الدين والدهماء والدم

قد لا يتميّز هذا الكتاب بنوع من الوحدة العضوية القارّة، إذ أنّ العنوان (الدين والدهماء والدم) يوحي ببحث متكامل حول مسائل الإسلام السياسيّ وانتشار ظاهرة التكفير بين كثير من أحزاب الإسلام الأصوليّ وجماعاته، أو الأصوليين الأفراد. فالكتاب التزم بهذه الميزة في نصفه الأوّل الممثّل في الفصلين الأوّل والثاني، لكنّه يجنح إلى التقيّد بالعنوان مداورة، في الفصول الثلاثة التالية، ليعطي ترجمة للعنوان الفرعيّ للكتاب (العرب واستعصاء الحداثة)، على أنّ كلمة استعصاء لا تشفي غليلا في العنوان أو المتن، إذ يبقى صقر أبو فخر أسير شكلانية وصفية في رصد وتتبع مفردات كتابه، ففي الفصل الأول المعنون (الإصلاح والعلمانية.. الديموقراطية والشورى) محاولة لإزالة اللبس الحاصل في ذهن بعض أنصاف المتنوّرين الذين يريدون إجراء المصالحة المستحيلة بين العلمانية والدين، وللنظر نقول إنّ بعض العلمانيين وبعض الليبراليين هم أصوليون في مجالهم، وللدين جانبه الأصوليّ مهما كان المتديّن متمدّناً، ومهما كان هذا الدّين (المسيحية أو الإسلام) أمّا اليهودية فليست سوى أسطورة ولو كره المسلمون!

الإسلامي يعتبر العلمانيّ ملحداً، والعلمانيّ يعيب على الإسلاميّ سلفيته التي وضعت الإسلام كثابت في كلّ زمان ومكان. لا شكّ أنّ كلا الرأيين يأتي بمنطق تحكّميّ، فتسبق النتيجة مقدّماتها المنطقية، فالإسلاميّ والعلمانيّ يلتقيان في المجتمع وفي الحيّ، لكنهما لن يلتقيا في العقيدة، كما لايلتقي الإسلاميّ والمسيحانيّ وفق العقيدة الدينية لكلّ منهما، فكلاهما إن أراد اتّباع حرفية دينه سيكفّر الآخر. وإذاً، فأيّ اختراع ذاك الذي يتحدّثون عنه حول حوار الأديان، فذلك لن يتمّ إلا في إطار ديبلوماسيّ، يتنازل كلّ منهما ظاهرياً عن جزء هامشيّ من عقيدته كي يتشكّل بينهما إطار للتعايش في المجتمع وليس في إهاب العقيدتين المختلفتين.

نقول إنّ صقر أبو فخر اتّجه شكلانياً ليقول إنّ شورى شدخ الأعناق ليست من الديموقراطية في شيء، فالخليفة أبو بكر خالف رأي الشورى (النخبوية) بين كبار الصحابة حين شنّ حروب الردّة، والخليفة عمر خالفها كذلك حين لم يوزّع أراضي السواد على جنود الفتح،.. لكنّ الشكلانية التي ظلّ أبو فخر أسيرها هي عدم تحليل الظاهرة مادياً، ولعلّه كره ذلك، فالدين الذي يدّعي أنه دين ودولة لا يمكن إلا أن يستقرّ في صلبه الفكر الآحاديّ الذي ينزع عن الآخر كلّ حقّ في التعبير عن نفسه بحرّية مفتوحة، حتى لانقول مطلقة، وأعني بذلك كلّ الأديان، وليس الإسلام وحده، فالدين لا يقبل تعدّد الآراء في صلب العقيدة، وانظروا كمّ الأحزاب، وأقصد الأحزاب العربيّة، التي تحوّلت إلى “أصوليات دينية”، وهي على الأقلّ اقتدت بالحزب الشيوعي السوفياتي، كي لا ندّعي أنها اخترعت هذا النوع من الأصولية.

يقول أبوفخر: “أما السؤال الدائم في بلادنا المبتلاة بالاستبداد والإرهاب وفقهاء الدم والتخلّف فهو: كيف نغلّ أيدي الأفراد، ونقطعها إذا لزم الأمر، حتى لا يقوم هؤلاء على الحاكم حتى لو كان جائراً؟.. لقد دار الزمان دورته ومازال الناس يردّدون وراء أشياخهم: “إذا جار السلطان فعليك الصّبر وعليه الوزر، ومن خرج على السلطان شبراً مات ميتة جاهلية”. يريد أبو فخر أن يقول هنا إنّ الحاكم المستبدّ هو نتاج تلك الثقافة الدينية التي ولّدت فقيه الديوان الذي ينتج فتاوى لتبرير الاستبداد بدعوى أنّ الخروج على السلطان كفر موصوف.

ويبقى السؤال المركزيّ في الكتاب: كيف تفوّقت الحضارة الأوروبية على الحضارة العربيّة وأقصتها عن مكانتها، وهي التي اعتمدت نتاج العرب في الكتابات العقلانية التي شكلت نقطة انطلاق إلى التراث الإغريقيّ الفلسفيّ والفنيّ. وفي محاولة الإجابة على هذا السؤال، يقدّم صخر أبو فخر في كتابه ستّة فصول هي على التوالي (الإصلاح والعلمانية.. الديمقراطية والشورى – شيوخ الحسبة وفتاوى الدم – التاريخ والأسطورة وعبادات الأسرار – الجسد والأدب المكشوف – بلاد البحر وبلاد الصخر – العنصرية وقيم “البهورة”). نلاحظ أنّ الفصول الثلاثة الأولى واضحة الدلالة عموماً، بينما تحتاج باقي الفصول إلى مزيد الإيضاح، فالفصل الأخير تحديداً يختص بالعقلية العنصرية لبعض المثقفين اللبنانيين، كذلك الجنوح المادّيّ للحياة الثقافية اللبنانية وتراجع دور المقاهي، مع عرض لا يخلو من الدهشة عن تاريخ المقهى الثقافيّ اللبنانيّ، إضافة إلى محاولة مذهلة في تفنيد مقولة فينيقية المجتمع اللبناني التي تبنّاها سعيد عقل وآخرون في محاولة لإقامة البيّنة على تميّزهم عن العنصر العربيّ في لبنان ومحيطه العربيّ، وإلى ذلك يقدّم أبو فخر مانيفستو بأصول العائلات اللبنانية من أصل سوريّ، وفي القائمة الرئيسان شارل حلو وأمين الجميل، إضافة إلى أشهر أسماء العائلات اللبنانية التي أعطت لبنان مبدعين في مجالات الحياة كافّة. هذا العرض الذي يلجأ إليه صقر أبو فخر يلتقي مع مقولة الاستبداد الدّينيّ، كون الأوّل يقول إنّ استبداد الفكرة وتراجع الدور الثقافيّ بالمعنى الأخلاقيّ ينتج نوعاً من التكفير ومن شيوخ الحسبة الذين يمارسون القتل الناعم بحقّ مواطنيهم ومجتمعاتهم.

ويضيف أبو فخر: “في البلدان المتعدّدة دينياً مثل بلادنا، فإنّ العلمانية هي الطراز الأقرب إلى طراز الدولة المعاصرة العادلة والديموقراطية، بينما ستكون الفكرة الدينية مدعاة لحروب أهلية لاتنتهي”. فالعلمانية هي على الضدّ من التطرّف في الدين والاجتماع، هي نوع من التوازن الذين يعيد للأفراد حرية التفكير العملانيّ في تسيير أمور حياتهم داخل مجتمعاتهم، فحرية الفرد مشروطة بممارسة الآخرين حرياتهم، ومعيار التفاضل بينهم هو احترام القانون العام، والعمل، والمشترك الإنسانيّ الذي يجعل الدين شأناً خاصاً وفردياً، ويجعل عدد طرق الاتّصال بالله بعدد خلائقه، ومن حقّ أيّ جماعة من البشر، ولها الحرية التامة في “أن لا تتصل بالسماء عن طريق محمد” كما يقول العلامة عبد الله العلايلي في كتابه الخطير “أين الخطأ”. يقول أبو فخر في كتابه “لنتذكّر العلاّمة عبد الله العلايلي كم كان جريئاً عندما أفتى بصحّة زواج المسلمة من غير المسلم، فقال: “درج الفقهاء، بشكل إجماع، على القول بعدم حِلّية الزواج بين كتابيّ ومسلمة. والإجماع (…) في هذه المسألة بالذات من نوع الإجماع المتأخّر الذي لا ينهض حجّة إلا إذا استند إلى دليل قطعيّ”.

ينتقل أبو فخر للحديث عن فقهاء عصر النهضة، فيقول: “لم يظهر في العالم العربيّ تيار إصلاحيّ جذريّ على الإطلاق؛ لقد كان هنالك دائماً إصلاحيون كثيرون، لكن دون أن يؤسّس هؤلاء تيّاراً إصلاحياً واضح المعالم.. وليس محمد عبده، في هذا السياق، مفكراً إصلاحياً على الإطلاق، إنما هو فقيه إصلاحيّ، إنّه صاحب فتاوى جريئة، بمعايير عصرها.. ولا يُذكر لمحمد عبده أيّ كتابات تأسيسية قطّ، حتى أن (رسالة التوحيد 1892) عبارة عن دروس ألقاها في بيروت، وهي ساذجة على العموم”. ومن فتاوى محمد عبده، مثلاً، جواز ارتداء الملابس الأوروبية واعتمار القبعة، وجواز إيداع الأموال في البنوك والحصول على الفائدة، وأباح إقامة التماثيل والتصوير الفوتوغرافيّ، وأباح الأكل من ذبائح المسيحيين واليهود، كما أجاز التأمين على الحياة والممتلكات، ودعا إلى إبطال تعدّد الزوجات إلا إذا كانت الزوجة عقيماً، إضافة إلى منحه النساء حقّ الطلاق لشدّة الظلم، وأجاز تولّي المرأة المناصب العليا.

لكنّ أكثر ما يورده أبو فخر كتدليل على الدرك الأسفل الذي يقبع فيه فقهاء أمّة محمّد فهو فتاوى المغفور له الشيخ عبد العزيز بن باز الذي اعتبر خروج النساء إلى العمل واختلاطهن بالرجال من أعظم وسائل الزنى والخيانة الزوجية.. وهو نفسه كان يردّد “إذا ردّت عليك امرأة في الهاتف وجبت عليك التوبة”.

وهنالك ما هو أدهى، فقد سئل الشيخ إبراهيم صالح الخضير عن رأي الدين في استنساخ جنين للاستفادة من خلاياه المولدة للأنسجة، فقال: بالنسبة للأخوات الأمّهات المسلمات لا يجوز التعرّض لبطونهنّ وأجنتهنّ.. أمّا بالنسبة للكافرات (المسيحيات واليهوديات والمجوسيات ومن في حكمهنّ) فإنّ لا كرامة لهنّ، فإذا رغبن بهذا الفعل واحتاج إليه المسلمون جاز.

{الكتاب: الدين والدهماء والدم.. العرب واستعصاء الحداثة.}

{الكاتب: صقر أبو فخر.}

{الناشر: المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر – بيروت – 2007.}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. ابورحاب البحراني

    كيف يمكن الحصول على الكتاب وكم سعره

أضف تعليق