الديكتاتور العربي أمام قبوره: انتبِهوا لأن أعداءكم كُثُر وأذكياء / عقل العويط

بكل صراحة، يقف الكاتب أمام الكتابة عن الثورات العربية، كأنه أمام طوفان، بل في طيّاته، حيث على ما أعتقد، لا جدوى من القيام في مثل هذه اللحظة الحاسمة بأيّ شيء، سوى الانضواء فيه انضواءً يفضي الى الجسد الأخير، أو النشوة المطلقة. وكلاهما نشوة.

يسأل الكاتب نفسه: في لحظة الطوفان هذه، الجارية أمامي، والمتواصلة فصولها، هل أعيش اللحظة أم أكتبها؟ وإذا عشتها، فأيّ امتياز في أن أكون محض شخص يختبر الحدث بحواسه وأفكاره والمشاعر فحسب؟ وإذا أردتُ أن أكتب اللحظة، فهل أستطيع أن أزاحم "الكمال" الذي تنطوي عليه؟ هل أستطيع أن أنافسه، أن أنتصر عليه، فآتي بـ"كمال" موازٍ، إنساني، أدبي، سردي، فني، ثقافي، تفكيري، أو أكثر؟

ما يطرحه الكاتب على نفسه من أسئلة، يسأله الشخص المتورّط في الحدث، المتماهي معه، وتسأله الصورة نفسها، والريبورتر، والمصوّر الصحافي والتلفزيوني، والرسّام، والسينمائي، وهلمّ!

بكل صراحة، أقول: أسكن الطوفان هذا، منذ البدايات الاولى لـ"ثورة الياسمين" في تونس، مروراً بثورة مصر، وصولاً الى ليبيا والبحرين واليمن، والى آخره. بل أقول إن الطوفان هو الذي يسكنني، حتى لأشعر بأني خادمه وتابعه وطفله ومرآته وسفينه وبركانه وشظاياه وكبريته وأمواجه. وبأنه إنما يتحقق من أجلي بالذات. فضلاً عن كونه يتحقق، من باب أولى، إكراماً لأحلام كل هذه الشعوب العربية المدعوسة منذ أجيال، والمنتفضة، على أتمّ ما ينطوي عليه الانتفاض من تحقق المستحيل.

حتى لأقول، تيمّناً بإلسا تريولي، إن الحالم الحقيقي هو الذي يحلم بالمستحيل. فإذا كان المستحيل يتحقق في أكثر من مكان عربي، فهل هناك شيء آخر نحلم به، يكون أبعد منالاً من هذا المستحيل المتحقق؟! أسمّيه الطوفان العربي، لكنه الحلم مجسَّداً، حتى لأسمعه يقول لي: ها أنذا قد تجسدت، وها أنذا أواصل التجسد بلا هوادة. فماذا تريد أكثر؟!

 

***  

 

 

أكتب مقالتي هذه بصراحة طفولية منذهلة، خائفة، "غير مصدّقة"، معتقداً أنها الأقرب الى "منطق" ما أنا فيه، كإنسان عربي. فقد كانت الأرض طوال حياتنا العربية الممهورة بالتوق المقهور، مشقوقة نصفين متضادين، واحداً للواقع وآخر للحلم. لكنها الآن، في لحظة الطوفان، ملتحمة التحاماً عضوياً، حتى ليعجز المرء عن العثور على أثر للشقّ المهول الذي كان يفصل الحلم عن الواقع.

هل هو الطوفان، أم وهمه؟ هل هو الحلم أم واقعه؟ هل هو الواقع أم حلمه؟ هل هو المستحيل أم أعجوبته؟!

صورة الحلم – الواقع، والواقع – الحلم، كاملة أمامي، أو هي ستكتمل بعد قليل، أو بعد كثير. لا شيء يستدعي منّي أن أتوق أكثر، وأن أطلب أكثر. فها هو المستحيل متحققاً.

لستُ في اليقظة إنما في النوم. لستُ في النوم إنما في اليقظة. لم يعد ثمة فاصل بين النوم واليقظة. وها أنا أحلم بكل شيء، وأعيش كل شيء. هل أحلم أم أعيش؟ صدِّقوني، لا أعرف. فإذا كان حلماً، فإن ما أحلم به أعيشه، وأراه، وأشعره، وأملك كل تفاصيله ومعطياته، وأكادني أقول، أندمج في طوفانه، وأنخرط فيه، بحواسي وأحلامي وأفكاري ورغباتي، حتى ليصيرني وأصيره.

هل هذا معقول؟! يا هو يا جماعة، هل أنا مصاب أم سليم معافى؟! لستُ أدري! بل أدري.

 

***

 

الناس يخرجون من القمقم، الناس يصرخون، الناس يتظاهرون، الناس يستشهدون، الناس ينبعثون، والأنظمة تتساقط.

مَن كان ليصدّق أن "الظاهرة الصوتية" العربية لم تعد ظاهرة صوتية، وأن الناس الذين وُصفوا قسراً بأنهم البكم الخرس الصمّ العمي يخلعون أجسادهم ونفوسهم ويصيرون جزءاً من أعجوبة الطوفان؟! مَن كان ليصدّق أن هؤلاء – نحن جميعاً، ما عادوا يريدون الحياة الميتة، ولا الأنظمة وأصنامها، وهم يجهرون بما يريدون وبما لا يريدون؟!

مرةً ثانية أسأل: أهو حلم أم واقع؟ يقظة أم منام؟

السؤال إهانة، أعرف. لكني أعتذر. فالتصديق الخائف يقيم هو أيضاً في الذهول المنصعق. والسؤال هو نفسه الطوفان الذي كان مستحيلاً، فإذا به يحمل هؤلاء الناس الى جواب الحرية.

 

***

 

 

من قال إن الطوفان يشبع؟ من قال إنه يكتفي؟

أريد بعد، أسمع الطوفان يقول.

لكن ماذا بعد، أيها الطوفان؟

أحبّ أن أسمعه يجيب: الى أن لا تعود الحياة العربية الميتة حياة ميتة، والى أن لا يعود ثمة فارق مفجع بين الحلم والواقع، بين اليقظة والمنام، بين المستحيل والمتحقق.

 

***

 

 

هذا يعني في حياتنا العربية التي تستيقظ من موتها، موتاً بعد موت، أن هذه الحياة تطالب بأن تعاش بكرامة واستحقاق، وبأن تنتظم في دولة القانون، وبأن تكون حياة مدنية، طبيعية، وديموقراطية.

 

***

 

 

بعد أيام، أو أشهر، أو سنوات، أكثر أو أقلّ، أمور كثيرة ستأخذ طريقها الى التغيّر في حياتنا العربية. سيكتمل تساقط العروش والأصنام، وسنحلم بالمستحيل متحققاً: أن تقوم دولة القانون المدنية في كل بلد عربي.

يهمّني في غمرة هذه النشوة الجماعية والشخصية العارمة، أن أعرب عن اعتزازي بهؤلاء الأبطال الشباب الذين يحاربون الطواحين ويفجّرون الينابيع ويصنعون منها معجزة الطوفان المتواصلة، وخصوصاً حيث لم يكن ثمة نقطة ماء معنوية واحدة. هؤلاء الذين يردمون الهوة بين الحلم والواقع، واليقظة والمنام، المستحيل والمتحقق، أنحني أمامهم، داعياً إياهم الى اليقظة والتنبه والحذر حيال ما قد تُستدرَج اليه ثوراتهم، علناً أو في الخفاء، مستحثاً على السهر الثقافي الحكيم صوناً للإنجازات التي تخترع لنا الحياة الكريمة "من المحيط الى الخليج"، إذ لا عيب بعد الآن إذا استخدمنا مثل هذا التعبير!

أخاطب المنتفضين الشباب مستخدماً صيغة المجهول، في حين ينبغي لي أن أكلّمكم مباشرةً: انتبِهوا، لأن أعداءكم كثر، أشرار، وأذكياء. فاعملوا على أن يظل المنام والحلم مستمرين في الواقع واليقظة، وحرَّين من كل قيد! ولتعمل ثقافتكم، التي أسمّيها شبابية ومستقبلية، على جعل الحياة المحلومة، هي الحياة الحقيقية التي يجب أن تفوز بالحياة! ¶

 

عن الملحق الثقافي – جريدة النهار البيروتية 6/3/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق