الدين والسينما، الدين في السينما ! (2/2)

في الجزء الأوّل من هذه المقالة، نبّهنا إلى ندرة الأعمال المخصّصة لدراسة مسألة العلاقة بين الدين والسينما، واعتبرنا صدور “موسوعة -الدين والفيلم” حدثًا جديرًا بالاهتمام لأنّ فيه إعلانًا عن تأصيل أصول مبحثٍ فريدٍ مُـسْـتَـحْـدَثٍ، ودليلا على بلوغ مادّة هذا المبحث حدًّا كافيًا من التراكم الذي يستدعي توضيح المسارات وتحديد الاختيارات؛ كما أنّ فيه أيضًا -وذلك هو الأهمّ- وعيا معرفيّا ومنهجيّا عميقا بأنّ القضايا التي تطرحها العلاقة بين طرَفَيْ المسألة ليست منذورة للصدفة أو المناسبة ولا يمكن أن تُـحَـدَّ باليسر الذي نظنّ ولا يمكن أن يُحسم فيها بالبساطة التي نعتقد. فـ”الدين” و”الفيلم” (بألف ولام الاستغراق) مفهومان “زئبقيّان” وظاهرتان “مُـنْـفَـلِـتَـتَان” تحتملان شتّى صيغ العلاقة والتركيب إلى درجة لا نستبعد فيها أن تكون صورةٌ واحدةٌ سببا في اشتعال المظاهرات هنا أو هناك عبر أرجاء العالم بدعوى أنّها تسيء لمشاعر معتنقي هذه الديانة أو تلك.. فما بالك لو كانت الصورة متحرّكة؟ وما بالك لو كانت مقطعًا مطوّلا يغري المدمنين على شبكات التواصل الاجتماعيّ بالمشاركة والتعلـيق؟ والأمْـرُ -دون أدنى شكّ- أدهى وأمـرُّ إذا ما تعلّق بشريط سينمائيّ محترف قد يُحاسب أصحابُه فيه على أكسسوار وُضِعَ في غير محلّه أو على شخصيّة ثانويّة أُلْـبِـسَـتْ ثوبًا غير ثوبها!!

إنّنا في أرض معركة حقيقيّةٍ مفتوحةٍ على كلّ الاحتمالات، بل نحن في حقل من الألغام ممتدّ إلى ما لا نهاية.. حقل الميديا ذي الأنماط الفيلميّة المتعدّدة المختلفة. ولأنّ الأمريكان بارعون في خلق الصور وتركيبها وترويجها (وتلغيمها أيضا!)، فإنّ الميديا لديهم صاغت الإسلام في نمط ردّته فيه من التعدّد إلى الوحدة، واختزلت المسلمين في هيئات ومظاهر امّحت فيها الفروق تمامًا بين “الإسلام العربيّ” و”الإسلام غير عربيّ”. ولكن، ما هي الآليّات التي شكّلت الميديا الأمريكيّة وفقها صورة الإسلام والمسلمين؟ وكيف تسنّى لها أن تجعل من تلك الصورة جزءًا من الوعي العام، ومن الوعي الديني على وجه الخصوص؟ ذلك هو السؤال الذي طرحناه في خاتمة الجزء الأوّل من مقالنا والذي قدّمت عليه الباحثة ريتشل واغنر إجابة وافية نستعرض أهمّ ما جاء فيها ضمن هذا الجزء الثاني.

وصايا الميديا الأمريكيّة السـتّ!

لم تعتمد الميديا الأمريكيّة في رسمها لصورة الإسلام والمسلمين على منوال واحد يتيم، بل على ستّة مناويل وُظّفت كلّها في تحديد وعي “المستهلكين” العامّ ووعيَهم العقديّ ومواقفَهم من الديانة المحمّديّة. ونحن نستعمل لفظة “مستهلكين” في هذا المقام لكي نؤكّد حقيقَـتَـيْن متكاملتَيْن: حقيقة أن الصورة في الميديا عموما وفي الميديا الأمريكيّة على وجه الخصوص، ليست عملاً إبداعيّا ذا قواعد وأصول فنيّة، فحسب، بل هي أيضًا -وقبل كلّ شيء- صناعة لا تقلّ في ثقلها وفي أهميّتها عن صناعة الحديد والصلب بدليل ملايين الدولارات التي يمكن أن يجنيها فيلم واحد في أسابيع معدودة من العرض في قاعات السينما. أمّا الحقيقة الثانية، وهي امتدادٌ للأولى وتكملة لها، فمفادها أنّ حقل الميديا لا يقتصر على السينما فقط، بل هو يشمل التلفزيون، والإذاعات، والصحف والمجلاّت، ومواقع الإنترنيت، والموسيقى، وألعاب الفيديو، دون أن نغفل عن الإشارة إلى ألعاب الصغار وأثاث البيت وأكسسوارات الموضة وغير ذلك ممّا تستغلّه الشركات التي تروّج للأيقونات المستمدّة من شخصيّات الميديا كالدينوصورات التي استيقظت من سباتها على هامش عرض شريط Jurassic Park (1993) للمخرج Steven Spielberg، و”الرجل العنكبوت” Spider-Man الذي بدأ شخصيّة على الورق في كتب الصور المتسلسلة منذ سنة 1962 إلى أن غزا العالم من خلال سلسلة الأشرطة السينمائيّة الثلاثة التي أخرجها Sam Raimi في الفترة ما بين 2002 و2007، انتهاء إلى الشريط الذي سيحمل نفس العنوان في حلقته الرابعة والذي ننتظر ظهوره في شهر جويلية/تموز 2012 بتوقيع المخرج Marc Webb.

إنّ آلة رهيبة كهذه التي تحرّك الميديا الأمريكيّة وتصنع أمجادها وأموالها لا يعسر عليها أن تصنع الوعي العام وأن تنفذ إلى أعماق الوعي الدينيّ لكي تُحدّده وتوجّهه وتدفعه دفعا إلى تبنّي مواقفَ من الإسلام والمسلمين. ومن أوّل الآليّات المعتمدة في هذا المجال، إيهامُ مستهلكِ الصورِ في أميركا بأنّ العرب-المسلمين أو المسلمين-العرب (آهٍ ! لو كان بمقدورنا أن نَـنْـحَـتَ لفظة: “المُـسْـعَـرِبٍـين” أو “العَـرَمُـسْـلِـمِـين”) هم جميعًا من أهل الثراء الفاحش وأنّهم قادرون على التحكّم تحكّمًا مطلقًا في الاقتصاد الأمريكيّ بما أنّ منابع البترول تحت أقدامهم وحنفيّة النفط بين أناملهم. ومن الواضح أنّ صورة نمطيّة كهذه إنّما تعود بـ”المستهلك/المشاهد” الأمريكيّ إلى حقبة أصبحت الآن في عداد الماضي، حقبة أقدم فيها العرب-المسلمون أو المسلمون-العرب يوم السابع عشر من أكتوبر/تشرين الأوّل سنة 1973 على استعمال النفط وسيلة للضغط على العواصم الغربيّة من أجل أن تُعدّل موقفها من الصراع العربيّ الصهيونيّ. أربعون سنة تقريبا (تسع وثلاثون على وجه التحديد) لم تغفر لنا الميديا الأمريكيّة على امتدادها “خطيئةَ” الإقدام على استعمال النفط ورقة في لعبة السياسة العالميّة… لم تَـرْوِ الميديا الأمريكيّة “الحقيقة” كاملةً، ولم تقدّم “الرأي والرأي الآخر” ولكنّها اكتفت بتوظيف الحادثة كذكرى غائمة في أذهان مستهلكين/مشاهدين لا يذكرون شيئا حقّا (بل لا يعلمون عن الحكاية شيئا أصلاً!)، فصار قسم من تاريخ الصراع العربيّ الصهيوني فزّاعة تغذّي باستمرار مشاعر الحيرة المتأصّلة في نفوس عامّة الأمريكيّين الخائفين من فقدان وظائفهم والمرعوبين من حلول آجال سداد الديون المتخلّدة بذمّتهم.. إنّه الابتزاز بعينه، ابتزازُ المشاعر والعواطف الذي يُـهَـيَّأُ للأمريكان فيه أنّ العرب-المسلمين أو المسلمين-العرب هم سبب البليّة لأنّهم وراء الأزمات التي يشكو منها الاقتصاد الأمريكيّ والاقتصاد العالميّ برمّته!. ومن النماذج الممثّلة لهذا الطرح شريط “موت أميرة” Death of a Princess (1980) الذي أنتجته القناة البريطانيّة ATV بالاشتراك مع القناة الأمريكيّة WGBH-TV . صحيح أنّ هذا الشريط لا يشير إطلاقا إلى مسألة الحضر النفطي لا من قريب ولا من بعيد، ولكنّ الكيفيّة التي صوّرت وفقها الحياة في المملكة العربيّة السعوديّة تخلّف لدى المستهلك/المشاهد الأمريكيّ والغربيّ عموما انطباعًا بأنّ العرب-المسلمين أو المسلمين-العرب في تلك البقاع يعيشون عيشة قائمة على ازدواج حادٍّ بين بيئة حضريّة مفرطة في البذخ تؤثّثها ناطحات السحاب والمغازات الراقية الملأى بأحدث خيرات الصناعة الغربيّة وآخر صيحات السيّارات الفخمة، وحياة بدويّة صحراويّة يصرّ أهل البلاد على التمسّك بها والعيش فيها والتمرّغ في رمالها. وبين البيئتَيْن تقضّي الأميرات حياتهن بحثا عن عشيق فحل وجريا وراء مغامرات طائشة… ومن وراء ذلك كلّه تبدو صورة العربيّ-المسلم أو المسلم-العربيّ صورةَ إنسانٍ غيرِ جديرٍ بالخيرات التي ينعم بها لأنّه لا يحسن التصرّف فيها. وبهذا المعنى، فإنّ ريع البترول مكسبٌ لا يستحقُّه أهله فمن باب أولى وأحرى أن يوضع بين الأيادي الأمينة، أيادي الخبراء الأجانب الذين لا غنى للعربيّ-المسلم أو المسلم-العربيّ عنهم لأنّهم أهل العقلانيّة والمعروفون بحسن التدبير.

إنّ هذه الصورة التي تشيعها الميديا الأمريكيّة عن بذخ العرب-المسلمين أو المسلمين-العرب وعن سوء تصرّفهم في ريع بترولهم وعن إضرارهم بالاقتصاد الأمريكيّ والعالميّ ليست بالجديدة ولا يقتصر حضورها على الأشرطة السينمائيّة المعاصرة. فمنذ سنوات الثلاثين، وقبل أن يصبح البترول ذهبا أسود تشدّ إليه الرحال، وقبل أن تصبح السينما صناعة وفنّا قائمَيْ الذات قدّمت كتب الرسوم المتسلسلة ثمّ أشرطة الرسوم المتحرّكة، مثل رسوم “البحّار بوباي” Popeye the Sailor ورسوم “علاء الدين” Aladdin صورةً عن العربيّ-المسلم أو المسلم-العربيّ من أهمّ ما يميّزها سمات الجمع بين الثراء الفاحش والأنانيّة الفجّة وانعدام روح المسؤوليّة. تلك صُوَرٌ غُرست غرسًا في أذهان الأطفال بأميريكا وعبر العالم حيثما تُرجمت وبُـثّـت أشرطة الصور المتحرّكة، أطفال تمّ إعدادهم ذهنيّا لكي يتقبّلوا، حين يكبرون، الصورةَ نفسها ولكن بملامح أكثر توسّعًا وانغراسًا في الضمائر والأفئدة.

أمّا المنوال الثاني الذي صيغت وفقه صورة العربيّ-المسلم أو المسلم-العربيّ في الميديا الأمريكيّة، فيتعلّق بالمرأة ووضعها في المجتمعات التي تدين بديانة التوحيد. ففي مختلف الأفلام تبدو المرأة على الدوام مقموعة قمعًا وحشيّا لا يبدي فيه الرجل (سواء أكان زوجا أم أخا أم أبا أم عشيقا) أيّ اعتبار لهذا الكائن، أو الذي يُفترض أنّه كذلك والذي يُفترض أن يُعامل على هذا الأساس. والأمثلة على هذه الصورة أكثر من أن تُحصى وأن تُـعَـدَّ كما الشأن بالنسبة إلى شريط Not without my daughter (1991) للمخرج Brian Gilbert الذي تبدو المرأة فيه خاضعة خضوعا مطلقا لمبادئ دينيّة جامدة لاعقلانيّة، وشريط Never say never again (1983) للمخرج Irvin Kershner حيث تبدو المرأة مجرّد بضاعة تباع وتشترى، وشريط The Sheltering Sky (1990) للمخرج Bernardo Bertolucci الذي لا تظهر المرأة فيه إلاّ منقّبة صامتة لا تستطيع أن تعبّر عن ذاتها إلاّ من خلال هزّات البطون وتعرية الزنود والإغراء الفجّ سعيا وراء اللّذة الحرام. وبرأي الباحثة ريتشل واغنر فإنّ هذه الصورة لا تخلو من مبالغة ومن تبسيط. فالشريط الأوّل، شريط Not without my daughter تقدَّم الثورةُ الإيرانيّةُ التي شغلت خلفيّة أحداث الفيلم تقديما قائما على “الدعاية المضادّة” من أجل أن يُدفع المستهلك/المشاهد دفعًا إلى إدانة ما يجري في إيران، بل إلى إدانة الديانة الإسلاميّة برمّتها وكأنّ ما ترتكبه السلطة الثوريّة الناشئة من تجاوزات هو الإسلام بعينه.

إنّ شريطًا كهذا يغفل تمامًا ما تسمّيه الباحثة ريتشل واغنر “جمال العقيدة الإسلاميّة وبهاءها”. ومثلما كانت لصورة العربيّ-المسلم المنغمس في بذخه وفي أنانيّته وسوء تصرّفه أصولها المنغرسة في سينما الطفولة، سينما الصور المتحرّكة كانت لصورة المرأة المقموعة الشبقة أصول قريبة من ذلك أيضًا. ففي أشرطة “علاء الدين” المتحرّكة ترتدي شخصيّة “ياسمينة” رفيقة درب بطل السلسلة ملابس من حرير، وتسير في أحياء المدينة العربيّة الإسلاميّة مكشوفة البطن والسرّة عارية الزنديْن.. وبالرغم من أنّ هذه الشخصيّة تبدو إيجابيّة من جهة معارضتها الدائمة لأبيها وثورتها عليه واعتبارها له رمزًا للتسلط وللقيم البالية، فإنّ صورتها تلك تُعطي للمستهلك/المشاهد الانطباع بأنّ بقيّة النساء القابعات في البيوت لَسْنَ إلاّ كائنات شَبِقَةً (بالمعنى المبتذل المستهجَن لهذه اللّفظة) تُحرّكهنّ الشهوة والرغبات الجامحة المكبوتة، فهنَّ لا يَصْلْحْنَ إلاّ لأن يُكُنَّ موضوعًا لتسلّط الغرائز الذكوريّة العنيفة غير السويّة دون أدنى احترام لإنسانيَّتهنّ.

وإلى جانب المنوالَيْن السابقَيْن، منوال البذخ اللاّمسؤول والمرأة المقموعة تُولّد الميديا الأمريكيّة أشرطتها استنادًا إلى منوال ثالث قوامه المطابقة بين الإسلام والإرهاب مع تغييب شبه تامّ للمظاهر السلميّة السمحة التي تزخر بها عقيدة التوحيد. ففي شريط The Siege (1998) للمخرج Edward Zwick يكون كلّ عمل “إرهابيّ” تقوم به الخليّة العربيّة-الإسلاميّة أو الإسلاميّة-العربيّة التي تَنْشطُ في نيويورك وتستهدف المواطنين الأمريكيّين الأبرياء مسبوقًا بإسباغ الوضوء (الذي هو في الأصل من أعمال التطهّر ومن مقدّمات الصلة بالذات الإلهيّة والمدخل إلى أداء فريضة الصلاة). ولفرط تكرّر نفس اللّقطات في الفيلم، تنشأ لدى المستهلك/المشاهد علاقة ارتباط شرطيّ بين الوضوء والجريمة إلى درجة أنّ مجرّد رؤية المتفرّج عضوًا من أعضاء الخليّة “الإرهابيّة” بصدد إسباغ الوضوء تُحدث لديه حالة من الترقّب والتوتّر مردُّها توقّعه حدوث “كارثة إرهابيّة” جديدة. ومن البيّن أن ارتباطًا شَرْطيًّا كهذا يُفرغ شعيرة الوضوء من دلالتها الدينيّة الأصليّة الأصيلة، ويُكسبُها دلالة جديدة مغايرة بعيدة عن دلالاتها الأمّ. ونفس الشيء يمكن أن يُلاحظ وأن يُقال بشأن الأكسسوارات التي تؤثّث جلّ الأشرطة السينمائيّة الأمريكيّة كالمصاحف المفتوحة التي تلوّح بها في الفضاء أيادي الجموع الصاخبة الغاضبة لأسباب لا يُدرك المستهلك/المُشاهد كُنهها، والمصوغ الذي يبدو فيه اسم الجلالة مكتوبًا بشكل بارز بأحرف عربيّة والذي يزيّن رقاب بعض الشخصيّات التي تُصوّر على أنّها شخصيّات متوتّرةٌ دائمة ومستعدّة للقتل في كلّ حين، وصيحات التكبير التي تسبق عمليّات التفجير، أو صورة القطّ المتدلّي مشنوقًا في أحد مشاهد شريط Midnight Express (1978) للمخرج Alan Parker… قطّ مشنوق تَـعَـمَّـدَ فنّيو الميكساج أن يضيفوا إلى صورته المرعبة صوت الأذان يُـرفع من صوامع تركيا المسلمة لكأنّ الدعاء إلى الصلاة مباركةٌ دينيّةٌ لهذا الفعل الحيوانيّ المسلّط على الحيوان والذي تأباه كلّ الشرائع إلاّ شريعة الإسلام كما يريد أن يوحي بذلك أصحاب الشريط!!!

أمّا المنوال الرابع الذي اعتمدته الميديا الأمريكيّة في رسمها لصورة الإسلام والمسلمين، فمداره تقديمها لهم على أساس أنّهم أشخاصٌ يعادون بطبعهم السامية والديانة المسيحيّة على حدّ سواء. ولعلّ من أبرز الأمثلة على ذلك شريط Delta Force (1986) للمخرج Menahem Golan. ففي هذا الشريط الذي تدور الأحداث فيه على حكاية مجموعة من الفدائيّين الفلسطينيّين الذين يقومون باختطاف طائرة أمريكيّة وتحويل وجهتها إلى بيروت، تعمد المجموعة “الإرهابيّة” إلى عزل ركّاب الطائرة اليهود وإلى المجاهرة بالرغبة في ارتكاب “محرقة ثانية” على شرفهم!. ولتفسير مثل هذه المشاهد التي تضمّنها الشريط الذي أضحى أشبه بالمسلسل والذي استنسخت منه ألعاب فيديو قارب عددها الستّة، تشير الباحثة ريتشل واغنر إلى حقيقة قلّما يتوقّف عندها أمثالُها من الدارسين، حقيقة أنّ الميديا الأمريكيّة تخضع في قسم لا يستهان منها لسلطان شركات الإنتاج الإسرائيليّة التي لا يخفى على لبيب أنّها تنهض بأعباء حرب دعائيّة تستهدف القضايا العربيّة والإسلاميّة.

وخلافا لما عليه الأمر بالنسبة إلى المناويل الأربعة التي سبق لها استعراضها، يبدو المنوالان الأخيران، الخامسُ والسادسُ، على درجة بالغة من التعميم والاشتراك؛ بمعنى أنّهما يتنزّلان من مختلف منتجات الميديا الأميريكيّة وتجلّياتها منزلة القواسم الجامعة التي لا يستأثر بها فيلم بعينه أو فيلم ما على وجه الخصوص. وخلافًا لما قد يتبادر إلى أذهاننا، فإنّ المنوالَيْن الأخيرَيْن أشدّ خطرًا وتأثيرًا من سابقِـيهما. ففيهما تبدو صورة العرب-المسلمين أو المسلمين-العرب أقرب إلى البديهيّات التي تعسر مراجعها أو تغييرها أو إعادة القول فيها. وذلك ما يتجلّى من خلال المنوال الخامس المتعلّق بهيئة العربيّ المسلم الذي يبدو دائما شخصا باعثا على الاشمئزاز والتقزّز، فهو دومًا بدين قـذر متخبّط فـظ غليظ الطبع أخرق تعوزه البراعة. ولعلّ أخطر ما في الأمر أنّ مثل هذه الصفات التي قد تطالعنا بها شخصيّات غير عربيّة وغير مسلمة (كشخصيّات المكسيكيّين في الأفلام الأمريكيّة على سبيل المثال) تُـقْـرَنُ بالديانة الإسلاميّة على وجه التحديد كما الأمر في الشريط الذي سبقت الإشارة إليه، شريط Midnight Express (1978) للمخرج Alan Parker. ففي مشهد من مشاهد هذا العمل السينمائيّ نرى مجموعة من المساجين المجانين القذرين يطوفون داخل السجن حول صخرة، في تعريض صريح بشعيرة الطواف حول الكعبة. وفي أفلام علاء الدين المصوّرة، يتمّ الإلحاح على أنّ جميع الشخصيّات الثانويّة التي تؤثّث الحياة العامّة للبيئة العربيّة-الإسلاميّة أو الإسلاميّة-العربيّة هي شخصيّات عنيفة ذات أحكام قيمة جازمة وذات ذهنيّة متعصّبة وذات سلوك حادٍّ ممّا يعطي انطباعا خاطئا -حسب رأي الباحثة ريتشل واغنر- بأنّ الإسلام دين منغلق على ذاته يعادي بشكل مبدئيّ كلّ أشكال التطوّر والإبداع ولا يبيح إلاّ العنف ولا يعوّل في محاولته السيطرة على الواقع وفي سعيه إلى استشراف المستقبل إلاّ على السحر والشعوذة.

وتتويجا لهذا المسار، مسار تصوير العرب-المسلمين أو المسلمين-العرب في الميديا الأمريكيّة، يبدو كلّ عربيّ-مسلم أو كلّ مسلم-عربيّ شخصًا لا عقلانيًّا أقرب إلى المجنون منه إلى الإنسان السويّ… هو كائن تُحرّكه الغريزة ويُملي عليه التعصّب والعنف واللاّمسؤوليّة وضيق الأفق حركاته وسكناته.. إنّه –في خاتمة المطاف- إنسانٌ يفتقر إلى أدنى شروط الإنسانيّة وتُعوزه أبسط مقوّماتها.

خارج الجغرافيا… بعيدا عن التاريخ…

في ضوء هذه الوصايا الستّ التي حكمت وما زالت تحكم الميديا الأمريكيّة لا نملك إلاّ أن نقرّ بحقيقة وحيدة، حقيقة أنّ صورتنا كعرب-مسلمين أو كمسلمين-عرب هي، بكلّ تأكيد، صورة خارج الجغرافيا بعيدة عن التاريخ… إنّها صورة مركّبة وفق مقاييس الميديا وأدواتها، صورة واقعة بين التخييل والحقيقة، بل واقعة في صميم التلاعب المتقن بالإنشاء والخبر، إنشاء وخبر بعيدان كلّ البعد عن بلاغتنا القديمة، بلاغة البيان والبديع والمعاني يتنزّلان في صميم بلاغة أخرى هي بلاغة الصورة المرئيّة التي تحتاج منّا إلى علم آخر جديد…

سؤال واحد نطرحه في خاتمة هذا المقال: كيف تبدو صورة “الإنسان الغربيّ” في الميديا العربيّة؟ هل هو واحدٌ أم متعدّدٌ؟ أَتُـراه يرضى بصورته تلك أم يرفضها؟ أم إنّ قدر كلّ ميديا أن تُنمّط الإنسان، أيّ إنسان في مسعى منها إلى إخضاعه والسيطرة عليه مدّعية في كلّ حين فهمه؟ ذلك ما قد تجيبنا عليه، يومًا ما موسوعة عربيّة تُعنى بهذا المبحث الجديد المستحدث، مبحث السينما والفيلم.

الكتاب/ Encyclopedia of Religion and Film

موسوعة الدين والفيلم

المحرّر / إيريك مايكل مازور Eric Michael Mazur

دار النشر/ ABC-Clio، 2011.

الجزء الأول من المقال

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق