الديــــــــن والسياســـــــة

إنّ مبدأ حرية المعتقد يفرض حتما احترام معتقدات الآخر، وتعلّقه بأساطير الأولين، وإن نسفت الأبحاث الجديدة كثيرا منها، وبرهنت أنّ النصوص قد امتزجت بها، وزادها الخيال الشعبيّ على مرّ العصور تشعّبا وانتشارا، فأصبح من العسير التمييز بين الحقيقة التاريخية والأسطورة، ومهما اختلطت الحقيقة التاريخية بالأسطورة فإنّ المؤمن بحرية المعتقد يحترم حجّ البابا إلى ما يسمّى بالأماكن المقدسة، وإتباع مناسك معيّنة، ووقوفه على جبل نيبو بضواحي مدينة عمان متأمّلا من بعيد في مدينة القدس، كما فعل النبيّ موسى قبل أكثر من ثلاثة وثلاثين قرنا، ولا أدري: هل إنّ البابا متأكد فعلا أنّ النبيّ موسى وصل هذا المكان فعلا؟

كلّ هذا ليس مهمّا، وللمؤرّخين وجهة نظر أخرى حول هذه الأساطير، ولكن أن تزعم القيادة البابوية، أنّ زيارة بنيديكتوس السادس عشر هي زيارة دينية بحتة تهدف إلى دعم أسس التعايش والتسامح بين الأديان السماوية، ولا علاقة لها بالسياسة، فذلك قول لا يصدّقه أحد.

إنّه من المعروف أنّ البابا الحالي قد انكبّ طوال حياته على دراسة قضايا اللاهوت، وما يقترن بها من تعقيدات وتأويلات هي أقرب إلى التبرير منها إلى البحث، ومتعة اكتشاف الحقيقة، فهو ليس مثل سلفه الذي علّمه نضال شعبه ضدّ الاستبداد الستاليني فنون السياسة وخفاياها، ولكنه يعلم جيّدا أنّ المؤسسة البابوية غارقة إلى الأذقان في مستنقع السياسة منذ أن انحرفت المسيحية عن أهدافها الإنسانية النبيلة، ونصّب نفسه الكهنوت الكنيسي ناطقا باسم الله والمسيح معا.

ما معنى القول في الزمن الراهن، وبعد أسابيع قليلة من محرقة غزّة، أنّ زيارة شخصية عالمية ذات تأثير بعيد المدى في أوساط المسيحيين لا علاقة لها بالسياسة، في الوقت الذي حاصرت فيه السياسة الإسرائيلية الزيارة، وضبطت برنامجها، وحاولت توظيفها، ولكن من حسن الحظّ أنّ الوعي قد عاد إلى البابا في الأيام الأخيرة من الزيارة، فتدارك أخطاء التصريحات الضبابية والمتجاهلة لمأساة الشعب الفلسطيني، أدرك أنّه لا يمكن أن يزور متحف المحرقة اليهودية، وأن يندّد بمقترفيها من أبناء جلدته النازيين، ويصمت عن محرقة القرن الحادي والعشرين التي ارتكبتها في غزّة إيديولوجية عنصرية أخرى؛ الإيديولوجية الصهيونية، وهي تلتقي في لبّها مع إيديولوجية النازيين، وأدرك كذلك أنه لا يمكن السكوت عن محنة شعب يفصل جدار العار الإسرائيلي بين مدنه وقراه، بل قل بين أحياء المدينة الواحدة، ويفرّق بين أفراد الأسرة الواحدة، وهو الذي عاش عن كثب مأساة شعبه لمّا فصل جدار برلين بين أحياء المدينة.

تشجّع البابا في خاتمة المطاف، مفيدا من شجاعة الشعب الفلسطيني، وفي مقدّمته رهبانه الصامدون في وجه الآلة العسكرية الإسرائيلية، معلنا في بيت لحم والناصرة، أنه لا يمكن الفصل بين الدين والسياسة في منطقة متفجّرة منذ ما يربو عن ستين عاما.

وعندما نعود إلى جوهر القضية الفلسطينية نجده جوهرا سياسيا أوّلا وأخيرا، فالمشكلة هي مشكلة احتلال أراض بالقوة، وتشريد شعبها، والسعي إلى الهيمنة على الأقطار العربية المجاورة لفلسطين، بل قل السعي إلى تزعم منطقة الشرق الأوسط بكاملها بحجّة أنّ إسرائيل هي الممثّلة لحضارة الغرب في المنطقة.

إنّ زيارة البابا للأراضي الفلسطينية، وما رافقها من تعليق وجدل في الإعلام الدولي، تكشف مرّة أخرى أنّ سعي فلاسفة الأنوار قبل ما يزيد عن قرنين لتحقيق الفصل بين السياسة والدين ما يزال حلما صعب المنال، ولكن لا بدّ من مواصلة العمل من أجل عقلنة هذه العلاقة، وبخاصة من أجل إماطة اللثام عن محاولات استغلال الدين للسياسة، وتسخير السياسة للدين خدمة لأهداف النظم السلطوية بصفة خاصة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This