الديمقراطية وإشكالية التوظيف الإيديولوجي

تخفي اللحظة الراهنة بما هي منعطف تاريخي وحاسم ميلا “مفترضا” نحو كونها تمفصلا بين لحظتين أو مرحلتين أو حقبتين حملت السابقة منهما سمات اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية، استقرّت في العقود الثلاثة الأخيرة وإن على نحو قلق وموّار، واتخذت أشكالا و”أنساقا و”بنى” تتصل بتاريخها أوّلا، وبالتحوّلات العالمية والإقليمية ثانيا، ومفرزات القطبية التي حكمت العالم لنحو خمسة عقود ثالثا، حيث ارتسمت في البنى والأنساق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية وإن على نحو شبحيّ وممسوخ. كانت مجرّد كاريكاتير قبيح وبعدا “شكلانيا” لا يمسّ الجوهر على مستوى السياسة والاقتصاد والثقافة مما أنجزه البشر في غير مكان من هذا العالم.

لقد استقرّت تلك السمات بوصفها اختمارا “للتناقضات والتحوّلات والمتغيّرات على الصعيدين الإقليمي والدولي تحديدا” منذ فترة ما بعد الاستقلال، حيث تم تدمير إمكان الدولة الحديثة والمجتمع المدني والاقتصاد المتعدد وغير المقيد أو الموجه. وذلك حينما أغلق المحل الاجتماعي على أقوال إيديولوجية قادت في المستوى السياسي بعد سلسلة من الانقلابات إلى إنتاج دولة السلطة، التي أمّمت كل شيء بما في ذلك البشر وحقلهم السياسي أي مجالهم العامّ بكلام بديل.

وعلى المستوى الاقتصادي قادت إلى نمط إنتاج مشوّه، تمثّل نهجه الأساسي في بقراطية الاقتصاد المعبر عنها برأسمالية الدولة، أي القطاع العام. الذي استلهم النموذج السوفييتي مع قدر من التشويه والضعف والسوء. إذ كنا إزاء النموذج العربي في الاشتراكية، أو “الاشتراكية العربية المحققة” بتعبير( سمير أمين )، حيث انتهت عمليات التأميم والإجراءات الاشتراكية إلى تفتيت الملكية وبعثرة رأس المال الوطني، وأجهضت جنين البرجوازية الوطنية الناشئة، تلك العملية التي كانت في جوهرها مجرد تأمين القاعدة الاجتماعية والاقتصادية التي ستؤمن بدورها جيوش الأنصار الذين سيتغنون بالشعارات الإيديولوجية الموظفة والإمساك بخيوط اللعبة الاجتماعية السياسية والاقتصادية، و الهيمنة على موارد المجتمع، عبر تحويل الدولة إلى مقاول هائل وكلي القدرة لا منافس له. هكذا أعيد بناء التراتبية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لتحمل معها متغيرات هائلة في معمار المجتمع الطبقي.

وإذا اتسم الاقتصاد الوطني والحال هذه بهشاشة وضعف بنيوي، بقيت الاستهلاكية والترفيهية والكمالية علامته الفارقة. وبذلك صودرت أبعاده التنموية الحقيقية وراوح بذلك في مكانه بوصفه اقتصادا “ريعيا” يعتمد الثروات الباطنية والحاصلات الخام وضرائب ذات نظام مشوّه ومتخلف زاد من خوائه نفوذ أصحاب السلطة وتعاليهم على القانون وآليات الرقابة والعقاب، فكان ما كان من نتائج كارثية أوصلت جيوشا هائلة من العاطلين عن العمل إلى البطالة والبطالة المقنعة.

في المستوى السياسي تجلى دمار التوظيف الإيديولوجي بأعتى صيغ الاستبداد، هنا كان تدمير الإمكان الديمقراطي عبر احتلال المحل الاجتماعي وإقفاله على أقوال إيديولوجية محددة وخاصة. إذا صودرت السياسة بوصفها فاعلية اجتماعية وشيئا عاما ومشتركا يتساوى فيه حقّ البشر بالمشاركة وتقليص المجال السياسي ليلابس حزبا “وحيدا” بل أوحد، احتل بدوره الدولة التي انتكست إلى أسوء ما في تاريخها لتكون مجرد سلطة تمارسها أجهزة قمعية لا تعرف طريقا إلى قانون أو شرائع غير تلك التي تضعها هي بمعيار أحادي يكرس في كل مرة سلطة القوة وقوة السلطة، أي قوة السائس، إذا “قوة الدولة الممسوخة إلى سلطة وآلة قمعها الرهيبة . في كل مرة حين يعاد إنتاج قوة السلطة كان يعاد إنتاج تدمير الدولة، وإذا كان حلم بناء الدولة بما هي التحديد الذاتي للشعب، يوغل في الانكسار ليصبح سيرورة عمياء لواقع التحول إلى دولة الحزب ثم إلى دولة الطغمة، ثم إلى دولة العائلة، ثم إلى دولة الشخص – الزعيم- الملهم والعكس صحيح أيضا” إذ نحن إزاء تيار السلطة المتناوب.

هكذا هي حال الدولة، مجرد إضافة، إذا لاحقة وتابعة ومع الاستمرار في التجريد تختفي الدولة من هذه العلاقة ويبقى الحد الثاني منها الذي هو أي شيء ماعدا الدولة.

هكذا إذا : “تاريخنا السياسي هو تاريخ عبادة وتقديس الفرد، بمقدار ما هو تاريخ تدمير الدولة بوصفها الشكل السياسي لوجودنا الاجتماعي، وإذا بوصفها سمائنا السياسية، أو هي إحدى تعيينات العقل كما يراها هيغل. هل ثمة ما هو أكثر بؤسا من ذلك؟” .

إذا غياب الديمقراطية وربما غياب الروح والعقل والضمير هو علامة تلك اللحظة الفارقة.

بهذا المعنى شكلت تلك المعطيات النفس الكامن الذي سيشعل جمر الانفجار الاجتماعي، بعد وصول المجتمع إلى لحظة استقطاب هائلة، اتخذ خلالها البناء الاجتماعي شكلا “هرميا” تتموضع في رأسه الضيق طبقة أو فئة أو ثلة من الفاعلين الذين يمتلكون القوة والثروة والسلطة وهناك في القاع تتوضع قاعدة عريضة من المنفيين والمهمشين الذين يقعون خارج دائرة الفعل والقرار والنصيب من الثروة الوطنية. هم كتلة الرغيف أو “الكتلة التاريخية” التي تحمل إمكان الثورة وبذار التغيير من بين إمكانات أخرى، وبهذا المعنى لاذ الممكن الديمقراطي الذي حملته اللحظة السابقة بالفرار، أو تمّ اصطياد هذا الإمكان وتدميره من قبل فاعلين اجتماعيين استطاعوا احتلال اللحظة ومصادرة احتمالها الديمقراطي، وإذا وقعنة الممكن النقيض، أي وقعنة الاستبداد والهيمنة على الروافد والينابيع أي الاستئثار بالمصير

بكلام بديل، هكذا تكرّست اللحظة السابقة بوصفها لحظة اقتناص بدأت بالتوظيف الإيديولوجي، ثم قادت إلى مصادرة الاحتمال الديمقراطي، وشيئا فشيئا التهمت الممكنات الواعدة لصالح إمكان واحد تم تفعيله بشدة مع مرور الزمن، انتهى إلى احتكار فعال للقوة والثروة والسلطة، على هذا النحو كانت غراس الفناء تنمو في أحشاء اللحظة التي ستنتهي إلى حراك اجتماعي يشكل إرهاصا بلحظة تالية تبحث عن ملامحها الخاصة وأحلامها الخاصة ورهاناتها الخاصة أيضا، التي ينتظر أن يكون الملمح الديمقراطي علامتها الفارقة.

إذا ثمة حلم ديمقراطي أو حلم بالديمقراطية كان يرسو على شوطىء اللحظة السابقة آن له أن ينطلق ويبحر في الراهن والمستقبلي بعد أن كان طيفا” على ضفاف الماضي . دون أن نغفل جدل اللحظات في التاريخ وفي الزمن، أي حضور اللحظة السابقة في اللحظة التي ستليها ولو على نحو ضامر، أو حضور بالقوة، وهنا أيضا ومرة أخرى ينهض التحدي الكبير الذي يتمثل في التوظيف الإيديولوجي للديمقراطية وإن بصيغ أخرى ستحددها موازين قوى اجتماعية وسياسية وكذلك وعي الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين لهذا التحدي، من جملة تحديات أخرى تفرضها اللحظة بوصفها خروجا أو محاولة في الخروج من إسار خراب طويل، إن كان العقل سيبغي في جانبه السياسي إحلال أسس الدولة بوصفها تعيينا لهذا العقل وتحقيق لفكرة كانت تلوب في سماء الحلم عن الدولة . إذا كانت اللحظة الآفلة هي سيرورة تدمير إمكان الدولة الوطنية الحديثة وإحلال دولة الواحد الأحد، أو بأفضل الأحوال دولة السلطة أو الحزب أو العائلة، فمن المنتظر أن تكون اللحظة التي ستأتي بالمعنى المنطقي، والتاريخي، سيرورة بناء الدولة بوصفها المجتمع المدني محققا” على نحو سياسي أو بعدا “سياسيا” لهذا المجتمع وقد تحقق على نحو مدني، لحظة تعيد إلى المجتمع حقله السياسي الذي تناثرت أشلاؤه في لحظة تشظ طويلة الأمد، يكون التوظيف الإيديولوجي الأهم لصالح الديمقراطية والحق والقانون . أي جدل العام والخاص المعين في الدولة والحقل السياسي، وليس مجرد توظيف إيديولوجي للديمقراطية، يكرس قداسة الجزء وعبادة الخاص وتأليه الفرد، فيتقدس كل شيء ماعدا الإنسان الذي يبقى مجرد تهويم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق