الديمقراطيّة، جان ميشال دوكونت

من المقدمة

الديموقراطية في أصلها وفصلها

و… تناقضاتها أيضاً

جورج طرابيشي

هذا كتاب، على إيجازه، يجيب عن كل الأسئلة الأساسية التي يمكن أن تثار حول قضية الديموقراطية: تاريخها، نظرياتها، تطبيقاتها، مكوناتها، نماذجها، مزاياها، مخاطرها، كلفتها، مصادراتها، الخ.

في ما يتعلق بتاريخها، أولاً، هناك إجماع على أنها أول ما رأت النور في اليونان، ولكن في أثينا حصراً، وفي رقعة من الأرض لا تزيد مساحتها على 2500 كيلومتر مربع، ولم تعمّر لأكثر من قرن واحد، هو القرن الخامس قبل الميلاد، قبل أن تغيب في ليل الصمت الطويل لتعاود انبعاثها من رمادها بعد اثنين وعشرين قرناً مع الثورة الأميركية عام 1776 والثورة الفرنسية عام 1789.

لماذا مثّلت أثينا هذا الاستثناء الباهر في تاريخ الديموقراطية؟ لأنه في أثينا حصراً، لا سيما في عصر بريكليس، تجردت السلطة لأول مرة في التاريخ من طابعها الديني، وغدا مصدرها الوحيد هو الشعب: ومن هنا أصلاً اشتقاق كلمة «الديموقراطية» التي تعني حرفياً «حكم الشعب». ففي سياق المنافسة العنيفة على السلطة بين الأسر الأرستقراطية الأثينية لتكون هي صاحبة الكلمة العليا في «مجلس الأربعمئة» المولج بتسيير شؤون المدينة، كان لا بد من الحصول على أصوات الشعب الأثيني المجتمِع في الساحة العامة (الآغورا). وعلى هذا النحو، ومع تكريس الآلية الانتخابية لتفادي العنف المسلح بين الأسر الأرستوقراطية، رأت النور فكرة «المواطن» الذي يتمتع، مهما يكن شرطه الاجتماعي، بصوت واحد معادل لصوت كل مواطن آخر. ولكن رغم أن هذه المساواة في المواطنة كانت قائمة في أسّ الديموقراطية الأثينية، إلا أن هذه الديموقراطية كانت مقصورة على الذكور من مواطني أثينا دون الإناث، وعلى الأحرار دون العبيد، وعلى الأصلاء دون الأغراب. ومن هنا كانت الديموقراطية الأثينية ديموقراطية أقلية، لا ديموقراطية أكثرية، إذ كان حق الانتخاب مقصوراً على نحو من ثلاثين ألف مواطن لا تزيد نسبتهم على 15 في المئة من إجمالي سكان أثينا من النساء والعبيد والأغراب.

ومع ذلك، فإن هذه الديموقراطية لم يُقيض لها البقاء. فما إن استولت الأسرة المقدونية على الحكم في القرن الرابع قبل الميلاد، وأقامت إمبراطورية شاسعة امتدت إلى مصر وتركيا وإيران والهند، حتى أعادت خلع الطابع الثيوقراطي على السلطة. وقد سارت الإمبراطورية الرومانية على نهج الإمبراطورية المقدونية، فأقامت ملكية الحق الإلهي، وألّهت إمبراطور روما، وكف الشعب بالتالي عن أن يكون مصدر السلطة. والواقع أن تطور المنطق الإمبراطوري على امتداد الحقبة الأخيرة من العصور القديمة وكامل القرون الوسطى كان لا بد أن يتأدى إلى «موت الشعب». ففي أثينا البريكليسية كان يمكن لكامل شعب أثينا أن يجتمع في الساحة العامة ليمارس حقه – بل واجبه – في التصويت ممارسة مباشرة. أما مع اتساع رقعة الإمبراطوريات، ومن بعدها الدول القومية، فإن ممارسة الديموقراطية المباشرة كانت قد غدت مستحيلة. ومن ثم كان لا بد، حتى تعاود العنقاء الديموقراطية انبعاثها من رمادها، أن يتم اختراع فكرة الديموقراطية التمثيلية. فخلافاً لما كان عليه واقع الحال في الديموقراطية الأثينية المباشرة، فإن من يحكم في الديموقراطية التمثيلية ليس الشعب، بل ممثلوه المنتخَبون من قِبله. وهذا معناه أن قوة الشعب لم تعد تتمثل في كونه فاعلاً مباشراً، بل في كونه مانحاً للشرعية. وهو لا يعود إلى الفعل المباشر إلا في حال نشوء حالة ثورية، أي حالة تقتضي تدخل الشعب لإحلال شرعية جديدة محل شرعية فقدت شرعيتها.

والواقع أن الديموقراطية الحديثة تدين بوجودها بالذات لفعل ثوري. فسواء أفي مستعمرات إنكلترا الأميركية أم في فرنسا عام 1789، كان لا بد من إحلال مبدأ جديد للشرعية محل المبدأ القديم القائم على أساس من الدين أو أرستقراطية الدم أو كليهما معاً. وفي المستعمرات الإنكليزية تَمثَّل مبدأ الشرعية الجديد هذا بالشعب، بينما تَمثَّل في فرنسا بالأمة.

وفي الحالين كان حدوث الثورة الديموقراطية بمثابة إعلان، إن لم يكن عن غروب الآلهة، فعلى الأقل عن عدم أهليّتها لأداء دور المرجع في بناء وعي مدني. ومن ثم كان لا بد من اختراع مذهب إنساني يكرس مرجعية الإنسان إلى ذاته، وهذا في تجريده كمواطن، أي كفرد متساوٍ في الحقوق مع نظرائه من الأفراد دونما اعتبار للفوارق الطبيعية أو الاجتماعية.

من هنا تواكب اختراع الديموقراطية الحديثة مع اختراع المدرسة العامة. فالمدرسة هي مكان كبير للتجريد ولاكتساب حس المساواة ووعي المواطنة. ولقد كان الفيلسوف التنويري كوندورسيه (1743-1794) أول من اقترح المجانية التامة للتعليم، بشرط ألا يتضمن التعليم العام تعليم أي مذهب ديني. وقد قرن روبسبيير مجانية التعليم وعلمانيته بإلزاميته. فالمدرسة العامة، المجانية والإلزامية والعلمانية، هي وحدها القادرة على تكوين مواطنين قادرين ليس فقط على فهم العالم، بل كذلك على ممارسة التفكير العقلي والنقدي بما يتيح لهم التجرد من انتماءاتهم الطبقية والطائفية والمحلية الخاصة ليصيروا أعضاء في الجسد الكوني المجرد الذي تؤلفه جماعة المواطنين. فلا مواطن إلا إذا كان متعلماً، وبالتالي ذا روح نقدي من دونه لا تقوم قائمة للديموقراطية التي تتنافى ومنطق القطيع.

وإذا كانت الديموقراطية تعطي مثل هذا الدور للمعلم، فإنها تعطي دوراً لا يقل أهمية للمثقف. فالمثقف هو الحامل للوعي الأكثر تجريداً والأكثر شمولية في آن معاً. ولقد ولدت طبقة المثقفين نظرياً في عصر التنوير وعملياً في عهد الثورة الفرنسية. ثم ما فتئ دورها يتعاظم ابتداء من مطلع القرن العشرين مع قضية دريفوس، ليبلغ أوجه في عصر الإيديولوجيات حيث تأكدت الوظيفة الالتزامية للمثقف، ومرة ثانية في عصر موت الإيديولوجيات حيث تأكدت وظيفته النقدية. فالوعي الديموقراطي هو في جوهره وعي نقدي. وهو يقوم على الاستعمال العام والعلني للعقل. إذ عن طريق المناقشة والمداولة والمواجهة العلنية بين القناعات المبنية على العقل، يمكن أن يتكون رأي مشترك، مشروع ومقبول من الجميع. ومن هنا كان آخر مخاض للنظام الديموقراطي الحديث هو «المجتمع المدني». فبعد أن كانت الفلسفة السياسية للديموقراطية قد اكتَشفت مع مونتسكيو مبدأ «حدّ السلطة بالسلطة»، وبالتالي ضرورة الفصل بين السلطات حؤولاً دون تراكم السلطة وتداركاً لعسفها، جاءت تجربة الأنظمة الشمولية في القرن العشرين لتؤكد على الحاجة إلى تطوير المجتمع المدني كسلطة مقابلة للمجتمع السياسي الذي تمثله الدولة، وكقوة اجتماعية تحتية قادرة على موازنة القوة الفوقية للنخبة السياسية وأجهزة الدولة الممركزة، وأخيرا كطاقة مجتمعية عينية تعارض ميل الدولة المسرف إلى التجريد وتأخذ على عاتقها التعبير والدفاع عن المصالح المحلية والقطاعية والمهنية والانتمائية للمواطنين، وتضغط باتجاه تطوير الديموقراطية من ديموقراطية تمثيل إلى ديموقراطية مشاركة واستشارة متواصلة.

يبقى أخيرا سؤال: هل تعني الديموقراطية، لا سيما بعد انتصارها الكبير على الشيوعية، «نهاية التاريخ» كما تفترض أطروحة فوكوياما؟ الواقع أن مفهوم «النهاية» بالذات ليس مفهوماً تاريخياً. والتاريخ لا يقدم أية ضمانة ضد احتمال نكوص ديموقراطي، وهو احتمال وارد جداً كلما حدث انفصام بين آلية الديموقراطية وثقافة الديموقراطية. ففي ظل غياب هذه الأخيرة يمكن أن تتأدى الآلية الديموقراطية إلى شمولية من نوع جديد. حدث ذلك بالأمس البعيد حينما جاء النازيون إلى الحكم بقوة الانتخابات. وحدث ذلك بالأمس القريب عندما تحولت بعض «الديموقراطيات الشعبية» في أوروبا الوسطى إلى استبداديات قومية إثنية. وقد يحدث ذلك غداً إذا جاء الأصوليون والمتشددون الدينيون إلى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع ثم قرروا بعد ذلك إلغاء الآلية الديموقراطية من أساسها، محوّلين بذلك عرس الديموقراطية إلى مأتم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق