الديمقراطية أولاً.. التنوير دائماً

    تشهد المنطقة العربية موجة غير مسبوقة من المدّ الثوريّ الطافح بالأسئلة وبالآمال، يقودها شباب مسلّح بالطموح ومدجّج بأحدث وسائل التواصل. وتظلّ السمة الغالبة على هذا المدّ الجارف  السلم المدنية والأسلوب اللاّعنفي في تدبير التغيير المنشود.

    وإذ تختلف هذه الثورات في مطالبها وتحالفاتها الرئيسية فإنها تتوحّد في الأهداف : فقد تطالب برحيل الحاكم وبإسقاط النظام، وقد تطالب بتغيير الدستور وبإصلاح النظام، وقد تبتغي تقويض النظام الطائفي، أو الديني، غير أن الهدف يظل واحداً : الديمقراطية، بكلّ ما تعنيه من تداول على الحكم  وفصل للسلطات، وانتخابات نزيهة، واستقلالية للقضاء، وعدم إفلات من العقاب فيما يخص جرائم حقوق الإنسان ، وأخيراً وضع حدّ  للفساد المستشري.

    وحيث أننا ندرك الطابع المفاجئ لهذه الثورات وانفلاتها من مربّعات التحكّم سواء في الداخل أو الخارج، فإننا نقدّر أنّ مساراتها، رغم تعقيدات الوضع واحتمالات المستقبل، تظل مفتوحة على أفق المرامي الكبرى للحداثة السياسية.

    إننا، إذ نتفاءل بهذا المدّ الثوريّ الجارف ونعتزّ بانخراط عدد من أعضاء رابطة العقلانيين العرب في جبهات ثورية لا يخلو بعضها من اشتباكات وتضحيات، فإننا نتفهّم وجود مخاوف من انحراف هذه الثورات عن أهدافها الحداثية وانجرافها نحو مقاصد أصولية انتكاسية أو نحو فتن طائفية قد تأتي على الأخضر واليابس.

    ينبع التخوف من قراءة لتاريخ الثورات ترى أنّ الثورة الفرنسية مثلا انحرفت عن أهدافها الديمقراطية ولم تعد إليها إلا بعد أجيال، وأنّ الديمقراطية ظلّت حلما بعيد المنال عند شعوب انتفضت على الدكتاتورية والاستبداد كما هو شأن الثورتين الروسية والإيرانية. على أنّ حجم المخاطر يزداد اتساعاً كلما كانت نسبة الأمّية أشدّ ارتفاعاً. إلا أنّ مبرّر انحيازنا المتفائل إلى صفّ الثورات العربية  يكمن في أنّ الطابع الغالب عليها يتّسم بغياب أيّ إيديولوجية موجّهة أو زعامة سياسية تدّعي تمثيلية الثورة. وإننا إذ ندرك  أنّ أسطورة "الممثل الشرعي والوحيد" كانت دائماً أقصر الطرق لانحراف الثورات نحو معاودة إنتاج التسلط والطغيان، فإننا نرجح كفة التفاؤل العقلانيّ، ونؤكّد انخراطنا النقديّ والاقتراحي في مسار التحولات الجارية بالمنطقة، بما يساهم في حسم اتجاهات الوعي لفائدة ديمقراطية موصولة بقيم الحداثة السياسية.

    إن امتلاك الشباب العربي اليوم لتقنيات التواصل التفاعلي ولآليات التبادل المعلوماتي والمعرفي يجعل من أيّ ادعاء لامتلاك الحقيقة ولاحتكار الفضاء العموميّ والشأن العامّ، من طرف أيّ جماعة إيديولوجية أو تنظيم مغلق، مجرّد وهم. وحتى إن ظلّ يستهوي بعض هواة الهيمنة، فإنه سيتبدد عاجلاً في عالم صار أكثر انكشافاً.

    إننا نؤكد أنّ ثورات الشارع العربي الحالية قد أطاحت بأشهر التحفّظات الفكرية حول أولوية الديمقراطية : ومن بينها تلك التي تقول بأنّ الديمقراطية لا تأتي إلا مسبوقة بالحداثة، وبأنها قد تحمل الإسلاميين والأصوليين والمتطرفين إلى السلطة.

    وواقع الحال أن الديمقراطية، وإن لم تكن شرطاً كافياً لولوج عتبة الحداثة، فإنها في المقابل شرط ضروريّ للعبور الآمن نحوها.

    ولعلّ تمحور ثورات الشارع العربي حول قيم الحرية والكرامة والعدالة والتغيير، ومواجهتها للأنظمة الاستبدادية بشعار الديمقراطية، وللأنظمة الدينية بشعار المدنية، وللأنظمة الطائفية بشعار العلمانية، ومواجهتها لحالات الانقسام بشعار الوحدة الوطنية، وتأكيدها على انخراط المرأة في الفضاء العمومي، وتحررها من الزعامات الأبوية، وعدم تأجيجها لمشاعر التحريض على الثأر والانتقام، وفتحها لفضاء النقاش العمومي، الذي كان مغلقا، يضع المنطقة العربية أمام فرصة تاريخية لولوج عهد الدولة الديمقراطية والحداثة السياسية.

    لقد أعادت التحولات الجارية التأكيد بأنّ الوظيفة الأساسية للمثقف العقلاني العربي هي الدفاع عن الاستعمال الحرّ والعمومي للعقل. ما يعني أن الديمقراطية، بصرف النظر عن بعض التحفظات النظرية  التي لم يعد لها اليوم من مبرّر، تظلّ الحاضن الأكبر للحداثة وللفكر العقلاني. وهذ ا هو على كل حال رهاننا.

 

     رابطة العقلانيين العرب
   في 15 أذار/ مارس 2011

 

ملحق:

بيان "رابطة العقلانيّين العرب" – نوفمبر 2007

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق