الديمقراطية والممارسات التمييزية / برهان غليون

يثير ضعف قوى الديمقراطية والتغيير الاجتماعي في البلاد العربية تساؤلات مستمرة حول مصير المجتمعات العربية في ميادين البحث الدولية. وبعد التفاؤل الذي أثارته الفورة الإصلاحية والديمقراطية في مطلع الألفية الثالثة، وساهمت به تقارير التنمية الإنسانية للمنطقة العربية التي عمل عليها مثقفون عرب من كل الأنحاء، تسود منذ سنوات موجة من اليأس والقنوط، وربما التسليم بأن أفق الإصلاح والتحول السياسي في العالم العربي يكاد يكون معدوماً، وإذا وجد ففي حدود ما يمكن أن يتفضل به نظام تسلطي، يأمل البعض أن يقوده شعوره بالقوة، بعد انهيار مشروع الشرق الأوسط الكبير وفشل الحرب الأميركية العراقية، إلى التخفيف من قبضته الأمنية وحساسيته المفرطة تجاه التعددية الفكرية والسياسية.

 

ولعل أبرز النقاط التي تدفع الباحثين إلى الشك بمستقبل التحول السياسي والإصلاح في البلاد العربية، الضعف الواضح في قوى التغيير وهشاشة هيكلتها السياسية والفكرية. وكثيراً ما يبالغ هؤلاء في وضع اللوم على المجتمعات العربية نفسها، أو بالأحرى على التراث لتفسير ذلك. والحال أن حالة هذه المجتمعات ليست منفصلة عن الأوضاع التي تعيشها ضمن المنظومة الدولية القائمة، تماماً كما أن الثقافة العربية الحديثة ليست نسخة عن التراث الذي كان من دون شك بعيداً في قيمه عن قيم الديمقراطية كما نفهمها اليوم، لكنه لم يكن في ذلك مختلفاً أبداً عن تراث أي مجتمعات قرسطوية أخرى.

لفهم ضعف قوى الديمقراطية في معركة التحول والتغيير الاجتماعيين من جهة وقوة حركات التمرد الإثنية والطائفية والدينية من جهة ثانية، وتفسير كيف يعيد النظام القائم إنتاج نفسه ويتغلب على الأزمات العميقة التي تهدده، ينبغي التركيز في نظري على مجموعتين من العوامل الموضوعية والكشف عن الترابط والتفاعل فيما بينهما.

المجموعة الأولى تتعلق بصيرورة المجتمع السياسي نفسه وبتكوين الرأي العام والثقافة الحديثين والنظم السياسية، وهو جزء من التطور التاريخي للمجتمع عموماً، انطلاقاً من موارده الخاصة المادية والمعنوية لكن ليس وحدها. فالتراث الذي نتحدث عنه اليوم هو ما أحيينا منه نحن الحديثون، لا ما هو بالمطلق، ولا ما نظر إليه أسلافنا. والثانية تتعلق ببنية الدولة وطبيعة عملها كما تكونت في إطار منظومة دولية مندمجة، رغم التناقضات والنزاعات، وعبرها، أي كجزء من نظام عالمي تحكمه مجموعة من القواعد الثابتة نسبياً، التي يسعى علماء العلاقات الدولية إلى دراستها واكتناه مضمونها.

تشير العوامل المتعلقة بولادة المجتمع السياسي الحديث وصيرورته إلى الممارسات والأنماط الثقافية والاجتماعية والإدارية والحقوقية التي تبلورت خلال حقبة الانتقال، فأنشأت الإطار العام الذي تتحدد فيه علاقات الناس الجمعية، ونوعية الفاعلين المختلفين وتصوراتهم لأدوارهم، ونفسياتهم، واختياراتهم السائدة، والتطلعات الخاصة التي تحركهم.

وللاختصار يمكن القول إن ما يسم هذه الممارسات القائمة في أغلب البلاد العربية اليوم ويشكل طابعها المميز بالمقارنة مع ما يماثلها في أكثر المجتمعات الديمقراطية، هو أنها أعادت ترجمة العلاقة الحديثة بين النخب الاجتماعية والشعب، وما تتضمنه من توزيع متنوع للمسؤوليات وللمهام ومساواة قانونية وأخلاقية معا، على ضوء النموذج التقليدي، الذي يفصل بشكل قطعي بين مرتبة الأعيان والوجهاء التي تحظى بكل الحقوق والسلطات ومرتبة العامة المحرومة من أي اعتبار. فتكاد البنيات الطبقية تتحول حسب هذا النمط إلى بنيات أصنافية ثابتة أو طوائف مغلقة على نفسها. فالمكانة الاجتماعية لا تنبع هنا من المسؤولية والكفاءة والاختصاص، وإنما من الهوية الاجتماعية. وليس من السهل لمن ولد في طبقة فقيرة أن يخالط المراتب الحاضنة للنبالة والشرف إلا نادراً وكمكافأة على خدمات استثنائية. وحتى عندما تحصل الانقلابات الاجتماعية وتتسلم فئات من أصول دنيا مقاليد الأمور، فإنها سرعان ما تعيد بناء نمط المراتبية الارستقراطي السابق، وربما بصورة أكثر حدة وقطعية. والنتيجة هي نشوء مجتمع مفتقر للحراك الاجتماعي والتفاعل بين المناطق والطبقات، إلا ما يحصل نتيجة ثورة تقلب المراتبية القائمة وتعيد توزيع الأدوار والمواقع على النمط ذاته لكن بصورة معاكسة. فتحول السادة إلى عبيد والعبيد إلى سادة. والنتيجة استمرار الممارسات السابقة العازلة للشعب، وقطع الطريق على أي صيرورة مستمرة لتكون الأمة الحديثة، بما تعنيه من مساواة بين الأفراد وتكافؤ فرص الوصول إلى مناصب المسؤولية.

يعني الحراك الاجتماعي الذي هو السمة الرئيسية للمجتمع السياسي الحديث (أي القومي) أن المناصب العليا المادية والمعنوية مفتوحة بالتساوي للجميع، وأن الكفاءة هي التي تحدد المكانة الاجتماعية، أو الهوية الطبقية، وبالتالي تفتح مجال الانتقال من المرتبة الأدنى إلى المرتبة الأعلى، وبالعكس، الهوية الطبقية، أو الاعتبار الاجتماعي الناجم من الانتماء إلى مرتبة معينة هو الذي يحدد آفاق ترقي الأفراد واحتمالات تأهيلهم المهني والفني. فبدل الحراك نجد هنا إعادة إنتاج للمراتبية الاجتماعية وإدانة للأفراد بالانخراط في المصير المرسوم لهم بالولادة. وهذا ما يحول دون نشوء ممارسات جماعية واجتماعية حديثة تبرز التفاعل بين النخبة والقاعدة، وأبرزها السياسة ذاتها كفعل جمعي، مما لا يقوم من دون المساواة القانونية والأخلاقية، ومن دون التحقق من اشتغال آلية صعود أبناء الشعب أنفسهم نحو القمة. وبغياب هذا التفاعل الهيكلي الذي يسم المجتمع الحديث، ويشكل مصدر تطوره وتقدم القيم المدنية والاجتماعية، يحل التعايش بين الطبقات الثابتة أو الطوائف محل الحراك الاجتماعي، وينشأ في موازاة هذا التعايش نمط من تقسيم العمل الاجتماعي تتطابق فيه الوظيفة الاجتماعية مع الهوية الطائفية.

تبقى العلاقات الاجتماعية في هذا النمط بالضرورة محكومة بمنطق خضوع الأدنى للأعلى بصورة آلية، ووضع النظام الاجتماعي برمته في خدمة النخب الاجتماعية وإرضاء حاجاتها. ولا ينطبق هذا الأمر على النخب السياسية التي تسعى إلى تعزيز سلطتها وضمان البقاء إلى أطول فترة ممكنة في موقع الحكم، وإنما بشكل مماثل على النخب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. لذلك ليس لأصحاب المناصب العليا في أي ميدان هم وعمل سوى منع الطامحين من أبناء الطبقات الأضعف من الصعود وترك مواقعهم "الطبيعية". وأول آليات هذا المنع أو استراتيجياته تشويه صورة الطبقات الشعبية وتصويرها كما لو كانت ذات هوية ثابتة منحطة أو سلبية تليق بالمكانة الاجتماعية الضعيفة والثابتة التي تحتلها ولا تستحق الخروج منها.

وبالمقابل لا تنظر النخب السائدة في هذا النمط من العلاقات الاجتماعية إلى مواقعها المتميزة في النظام الاجتماعي بوصفها ثمرة الكفاءة أو الاحتراف، وإنما نتيجة طبيعية لهوية وخصائص جمعية، تميز الطبقة المغلقة أو الطائفة التي تنتمي إليها وتبرر احتكارها لمناصب المسؤولية. وهي تطلب أن ينظر إلى مكانتها باعتبارها ظاهرة طبيعية شبه بيولوجية، تماما كما أن الشمس والقمر ظواهر طبيعية. وفي مثل هذه الحالة ليس من الطبيعي أن ترفض هذه النخب طرح سلوكها أو أسلوب عملها وبالأحرى بقاءها في مناصب المسؤولية، لنقاش، وإنما تعريضها أيضاً لأي نوع من المساءلة أو المحاسبة الشعبية. والنخب التي اعتادت استعمال الشعب مطية للوصول إلى أهدافها الخاصة وتكريس تفوقها وسيطرتها الدائمة، لا تستطيع مهما كان خطابها أن تولي أي اعتبار لتنظيم الشعب وتأهيله وتدريبه على المبادرة والمشاركة والعمل العمومي وتحمل المسؤولية. وهذا ما يتماشى مع نظام يستبعد السياسة ذاتها كممارسة جمعية. وهو موضوع مقال آخر.

جريدة الاتحاد الأربعاء 28 يوليو 2010

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق