“الدين الأسس” لمالوري ناي: سلطة الثقافة لا سلطة الماورائيات / خالد غزال

تركز القراءات اللاهوتية التقليدية على رؤية للدين تضعه فوق المجتمع، وتنظر اليه بوصفه تعاليم مجردة يقف الانسان منها موقف التسليم ويكرس حياته لترجمتها وخدمتها. في المقابل تسعى وجهات النظر التي تربط بين الدين والمجتمع الى تكريس موقعها، انطلاقا من أن الدين وضع لخدمة الانسان وهدايته، وهو ليس تجريدات فوقية او ما ورائية، او مقدسات إلهية، بمقدار ما هو إنتاج النشاط الثقافي للانسان وحصيلة انعكاس الواقع الاجتماعي الذي يعمل هذا الدين وسطه. يصنّف كتاب مالوري ناي، “الدين الاسس”، الصادر لدى “الشبكة العربية للأبحاث والنشر”، ترجمة هند عبد الستار، في خانة الدراسات التي ترى في الدين ظاهرة ثقافية وتقرأ نصوصه وممارساته استنادا الى هذه الوجهة.

يعترف الكاتب بأن الأديان ترسم في العقود الاخيرة من القرن العشرين وفي العقد الاول من هذا القرن، شكل عالمنا المعاصر من جوانب متعددة. الجانب الأهم يتصل باستفحال ظاهرة الارهاب السياسي وتعبيراته العنفية، وهو أمر اتخذ أبعاده الكبرى بعد هجمات 11 ايلول في الولايات المتحدة عام 2001، وظهور العامل الديني الاسلامي عنصرا راعيا في النظر الى هذا الإرهاب وتطبيقه. ولم تنج مجتمعات اخرى من توظيف الدين في خدمة الارهاب بالتركيز على الجانب العنفي من نصوصه، وهذا ما تشهد عليه مجتمعات ذات انتماء ديني مسيحي او يهودي على غرار ما هو جار بالنسبة الى الحركة الصهيوينة في الاراضي الفلسطينية. لكن الكاتب يرفض حصر الدين في هذا الجانب العنفي، بل يرى ان الأساس فيه انما يتصل بالنشاط الثقافي للفرد الذي يشكل الدين مقوّماً اساسياً فيه.

اذا كانت الثقافة تشكل عماد فهم الدين في كل مجتمع، إلاّ أنه من قبيل الاخطاء الفادحة اختزال قراءة الدين من خلال ثقافة واحدة ومحددة واعتبارها مقياسا يجري الاستناد اليه في قراءة النص وتأويله. فالواقع التاريخي يثبت ان المسيحية ليست واحدة، بصرف النظر عن تحولها طوائف ومذاهب، فهي “مسيحيات” متعددة تتفاوت طقوسها وحتى عقائدها بين بلد وآخر، وتتأثر بمجمل الثقافة السائدة في البلد المحدد، فتؤثر في هذه الثقافة وتتأثر بها في الوقت نفسه. ينطبق الامر نفسه على الاسلام الذي هو في الواقع مجموعة “اسلامات” تتنوع ويختلف بعضها عن بعضها في ممارسة النص الديني بما يتوافق والمنطقة التي انتشر فيها. هنا ايضا تلعب الثقافة دوراً محورياً في وسم الاسلام بهذه الصفات، لذلك يختلف إسلام الجزيرة العربية عن إسلام اندونيسيا مثلا في الكثير من العادات والممارسات والتقاليد، وهو اختلاف نابع من المكونات الثقافية المختلفة بين هذا البلد وذاك.

يشدد الكاتب على أنّ الطريقة التي يعيش بها الانسان وتتشكل عبرها شخصيته، انما ترتبط وثيقا بثقافته، لذلك سادت نظرة لدى كثير من العلماء في القرن العشرين ترى الى شخصية الفرد بصفتها سببا لوجود الدين، كما “يرون أن الدين يتعلق بالايمان بالروحانيات، فشرحوا الدين باعتباره جزءا من العملية الفكرية للانسان التي تتسم إما بالعقلانية، وإما تتأثر بالموروث العاطفي والنفسي لطفولته”، وانه اذا كان للشخصية مكان ما في فهم الدين، فهذا يفرض علينا وعيا باعتماد هذه الشخصية على الثقافة بأشكالها المتعددة والمتنوعة والغنية.

تكمن معضلة الدين الأساسية في نظرته الى الاديان الاخرى، فكل دين يحمل من الاصطفائية وادعاءات معرفة الحقيقة واحتكارها، مما يجعله يقف تجاه الاديان الاخرى “من فوق”، بل ينظر اليها في كثير من الأحيان نظرة احتقارية، ويرى عقائدها زائفة، ويدعو الى محاربتها وتخلي جمهورها عنها والدعوة الى الالتحاق به بوصفه التعبير الوحيد عن الحقيقة الالهية، وتشمل هذه النظرة الاديان التوحيدية بعضها تجاه البعض الأخر. لكن العالم يعرف اديانا تقليدية غير الاديان التوحيدية السائدة معظم أنحاء العالم، فهناك اديان تقليدية في افريقيا تعد إنتاجا لموروثات ثقافية، وهي تعبير عن التقاليد السائدة في تلك البلدان. وهناك في اوستراليا جماعات ثقافية صغرى من السكان الاصليين تحمل كلٌّ منها تعاليم دينية موروثة من المكان الذي يعيشون فيه. هذه الاديان وغيرها ضعيفة التأثير من الناحية العالمية، لكن ضعفها لا يمنع حقها في المساواة مع الاديان ذات الموقع القوي في العالم. وهو مطلب يستند الى الحق الانساني الطبيعي في المساواة مع الآخر بصرف النظر عن الدين والعرق والجنس.

نظرية الدين – الثقافة، تقود الكاتب الى رفض القول بكون الدين شيئاً فطريا موجودا لدى الانسان منذ الولادة، وهو امر تثبته وقائع الحياة بوجود اناس غير متدينين، ويعيشون حياة طبيعية ولهم مقاييسهم في الحياة تعتبر الانسان وحقوقه وعلاقته بأخيه الانسان عنصرا مقررا في ممارستهم لمعتقدهم الخاص بهم. لذا تبدو النظرية القائلة بوجود “جين محدد للدين” اسوة بسائر الجينات التي تحدد الجنس البشري، نظرية مرفوضة ولا أساس علميا لها. لكن العنصر الاخطر الذي يصيب المجتمع يكون عندما تتحول ايديولوجيا ذات اهداف سياسية واجتماعية ديناً، فيختلط العقلاني بالماورائي وتتحول الممارسات أشكالاً ليس اقلها تبرير العنف وتسييده على المجتمع، وهذا ما خبره القرن العشرون عندما تحول الالحاد في الشيوعية ديناً، او عندما لبست النازية والفاشية ثوب الصوفية والروحانية وحولتا عقيدتيهما الى الدين النازي – الفاشي.

تقدم وقائع الحياة اليومية أدلة عن رؤية الدين بعيدا من الباطنية او الانفصال عن حياة البشر، بل تثبت الحياة ان الدين الفعلي هو ممارسة البشر حياتهم اليومية، كما يحتل موقعا مركزيا في الجوانب الثقافية. من هنا يمكن القول ان دراسة النصوص الدينية تستوجب النظر اليها كدراسة للنشاط الانساني من جميع جوانبه، وليس دراسة النصوص في وصفها كلمات وتعابير مجردة، مما يعني ارتباط دراسة الدين بشكل وثيق بالثقافة، ومعها بفهم العالم المعاصر والتحولات التي اصابته، لكونه عاملا مهما من عوامل التطور التاريخي الخاص بالعالم والمجتمعات التي نعيش فيها.

عن جريدة النهار 25/8/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق