الديموغرافيا والمصير الإسلامي

لا يوجد إسلام واحد في هذا العالم، كما أنه لا يوجد مسلم نموذجيّ. يلقي التقرير الأخير الصادر عن منتدى PEW للحياة الدينية والشعبية : مستقبل سكان العالم المسلمين نظرة شاملة على الصورة الديموغرافية للإسلام عالمياً، ويكشف معطيات قد تنهي الآراء النمطية المألوفة. يلخّص التقرير كذلك التحديات السياسية والاقتصادية وغيرها مما يواجه الأمم ذات الغالبية المسلمة والدول ذات الأقليات الإسلامية الهامة. هذا حوار مع رود دريهر، مدير المنشورات في مؤسسة John Templeton Foundation التي دعمت التقرير عبر مشروع بيو-تمبليتون لمستقبل الأديان العالمية Pew-Templeton Religious Futures Project. 

كيف يساعدنا تقرير Pew الجديد في فهم الأحداث المضطربة الراهنة التي تهز الحكومات في العالم العربي؟

يقيّم تقرير Pew-Templeton حجم سكان الكوكب من المسلمين اليوم، وهو يعرض كيف سيتزايدون في غضون العشرين سنة القادمة. لكن التقرير أيضاً يقدم ما هو أكثر من هذا. من أجل شرح أساس التقييمات، فإنه يقدم صورة ديموغرافية مفصّلة للمسلمين افتراضيّاً في كل زاوية من العالم. بدلاً من تصوير “عالم مسلم” واحد، فهو يستبدله بالتنوّعات الضخمة ضمن الدول ذات الغالبية المسلمة. من المهمّ إبقاء هذه الاختلافات الديموغرافية في الذهن لدى النظر إلى ثلاث دول تعرّضت لأكبر احتجاجات شعبية. يظهر التقرير، مثلاً، أنّ متوسّط الأعمار في تونس، حيث بدأت موجة الاحتجاجات الراهنة، هو 29 سنة – أعلى بخمس سنوات من المعدل في الدول ذات الغالبية المسلمة. بينما متوسّط العمر في مصر هو 24 سنة، وفي اليمن 18- أي أقل بستّ سنوات من المعدل. وبين الدول الثلاث، فإنّ أعلى معدّل إنتاج محلّي قائم للفرد (GDP) بالدولار الأمريكي والمخصص لمعادل القدرة الشرائية PPP)) هو في تونس 8000 $، تتبعها مصر بـ 6000$ ثم اليمن بـ 2500$. ما يثير الاهتمام، هو أنّ الاضطرابات بدأت في الدولة الأكبر في متوسّط الأعمار، الأغنى نسبياً – وحيث تكون الطبقة الوسطى كذلك الأكبر نسبيّاً- ثم انتشرت إلى الدول الأقلّ في متوسّط الأعمار، والتي هي- نسبيّاً- أقلّ ثراء. لكن، في الوقت ذاته، فإنّ الاضطرابات هي ذات طبيعة سياسية بشكل واضح، وهذا التقرير لا يغوص في السياسة. سيتمّ التعرّض للمواقف السياسية والاجتماعية بعمق أكبر بكثير في تقرير Pew-Templeton القادم عن العالم المسلم. 

عندما يفكر الأمريكيون بالمسلمين، فإنهم يفكرون أوّلاً -وغالباً – بالعرب. كيف تكذّب الأرقام تلك الفكرة النمطية – وكيف يجب أن يؤثر هذا على طريقة نظرنا تجاه العالم الإسلامي؟

من الناحية الديموغرافية، فإن الإسلام هو دين آسيويّ أكثر من كونه ديناً شرق- أوسطيّ. إن أكبر تعداد للسكان المسلمين اليوم هو في الدول الآسيوية مثل إندونيسيا، باكستان، الهند وبنغلادش. توضح الدراسة أنه في غضون عشرين سنة فإن غالبية مسلمي العالم (حوالي 60 بالمائة) سيستمرّون في العيش في منطقة آسيا – الباسيفيك. سيظلّ معدل المسلمين الذين يسكنون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ثابتاً، عند حوالي 20 بالمائة. لكن نسبة مسلمي العالم الذين يعيشون في جنوب الصحراء الأفريقية سوف تزداد، خلال عشرين سنة، مثلاً، سيكون عدد المسلمين الذين يعيشون في نيجيريا أكثر مما في مصر، هذا عائد بشكل كبير لأن في نيجيريا معدّلات خصوبة أعلى. 

لماذا معدّل ازدياد النموّ السكاني للمسلمين عالمياً أعلى – بمرتين- من غير المسلمين؟

هناك عوامل عديدة تفسّر النموّ الأسرع بين المسلمين عن سواهم من غير المسلمين في العالم. بشكل عامّ، يفضل المسلمون أن تكون لديهم معدلات خصوبة أعلى (أطفال أكثر لكلّ امرأة) عمّا هو الحال عند غير المسلمين. هذا صحيح في الحالتين لدى مقارنتنا الدول ذات الغالبية المسلمة مع الدول الأخرى وعندما ننظر إلى أسفل المستوى القومي، بمقارنة المسلمين مع التعداد السكاني العام في الدول التي فيها مثل هذه المعطيات، بما فيها كندا، الصين، الهند، نيجيريا، روسيا والولايات المتحدة. (مع استثناءات واضحة في تشاد، تنزانيا، وأوغندا، حيث لدى المسلمين معدّلات نموّ أقلّ من غير المسلمين.)

بالإضافة إلى هذا، إن قسماً كبيراً من التعداد السكاني المسلم هو في، أو سيدخل قريباً، مرحلة ذروة السنوات المنتجة (العمر بين 15 و29). وأيضاً، فإن الظروف الصحية والاقتصادية المتقدمة في الدول ذات الغالبية المسلمة قد أدّت إلى معدّلات هبوط أكثر من المعدّل في وفيات الأطفال وحديثي الولادة، ومعدل الحياة يرتفع بشكل أسرع حتى في هذه الدول مما هو عليه في الدول الأقل تطوّراً. 

يواجه المسلمون، على أية حال، التراجع ذاته في الخصوبة شأن الجميع في العالم. ما الذي يحدث؟ هل هذا يحصل بسبب العوامل داخل الدين الإسلامي، أو بالرغم عنها؟

يوجد قسمان لهذا السؤال. أوّلاً، أنت على حقّ – عالمياً، عدد المسلمين يتزايد، لكنّ معدّل النموّ يتباطأ. أكثر من تخيلك له كقطار سريع، يمكنك أن تتخيله كمحرك يتباطأ. إنه يسير في ذات الاتجاه للتعداد السكاني العالمي- باتجاه خصوبة أقل – رغم أن التباطؤ في التعداد السكاني للمسلمين متأخّر ببضعة عقود وراء الاتجاه السائد.

واحد من العوامل الرئيسية لانخفاض معدلات الخصوبة هو التعليم، والذي يمكن ملاحظته بالمقارنة مع معدلات الخصوبة في الدول ذات الغالبية المسلمة حيث تتلقى الإناث أقلّ، وأكثر سنوات التعليم المدرسي. في الدول الثماني ذات الغالبية المسلمة حيث تتلقى الإناث عادةً أقل سنوات من التعليم، فإن معدّل الخصوبة (خمسة أطفال للمرأة الواحدة) هو من ضعف المعدل (2.3 طفل للمرأة الواحدة) في التسع دول ذات الغالبية المسلمة الأخرى حيث تتلقى الإناث ساعات تعليم مدرسي أكثر.

الجزء الثاني من سؤالك، والمتعلّق بتأثير الدين على معدلات الخصوبة، هو أقوى بكثير. إنه موضوع نقاش كبير، ونعتقد أنها مادة غنية لبحث مقبل. لكننا نحذّر في التقرير أنه لا يجب على الفرد أن يفترض ببساطة، فقط لأن الخصوبة تبدو أعلى في الدول ذات الغالبية المسلمة مما هي في دول نامية أخرى، أن التعاليم الإسلامية هي السبب. إذ ربما تلعب العوامل الثقافية، الاجتماعية، السياسية، التاريخية وعوامل أخرى أدواراً مماثلة أو أكبر.

مثلاً، يعيش الكثير من المسلمين في دول فيها مستويات فقر أعلى من المعدّل، رعاية صحية غير كافية، فرص تعليمية أقل وتعداد سكاني أكثر ريفيةً. كل هذه الظروف مرتبطة بمعدلات الخصوبة العالية. ومع ما قلناه، فإن من الصحيح أيضاً أن السلطات الإسلامية في بعض الدول، مثل أفغانستان والسعودية، تعزز المثل الثقافية التي تحدّ من السلطة الذاتية للمرأة – بتقييد خياراتهن التعليمية والمهنيّة، مثلاً، أو جعل من الصعب للمرأة التقدم بالطلاق، هذه العوامل قد تساهم في معدّل الخصوبة المرتفع، كما ذكرت للتو، هناك دليل أن النساء المسلمات، مثل بقية النساء في العالم، يردن تأخير الزواج – وبالتالي الإنجاب – لكونهنّ ينلن مستويات أعلى من التعليم. 

تزايد السكان المسلمين في دول ذات غالبية غير مسلمة، كالولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، مرتبط بالتأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية داخل تلك الدول. بالحديث بشكل أعمّ، أي نوع من التحديات سيواجهها مواطنو تلك الدول من المسلمين وغير المسلمين من هذه التغيرات الديموغرافية؟

لا تتوجه دراستنا نحو هذه القضية بشكل مباشر، لكن من الوارد أخذ بعض الملاحظات العامة. أولاً، في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كان التزايد بشكل رئيسي عبر الهجرة. لكن في العقود القادمة، ستضعف فكرة أن المسلمين هم مجرّد سكان ينتمون لجيل أول من المهاجرين- يعني، أن نسبة المسلمين المولودين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سوف ترتفع.

ثانياً، بالنسبة الأقليات، يمكن لأرقام محددة أن يكون لها أهمية رمزية. إن تجاوز علامة المضاعفة العشرية، ربما، سيكون دلالةً راسخة. تعرض دراستنا أن المسلمين سيقتربون من معدّلات المضاعفة العشرية المئوية للتعداد السكاني في العديد من الدول الأوروبية.

في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، من المتوقع أن يقترب المسلمون من نسبة 8.2 بالمائة من التعداد السكاني بحلول عام 2030، بارتفاع عن النسبة المقدرة ب 4.6 بالمائة اليوم. في النمسا، من الممكن أن يصل المسلمون إلى نسبة 9.3 بالمائة من السكان في 2030، بارتفاع عن نسبة 5.7 بالمائة التي هم عليها الآن، في السويد، 9.9 بالمائة (أعلى مما هم عليه الآن 4.9 بالمائة)، في بلجيكا، 10.2 بالمائة (أعلى من 6.0 بالمائة الآن)، وفي فرنسا، 10.3 بالمائة (أعلى من نسبتهم الآن 7.5 بالمائة).

في الولايات المتحدة، سيكون للمسلمين مشاركة أقل بكثير في التعداد السكاني. لكننا نقول أنه في حال استمرار الأفكار الحالية، فسوف يشكّل المسلمون نسبة 1.7 بالمائة من السكان في 2030، وهي تقريباً ذات نسبة الأسقفيّين، اليهود أو المورمون التي هي الآن. في إسرائيل – بالنظر إلى القدس كلها دون غزة والضفة الغربية – فإننا نقول أن المسلمين سيشكلون نسبة حوالي 1 إلى4 في عام 2030 (23.2 بالمائة). 

رغم توضيحكم أنّ معدّل ازدياد المسلمين في أوروبا سيكون هاماً، فإنّ الأرقام الحالية تبقى أعجز من أن تدعم الادّعاءات بأنّ القارّة ستصبح عمّا قريب مسلمة، أو تحت سيطرة المسلمين. هل هذا التوجه مبالغ فيه؟

كان هناك الكثير من التأمل حول ازدياد السكان المسلمين حول العالم، والعديد من أولئك المفكرين يقومون بهذا دون الانتباه الدقيق إلى المعطيات الديموغرافية. المعطيات التي لدينا لا تشير إلى الاتجاه الذي يسمّيه البعض سيناريوهات EURABIA””، والتي فيها يحكم المسلمون أوروبا عددياً. في الواقع، بحدود عام 2030، فإننا نوضح أن جميع المسلمين سيشكّلون فقط 8 بالمائة من مجموع التعداد السكاني في أوروبا، أكثر من نسبتهم الحالية 6 بالمائة. 

أي دور للتحول الديني في ازدياد التعداد السكاني للمسلمين؟

دون شك. الناس يتحوّلون إلى الإسلام. لكن لا ننس أن البعض أيضاً ينتقلون من الإسلام إلى أديان أخرى أو إلى فئة غير محددة. لسوء الحظ، حالياً، فإن المعلومات الإحصائية الموثوقة للتحوّل من وإلى الإسلام هي نادرة. تقترح المعلومات القليلة المتوافرة أنه لا يوجد عدد صاف كبير للزيادة أو النقصان بين المسلمين من جرّاء التحوّل الديني عالميّاً، يبدو عدد الناس الذين يتحوّلون إلى مسلمين مساويا تقريباً لعدد المسلمين الذين يتركون الدين. تاريخياً، هذه قضية أخرى. لكن لا توجد لدينا معطيات حقيقية تظهر أن للتحوّل الديني تأثيرا كبيرا على عدد المسلمين اليوم. في استطلاع كبير قمنا به في 19 من دول جنوب الصحراء الأفريقية في 2009، مثلاً، في كل دولة تقريباً، كان عدد الناس الذين عرّفوا أنفسهم كمسلمين مساويا –تقريباً- لعدد الذين قالوا إنهم نشؤوا مسلمين. 

بحسب نتائج Pew، في 2030، سيشكّل المسلمون 1.7 بالمائة من سكان الولايات المتحدة، ما يجعلهم مماثلين لليهود والأسقفيّين اليوم. لكن كلا من اليهود والأسقفيّين لديهم تأثير ثقافي لا يتوازى مع أعدادهم القليلة. ما التغييرات التي على الأمريكيين المسلمين، وكذلك الثقافة والمجتمع الأمريكي، أن يخضعوا لها إذا كان لمسلمي الولايات المتحدة تأثير أكبر؟ هل هذه دروس للمسلمين من تجربة اليهود والأسقفيين؟

كمؤسّسة لا تتبنى الدفاع عن أي طرف، فإن Pew لا تتخذ موقفاً على أساس نقاشات سياسية- وهذا يتضمن مسائل مثل كم من التأثير يجب أن يكون للجماعات الدينية في الولايات المتحدة.

لكن لدينا بعض المعلومات الحقيقية عن السكان المسلمين في الولايات المتحدة من تقريرنا لعام 2007، الأمريكيون المسلمون: الطبقة الوسطى والتيار السائد بشكل رئيسي Muslim Americans: Middle Class and Mostly Mainstream، وكذلك من هذه الدراسة الديموغرافية الجديدة. نقدّر، مثلاً، أن حوالي الثُلثين (64.5 بالمائة) من مسلمي الولايات المتحدة مولودون في الخارج. لكن بحدود عام 2030، فإن أكثر من أربعة أعشار (44.9 بالمائة) سيكونون مولودين في الولايات المتحدة. بالإضافة إلى أن المسلمين في الولايات المتحدة هم متنوعون تماماً إثنيّاً وعرقيّاً. نعرف من دراسة عام 2007- المرتكزة على استطلاع واسع جداً قام به مركز Pew للأبحاث باللغة الانكليزية، العربية، الأوردو والفارسية- فإنه لا يوجد أكثر من 8 بالمائة من كل مسلمي الولايات المتحدة ينحدرون من أي بلد أجنبي واحد. أربعة أعشار تقريباً (38 بالمائة) هم من البيض، الربع تقريباً (26بالمائة) من السود، الخُمس (20 بالمائة) آسيويّون والباقي (16 بالمائة) يصفون أنفسهم كمختلطين أو آخرين.

إضافة إلى هذا، فإن مستويات التعليم والدخل بين مسلمي الولايات المتحدة هي مشابهة تقريباً لباقي سكان الولايات المتحدة ككل. هذه صورة مختلفة عن بعض الدول الأوروبية، مثل فرنسا، ألمانيا، بريطانيا واسبانيا، حيث المسلمون أقلّ تدفقاً من السكان بشكل عامّ. يشير كل هذا إلى التأثير المتزايد للمجتمع المسلم في الولايات المتحدة في السنوات القادمة. 

 المصدر الأصليّ:

[http://www.bigquestionsonline.com/features/demographics-and-islamic-destiny->http://www.bigquestionsonline.com/features/demographics-and-islamic-destiny]

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق