الديموقراطية تحتاج حاضنة حضارية في العالم العربي / حميد الكفائي 

هناك دراسات أجريت حول أثر الثقافة الشعبية على طريقة الحكم وجدوى الحكومة وفاعليتها وكلفتها التي تختلف من بيئة ثقافية إلى أخرى حتى ضمن البلد الواحد. وطالما يدرس طلاب العلوم السياسية تجربة إيطاليا التي تختلف فيها الثقافة بين الشمال والجنوب وهناك دراسات حولها، وكيف أن الجنوب الإيطالي الذي عانى لقرون عدة من الديكتاتورية التي أثرت في الثقافة وقدرة الناس على الاستجابة للحكومة الديموقراطية والتفاعل معها، يختلف عن الشمال الذي عاش حياة أكثر استقراراً ومدنية. إحدى الدراسات مثلاً قارنت بين عدد أفراد الجهاز الحكومي في الشمال مع ما يقابله في الجنوب، فوجدت أن العدد في الشمال لم يتجاوز الثلاثة آلاف، بينما احتاج الجنوب إلى عشرين ألفاً على رغم أن عدد سكانه يقارب نصف عدد سكان الشمال. ويعزو الباحثون ذلك إلى أسباب حضارية ثقافية وهي تحديداً نقص الثقة المتبادلة، أو ما يسمى بـ «رأس المال الاجتماعي» بين الناس والحكومة وبين الناس أنفسهم، وهذا يعوق عمل الحكومة الديموقراطية ويجعل كلفتها عالية جداً في بيئة اعتادت على تناقض المصالح بين الحاكم والمحكوم. وهناك دراسة تشير إلى أن أعلى نسبة لـ «رأس المال الاجتماعي» هي في السويد، إذ بلغت 60 في المئة، بينما بلغت في البرازيل 6 في المئة، وكلما ارتفع «رأس المال الاجتماعي» ازدادت نسبة نجاح الحكومة ورفاهية المجتمع. ما يميز تونس ومصر أنهما اعتمدتا أنظمة إدارية وعسكرية وسياسية أوروبية واستعانتا بتجربة أوروبا الحديثة في المجالات كافة منذ بدء الحضارة الأوروبية الحديثة في نهاية القرن الثامن عشر. فالمؤسسات العسكرية والتعليمية والتربوية المستقلة في كلا البلدين قد أسست لتلك الحاضنة الحضارية ومكنت البلدين من الصمود أمام عواصف التغيير السياسي. قيادات الجيشين التونسي والمصري رفضت طلب الرئيسين مبارك وبن علي قمع الثورة وأعلنت بشجاعة أن الجيش لن يدخل طرفاً في هذا الصراع وأن مهمته الدفاع عن الوطن لا قمع الشعب. بينما الجيش في البلدان العربية الأخرى هو رهن إشارة الحاكم ومستعد لقمع أي ثورة إلى أقصى حد مثلما حصل في انتفاضة آذار (مارس) عام 1991 في العراق، ويحصل حالياً في ليبيا وسورية. وعلى رغم أن وجود حالات انشقاق في الجيش في كلا البلدين، إلا أن النظامين الليبي والسوري لا يزالان قائمين بفضل طاعة الجيش للحاكم.

 

مصر وتونس، مرّتا بتجربة بناء دولة عصرية لم تمر بها الدولة العربية الأخرى (باستثناء لبنان الذي هو حالة خاصة لها ظروف مختلفة) واعتمدتا على العلوم الغربية في بناء الدولة إدارياً وصناعياً وعلمياً وتربوياً واستعانتا بالفكر الغربي في كل النواحي. وتونس تحديداً أنشأت برلماناً منتخباً كان يحاسب الحكومة وأصدرت «عهد الأمان» الذي كان وثيقة مهمة في وقتها، إذ ساوى بين الناس أمام القانون من دون اعتبار للاختلاف في الدين أو اللون أو العرق أو اللغة، بينما لا تزال دول عربية حتى اليوم تميز بين مواطنيها على هذه الأسس أو بعضها. أقام محمد دولة عربية قوية مستقلة عن الدولة العثمانية وعمل بجد وإخلاص لتقوية مصر وقد بقيت آثار نهضته العلمية والصناعية والمؤسساتية حتى يومنا هذا، خصوصاً الجيش الذي بناه بناء عصرياً. صحيح أن مصر كانت رسمياً جزءاً من الدولة العثمانية، لكن السلاطين العثمانيين لم يتحكموا بها ولم يعينوا محمد علي بل نادى به شيوخ الأزهر حاكماً عام 1805 واضطر السلطان للقبول به لأنه لو لم يفعل لاستقل عنه كلياً. محمد علي لم يكن مهتماً بالحريات، لكنه اهتم بالتعليم وبالتغيير الاجتماعي وفي وقته نشأت حركة فكرية قادها الطهطاوي الذي ترجم أهم الكتب الفرنسية في عصره إلى العربية وأرسى أرضية صلبة للتوفيق بين الإسلام والنظم الغربية. كان حكمه علمانياً صرفاً لأنه أراد إقامة دولة قوية تقوم على أسس علمية سليمة. لكن المشكلة تكمن في أنه لم يتبنَ الديموقراطية وكانت هذه نقطة ضعفه الرئيسة التي أدت إلى انتهاء تجربته، بينما استمرت التجربة التونسية لفترة أطول لأنهم اعتمدوا نظاماً ديموقراطياً (بما تسمح به إمكاناتهم في ذلك الوقت) ونظاماً قضائياً يساوي بين الناس ويستقطب المستثمرين وأهل المهارات الأجانب ويحترمهم بل ويساوي بينهم وبين المواطنين. وقد استمر ذلك النظام منذ عهد الباي أحمد 1837-1855، مروراً بالباي محمد الذي كان تقليدياً في تفكيره منصرفاً الى البذخ والحياة المرفهة، لكنه لم يبقَ طويلاً في الحكم، لحسن حظ التونسيين، فآلت الأمور إلى الباي محمد الصادق، الذي أقسم يوم توليه الحكم عام 1859 على تنفيذ كل بنود «عهد الأمان» وتوّج ذلك بإصدار قانون الدولة عام 1861 الذي نص على الفصل بين السلطات وإنشاء برلمان منتخب وكانت تلك المرة الأولى في العالم الإسلامي الذي يُتبنى فيه تشريع على النمط الأوروبي.

 

تجربة العراق الحالية في بناء الديموقراطية ليست مشجعة لباقي البلدان العربية كي تتبنى الديموقراطية من دون تمهيد ثقافي واقتصادي قد يستغرق عقوداً. الطبقة السياسية العراقية لم تستوعب بعد أن الديموقراطية تعني الالتزام بالقوانين والرضوخ لإرادة الناخب والقبول بالخسارة والتعاون مع الفائز لإنجاز مهمة إدارة الدولة، وهي بالتأكيد لا تعني فرض رؤى الفائز على الخاسر ولا التستر على الفاسدين إن كانوا في الحزب الحاكم. معظم الأحزاب الإسلامية الحاكمة الآن ترفض الديموقراطية نظرياً وتخطط لتعديل القوانين العراقية «المتسامحة» لتتلاءم مع فهمها للشريعة الإسلامية، وهذا الموقف ليس خافياً، بل صرح به القادة الإسلاميون وعملوا به. لا شك في أن بالإمكان قيام الديموقراطية في أي بلد إن توافرت الظروف الملائمة لها وهي كثيرة وموضع جدل لكنها تتلخص بوجود إعلام حر واقتصاد السوق ودخل جيد للفرد وطبقة وسطى تدير الاقتصاد ونظام قضائي مستقل ومهني ووجود ضامن يمنع عودة التسلط، والضامن قد يكون مؤسسة عسكرية مهنية ومستقلة كما في تركيا، أو ضامن دولي كما في حالتي اليابان وألمانيا، أو توازن وتوافق سياسي يرتكز على أساس تحقيق مصلحة الجميع. وهي تتطلب وعياً سياسياً وحقوقياً بين افراد الشعب وطبقة سياسية مؤمنة بها وتسعى إلى ترسيخها. التأسيس للديموقراطية من دون تهيئة البيئة المناسبة لها لن ينتج نظاماً ديموقراطياً حديثاً.

 

عن جريدة الحياة 30/6/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق