“الديمقراطية التوافقية”: ليست ديمقراطية

تمخضت الموجة الديمقراطية التي بدأتها الإدارة الأميركية عن صيغة “الديمقراطية التوافقية”، كما جرى تكريسها في العراق. لكن تبيّن أن هذه الصيغة هي لبنانية المنشأ، وأنها لازالت تصارع التفكك منذ أن تبلورت. وبالتالي فإن الإدارة الأميركية تكرر تجربة بدأها الاستعمار الفرنسي، رغم أنها أدخلت لبنان في حروب أهلية متكررة. وها هي تدخل العراق في حرب طائفية ضروس.

لكن المشكل ليست في السياسات الإمبريالية، حيث أنها تُرسم لتحقيق مصالح الطغم الإمبريالية. المشكل في كل الذين يعتقدون أنهم ديمقراطيون ويتبنونها. إذ من المفهوم أن تسعى قوى طائفية إلى اعتبار أنها أساس التوافق بين كتل طائفية، حيث أن منطقها يقوم على مفهوم الملة/الطائفة، لهذا ترى نفسها كتلة واحدة، وترى في الآخرين كتلا طائفية كذلك، إنها لا تستطيع أن ترى في المجتمعات سوى أديان وطوائف. فالهوية عندها هي الهوية الدينية/الطائفية وليس من هوية أخرى، على العكس من ذلك ترى في أية هوية أخرى نقيضاً يجب أن يزول. وكذلك من المفهوم أن تسعى قوى كومبرادورية إلى استغلال الدين والطائفة لتكريس سلطتها، كما في لبنان والعراق، حيث أن تمسكها بالطائفة الأكبر يفتح لها بات تبرير سيطرتها وسلطتها، لهذا فإن الطوائف الأكبر هي التي عادة ما يستغل كومبرادورها هذه المسألة. فلبنان قام على أساس أنه دولة مسيحية روعي أن يكون المسيحيون أغلبية فيه (رغم أن التطور الديموغرافي أسّس لميزان ديموغرافي مختلف). والعراق “الجديد” أسس على أساس سيطرة الطائفة الأكبر، أي الشيعة.

لكن من غير المفهوم أن يجري تبني هذا الشكل من السلطة من قبل ديمقراطيين. لماذا؟ لأنه ليس ديمقراطياً، حتى لو تسمى بذلك.

سنلمس بأن الديمقراطية التوافقية تقوم على أسس مناقضة لأسس الديمقراطية. حيث أنها تنطلق من “التكتيل الطائفي”، أي من كتل هي كتل تمثل طوائف وأديانا وربما إثنيات. ليصبح التمثيل في السلطة قائم على أساس تمثيل هذه الكتل، وعلى التوافق فيما بينها. ولتقتسم السلطة على ضوء ميزان القوى بينها، أو على ضوء الوضع الديموغرافي. بحيث تكون الأغلبية محددة مسبقاً لأنها تعبير عن الطائفة الأكبر، ولتوزع المسؤوليات وفق وزن كل منها. وبالتالي فالطوائف تتمثل عبر أحزاب طائفية وليس عبر أحزاب مدنية، فهذه التي تتهمش وتُعزل، ولا يبقى من الديمقراطية سوى الانتخابات والحريات الصحفية وحق تشكيل الأحزاب، التي ستكون في الغالب أحزاب طائفية أو “قومية”. لأن الانطلاق من الدين أو الطائفة كهوية يفرض أن يكون طابع الأحزاب طائفياً. أو أن أحزاباً “مدنية” تنطلق من تمثيلها لدين أو لطائفة رغم أنها لا تحمل أيديولوجيا هذا الدين وتلك الطائفة (مثل حزب الكتائب اللبنانية، والقوات اللبنانية، وربما حركة أمل). وربما في ذلك تمييز يقوم بين القوى الطائفية، أي تلك التي تنطلق من أيديولوجيا طائفية، والقوى التي تستغل الدين من أجل فرض ودوام سيطرتها (وربما بين القوى الطائفية والقوى الكومبرادورية).

إن المسألة الأساس التي تلغيها الديمقراطية التوافقية (والتي ستكون طوائفية بكل تأكيد) والتي هي مفصل الديمقراطية، لأنها أساس تشكيل المجتمع الحديث حيث الديمقراطية هي جزء منه، هي مسألة المواطنة. فقد جرت إعادة تعريف للفرد في سياق إنجاز الحداثة، بحيث تخلى عن صفاته التي كانت الأيديولوجيا القديمة قد وضعته فيها، والتي تحددت في كونه واحدا في رعية، وجزءا من طائفة أو دين، لكي يكون الفرد المواطن، الفرد المنتمي لوطن/أمة. لقد أصبح فرداً بكل المعاني. وأصبح هو الذي يختار أيديولوجيته، وسياسته. وبالتالي أصبح صوتاً انتخابياً على ضوء قناعاته، لتصبح علاقته بالسلطة هي علاقة مباشرة، يمكن أن يبلورها في حزب، هذا الحزب الذي يجب أن ينطلق من المبدأ ذاته: أي مبدأ المواطنة، وإلا ميّز بين المواطنين المتساوين.

مبدأ المواطنة هو الذي رسم المساواة بين المواطنين في الحقوق، وفي الدور. وبالتالي أصبح كل شخص هو مواطن في الدولة ينطبق عليه قانونها. وإعادة النظر هذه شكلت نقلة في الوعي/الهوية، حيث انتقل النظر إلى الشعب من النظر الديني الذي لا يرى فيه سوى أفراد في رعية، إلى النظر السياسي كونهم مواطنين في دولة. وهنا أزيل الفارق بين الأفراد المنتمين إلى أديان أو طوائف مختلفة. وأصبح من البديهي أن ينطلق الحزب السياسي من هذا المبدأ أولاً، وإلا ميّز بين المواطنين، وهي المسألة التي يطالها القانون.

هنا تحققت المساواة أمام القانون وفي المجال السياسي. ولم يعد من الممكن النظر إلى الفرد كشخص في رعية. وهي المسألة التي نقلت الصراع من مستواه “الكهنوتي” (الفقهي) إلى مستواه السياسي، لتصاغ العلاقة بين الفرد والدولة على أسس جديدة تمنع التمييز، وتقرر حكم الأغلبية بالمعنى السياسي، أي تلك التي تحصل على أصوات أعلى، وتعطي حق إقرار الدساتير والقوانين للشعب.

طبعاً يمكن أن تشتمل “الديمقراطية التوافقية” بعضاً من هذه الممارسات، لكن الأساس الذي تقوم عليه يكون مختلاً، ألا وهو المساواة بين المواطنين. حيث يتحدد وضع المواطن مسبقاً بغض النظر عن رأيه، وبالتالي تتحدد الأغلبية مسبقاً بغض النظر عن الانتخاب. وحيث يقوم أساس هذه “الديمقراطية” على كتل هي الطوائف والأديان بدل الفرد/ المواطن. ويحشر أفراد كل طائفة مسبقاً في خانة محددة لها مقاعد معينة ومراتب مقررة، ووظائف متفق عليها.

لقد حل مبدأ المواطنة محل “مبدأ الرعية” (بالمعنى الديني/ الطائفي)، وتساوى الأشخاص أمام القانون والدولة كونهم غدوا مواطنين. من هذا الأساس تبلورت حقوق نشوء الأحزاب، والرأي، وحق الانتخاب، والتمثيل السياسي. ومن هذا التساوي تبلورت العملية السياسية التي تحددها “النظام الديمقراطي”.

بمعنى أنه يمكن أن تتشكل أحزاب تدعي تمثيل أديان وطوائف، ويمكن أن تجرى الانتخابات، لكن كل ذلك لا يفعل سوى إعادة إنتاج التخلف على الضد من الحداثة، ومن الديمقراطية ذاتها، لأن أساسها مقلوب. أو أن هذه الممارسة تقوم على أساس غير ديمقراطي مسحوب من البنية الأيديولوجية القديمة، التي كانت تؤسس لنظام يميز على أساس الدين والطائفة، ويفرض ديناً معيناً، أو طائفة محددة، على الأديان والطوائف الأخرى. ويميز بين المواطنين على هذا الأساس. ويحدد شكل الدولة ووظائفها انطلاقاً منه.

إذن “الديمقراطية التوافقية” هي تمثيل للفرد بصفته “ينتمي إلى دين أو طائفة” وليس لذاته،وتمثيل لماضيه وليس اختياره لمستقبله. وبالتالي فهي إعادة إنتاج لشكل السلطة الدينية/الطائفية وللعلاقات الدينية/الطائفية، وليست خطوة باتجاه الحداثة. لهذا عادة ما تكون سلطة كومبرادورية. سلطة فئات برجوازية تابعة، تتقاطع مع السيطرة الإمبريالية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق