكل قادرا على السلطة والإدارة. ولا يخالجني الشك في إمكانية تراجع تلك الأصوليات، وعلى وجه الخصوص بالعراق، حال توقّف العنف، وضمان حرية الكلمة، ومواجهة حاجات الناس وجهاً لوجه دون قناع التحجج أو التعذر بالحالة الأمنية وتركة النظام السابق، التي لن تستمر شماعة يُعلق عليها الفساد المالي وتبني العنف طريقة في الاستحواذ على المجتمع والدولة.

شكل لجم ابن حنبل من قِبل المأمون ظاهرة عقلانية في زمنها، لترسيخ إسلام يتّجه إلى العلم والفلسفة بعناية علماء الكلام من المعتزلة. ألا تعتقد بأنّ صورة الماضي العقيم بالاعتماد على النص الخالص قد عاد من جديد كمشهد غير واقعي، ومعاش حالياً؟

قبل الإجابة على السؤال لا بدّ من التبسّط قليلاً بما كان بين ابن حنبل والمأمون، وهما من أعيان القرنين الثاني والثالث الهجريين، وعاش ابن حنبل بعد المأمون ثلاثا وعشرين سنةً، أي حتى السنة 241 من الهجرة. باعتقادي أنّ هناك ثلاث فترات تقدم فيها العصر العباسي، حيث عاش ومات ابن حنبل، فكرياً وثقافياً إلا أنها لُجمت لجماً يكاد يكون مطبقاً، وابن حنبل كان بطلها، في حياته وفي مماته، مثلما راعت الروايات ذلك. الأولى: أتمّ الوزراء البرامكة ما بدأه الأمير الأموي خالد بن يزيد والخليفة العباسي أبو جعفر المنصور من العمل في الترجمة، ومحاولات الإطلاع على تراث الثقافات الأخرى غير الناطقة بالعربية، حتى عجّت مجالس البرامكة بالمناظرات والمجادلات الفكرية، وما أن نُكب هؤلاء على يد الخليفة هارون الرشيد إلا ونوديَ على أصحاب الحديث، وكان في مقدّمتهم ابن حنبل، فسجن أكثر المتكلمين ومُنع الجدل والكلام في شؤون الفلسفة وغيرها.

بعد ذلك تقدّم المعتزلة في أيام المأمون، وقيل الخليفة نفسه صار إلى الاعتزال، وفي داره تجد المتكلم المعتزلي ثمامة بن أشرس متنفذاً، وشُجع النظر والكلام والتأليف والترجمة تشجيعاً منقطع النظير، وبما أن الاستبداد آنذاك كان سيد الموقف استخدمت الشدة ضدّ الخصوم، وأهل الآراء المغايرة الأخرى. وماهي إلا سنوات حتى يعتلي جعفر المتوكل السلطة فيقوم بتقريب ابن حنبل وأهل الحديث ويقمع المعتزلة وكل ذوي الفكر العقلي. وبطبيعة الحال كان الفقهاء أو القضاة الحنفيون، وإن كانوا هم أهل رأي وفي خلاف مع أهل الحديث، إلا أنهم أصبحوا ضمن هيكل السلطة، وابتعدوا كثيراً عن مواقف المؤسس الإمام أبي حنيفة النعمان. ثم أتت الفترة البويهية وهم وأشرافها كانوا على مذهب يمكن وصفه بنصف معتزلي، حيث كانوا شيعة زيدية، ففتحوا المجال من جديد للمناظرات والجدل، ولم يقمعوا أرباب المذاهب الأخرى، فرغم أنهم كانوا سلاطين بغداد، وتنفيذياً أكبر من الخلفاء سلطةً إلا أنهم أبقوا على القضاة الشافعيين ولم يضطهدوا أو يواجهوا الحنابلة بشيء.

وقبيل تلك الفترة ظهر الانشقاق الأكبر في الفكر المعتزلي ليظهر من رحمه المذهب الأشعري، وهو المائل من ناحية الأصول إلى ابن حنبل، رغم أن مؤسّسه أبا الحسن الأشعري كان معتزلياً. ورغم هذا الميل اشتدت المعارك بين الأشعريين والحنابلة، وهنا تفرعت الساحة الفكرية إلى ثلاثة مذاهب: المعتزلة، الأشعرية، والحنبلية. ومع ذلك استوعبت مجالس البويهيين هذا الخلاف. وماهي إلا فترة ويدخل السلاجقة بغداد، ويحيلونها إلى سيادة المذهب الواحد في الثقافة والتعليم، بعد أن تخلوا عن المذهب الحنفي لصالح المذهب الشافعي، الذي أصبح ثنائياً مع الأشعرية، بل ارتبط مذهب السُنَّة والجماعة بعقيدة الأشعرية، في رفض نفي الصفات، ورفض خلق القرآن، وكذلك نفي القدر، والتمسك بالنصوص على حساب العقل، أو التمسك بالنقل على حساب العقل، وغيرها من مقالات أتى بها المعتزلة. وأبرز مظاهر السلاجقة الاستبدادية في الثقافة هي المدرسة النظامية، التي أنشأها وزيرهم الأثير لديهم نظام المُلك، وكانت على مذهب الشافعي في الفروع، أي في الفقه، والأشعري في الأصول، أي في العقيدة.

هذا مستهل طويل يفضي إلى إجابة قصيرة على سؤالك. لقد عاد النص من جديد يطارد العقل في أيامنا ذات المظاهر الأصولية، أو السلفية. بل عبر نصوص مشوهة لبست تلك التي تبناها ابن حنبل أو الأشعري، وإنما تقود إلى تخلف وتقوقع مريعين، حيكت في فترات التطاحن المذهبي السياسي بين العثمانيين والصفويين، ومن قبلهم صراعات الأمراء والسلاطين. بل هناك من الممارسات التي لا تجدها حتى وراء التاريخ. بل بالمعادلة تجد هناك التطور العلمي الهائل في الاتصالات والأدوات والعقول يقابله وبالعمق نفسه، لكن باتجاه معاكس إلى الأسفل، تراجع وتدهور. ومَنْ يراقب الشارع العراقي في هذه الساعة سيجد الاندحار الفكري والثقافي عميقاً في عقول الملايين.

وبطبيعة الحال، فإن الأحزاب والجماعات الدينية تحاول قدر الإمكان المحافظة على هذا المستوى من الوعي، لأنه الضامن الوحيد لبقائها على هرم السلطة تحت عباءة الديمقراطية. واعذرني إذا قلت إنها عودة عجيبة وشديدة المراس، ولا تقاس بها أي فترة من فترات الانحطاط. إلا أن لجامها هو مواجهة الناس للواقع، ولا يتم ذلك إلا بعد انحسار العنف، وانتعاش الحرية ولو شكلياً بما تسمح به مظاهر الديمقراطية التي يدعونها. كما أن للعراق رصيدا من التاريخ الحضاري والثقافي لا أعتقد أنه ذهب سدىً، بل هو كامن في الماء والتراب والنفوس، كمون النار في العود على حدّ مقالة الفيلسوف المعتزلي إبراهيم بن سيار النظام.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق