الدين والعلم والنزعة العلموية

تبنى المثقفون العثمانيون والأتراك بحرارة، منذ منتصف القرن التاسع عشر وصاعداً، ، فكرة أن الصراع “الأزلي والأبدي” الذي افترضوا وجوده بين الدين والعلم، يشكل الدينامية الأساس لتاريخ البشرية ومجتمعنا التركي معاً. لا ريب أنه ليس من المصادفات أن أعمال قائمة طويلة من الكتّاب ( تمتد من “شمس الدين سامي” إلى “جلال نوري إيلري”، ومن “عدنان آضي فار” إلى “نيازي بركس” ) قد أشاحت النظر عن المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية لصالح الدينامية المذكورة التي افترضوا وجودها. إنه لمما يثير الاهتمام أن المناقشات الدائرة في الصحافة التركية حول حوادث القطارات التي وقعت مؤخراً، قد انطلقت من الأرضية الفكرية ذاتها، الأمر الذي يشير إلى النفوذ الواسع والمستمر في المجتمع التركي لعلموية (scientesism) مبتذلة (vulgar).

العلموية التي شهدت عصرها الذهبي في القرن التاسع عشر، لم تكتف بوضع “علم” كلي القدرة في مركز أيديولوجيتها، بل دافعت عن وجوب استخدام مناهج العلوم التجريبية في الفلسفة والعلوم السلوكية والعلوم الاجتماعية أيضاً. هذه الأطروحة، أي “الإيمان” – تحت تأثير المادية المبتذلة الألمانية خصوصاً – بقدرة العلوم التجريبية والطب على تفسير كل شيء (“الإيمان” مثلاً بأنه “تم إثبات” أن الوعي وإنتاج الأفكار هما وظيفتان بسيطتان من وظائف “المادة” التي يتشكل منهما الدماغ والجملة العصبية)، كانت سبباً لتحويل العلم إلى دين من قبل قسم لا يستهان به من المثقفين العثمانيين، في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، مقتفين في ذلك خط لودفيغ بوخنر.

يجب ألا ننسى أن ذلك لم يكن غير الصدى المحلي لجيل من المثقفين ارتأى كارلتون ج. هـ. هايز وصفه بعبارة “سلالة الماديين”، أكثر من كونه نتاج تطور مستقل. السجال حول الداروينية الذي انطلق من خلال مجلات كانت تصدر في بيروت والقاهرة والإسكندرية، وأبرزها “المقتطف”، قد اشتد حرارةً بعد صدور الترجمة العربية التي أنجزها الدكتور “شبلي شميل” لدراسات بوخنر التي زعم فيها الأخير أن الداروينية قد أثبتت الفرضيات التي طرحها بصدد “المادة والقوة”؛ ثم ترجم “عبد الله جودت”، في اسطنبول، البحث المعنون بـ”التفكير” من كتاب بوخنر إلى التركية؛ المثقفون الذين باتوا مريدي “دين العلم” الجديد، تعاطوا مع الانتقادات الأولى لبوخنر التي نشرت في القاهرة وبغداد وبيروت وإزمير، بوصفها “خرافات وإسرائيليات” لا تستحق الرد. إن دعوة “بشير فؤاد” إلى التخلي عن الشعر بدعوى أنه لا يتوافق مع النزعة العلمية، أو شخصيات الدكتور “شرف الدين مغمومي” القصصية التي تكتب قصائد عن الحيوانات، في سياق معركته ضد الشعراء الذين زعم بأنهم “ابتعدوا عن العلم، بنسبهم وظائف الدماغ إلى القلب”، أو دعوته للشعراء إلى معالجة الحيوانات المريضة بقصائدهم إن كانوا قادرين على ذلك، قد تبدو لنا اليوم أفكاراً غريبة، غير أنها كانت دليل إيمان تمثله عدد لا يستهان به من مثقفي ذلك الجيل.

بنتيجة ذلك كانت مناقشات فكرية من نوع السجال الذي اندلع بعد دعوة الجراح الشهير “هنري تومبسون” في تموز 1872، المؤمنين إلى إثبات القدرة العلاجية -إن وجدت- للصلاة الموجودة في كتاب “صلوات يوم الأحد من أجل المرضى”، والذي شارك فيه (السجال) كثير من المثقفين كروبرت سيلي وهكسلي وهولي أووك، واحتدم أكثر بعد مقالة غولتون التي أعلن فيها بأن المعطيات الإحصائية أثبتت عدم تحقيق تلك الصلاة أية فائدة بالنسبة لمعالجة المرضى. المناقشات تلك تنتقل إلى المجتمع العثماني التركي وإن بشيء من التأخير، ومنها على سبيل المثال الحملة التي أطلقتها مجلة “الاجتهاد” ضد الدعاء الذي عممته “مشيخة الإسلام” (مؤسسة الفتوى العثمانية) على المدارس أثناء حرب البلقان. تظهر لنا المبيعات القياسية لكتاب جون و. درابر “النزاع بين العلم والدين” الذي يعد إنجيل فكرة الصراع بين الدين والعلم، والذي حوّله “أحمد مدحت أفندي” إلى كتاب سجالي بإضافة تفسيراته وتفسيرات “خوجة موسى أفندي” إليه، أن ردود فعل المثقفين العثمانيين في هذا الميدان لم تختلف كثيراً عن مثيلاتها في أوروبا والولايات المتحدة.

إحدى السمات الخاصة التي اكتسبها هذا السجال في السياق العثماني، هي أن العلم الذي تم تصنيمه (fetish) بتحويله إلى دين جديد، قد تقدّس من قبل مريديه بوصفه أيضاً القوة التي تقف وراء تفوّق الغرب. وبنتيجة ذلك كانوا يؤمنون بأن العلم، المنغلق بإفراط، لكن “القادر على كل شيء” حسب اعتقادهم (وكانوا يقحمون فيه بكثرة كلاً من التطور التكنولوجي والهندسة)، سوف يحل، في مستقبل غير بعيد، محل الأديان، من خلال المفهوم الجديد للأخلاق الذي سيخلقه. المناقشات على هذه الأرضية الفكرية، إذا كان علينا أن نكرر الإشارة إليها (مثلاً السجال الذي دار، في العام 1853، بين الأطباء وكنيسة أدنبره التي دعت إلى الصيام يوماً واحداً في مواجهة وباء الكوليرا، والذي اضطر اللورد بالميرستون إلى المشاركة فيه، أو ردة الفعل القوية من قبل أنصار العلم، على صلاة الشكر التي أقيمت، في إنكلترا أيضاً في العام 1864، بمناسبة الموسم الزراعي الوفير)، كانت من الظواهر المألوفة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين، وكان المثقفون ممن يرون في الصراع بين الدين والعلم الدينامية الأساس للتاريخ البشري، يشكلون نسبة لا يستهان بها في المجتمعات الغربية. وكانت هذه الأفكار تجد الكثير من الأنصار في أوساط المثقفين العثمانيين – كما سبق القول – الأمر الذي لا نجد غرابة فيه.

ليست المشكلة في انتقال تلك المناقشات إلى الرأي العام العثماني/التركي، بل في سبب أن هذا المفهوم “العلموي” لا يزال يشكل الخطاب الشائع والمهيمن في الرأي العام التركي اليوم، وبصورته الأكثر عامية ورثاثة. علينا ألا ننسى أن “علموية” من هذا النوع، قد حكم عليها حتى مؤسسو الإتحاد السوفييتي بوصفها أيديولوجيا مثالية متطرفة، وفسروها بالضحالة الفلسفية. كذلك أكّد مفكرون من سوية “لانغه” على المشكلات الناجمة عن افتقاد هذا الضرب من “العلموية” إلى الفلسفة، في حين رأى علماء من عيار “جيستوس فون ليبيغ” في “العلمويين” “هواة” يقومون بتعميمات مبالغ فيها.

العلموية الشائعة في المجتمع التركي الحديث
السبب الأساس لقدرة هذا المفهوم على الصمود إلى يومنا الراهن، من غير أي تغيير، هو أن الإيديولوجيا الرسمية التركية، على الرغم من خوائها الفلسفي، قد وحّدت بين “العلموية” التجريبية للمادية المبتذلة الألمانية للقرن التاسع عشر، والمادية الفرنسية للقرن الثامن عشر بصورة ليس لمؤسسي هذه الأخيرة أن يرغبوا بها، ووضعت هذا المزيج في مركز منظومتها. لهذا السبب نرى أن المادية المبتذلة والعلموية الألمانيتين للقرن التاسع عشر التي تركت أثراً محدوداً في العالم العربي اليوم، على الرغم من الجهود المكثفة لمفكرين مثل الدكتور شبلي شميل وسلامة موسى وإسماعيل مظهر، بل حتى قاسم أمين، فإنها ما تزال قادرة على ممارسة هيمنتها على الخطابين المثقف والشعبي في الرأي العام التركي، وما يزال بوسع سجالات ما قبل قرن في الصحافة الأوروبية والأمريكية، أن تتصدر اهتمامات الصحافة التركية اليوم.

اللافت أن المفكرين الذين نقلوا المادية المبتذلة و”العلموية” الألمانيتين للقرن التاسع عشر إلى المجتمع العثماني/التركي، قد استشعروا نقطتي الضعف الأساسيتين لهذه الأيديولوجيا، عنيت بهما خاصيتها في التحوّل إلى نسق إيمان من شأنه خلق مؤمنيه الخاصين، ومدى الضعف الذي سيكون عليه هذا النسق بمواجهة أنساق الإيمان الموجودة. في رأيهم كان يجب، من كل بد، إيجاد حلول لهذه المشكلات. لذلك فقد تمسك أولئك المثقفون بجان ماري غويو كما لو كان طوق إنقاذ. ولكن بدلاً من التوجه إلى تركيبات مماثلة، تم دفع تلك الأيديولوجيا التي لا تتعدى في أوروبا حدود الابتذال، إلى مزيد من الابتذال والرثاثة، في مرحلة بناء مجتمع جديد، الأمر الذي نتجت عنه آثار نستشعرها إلى اليوم.

وأبرز تلك الآثار هو أن المجتمع التركي ما زال يخوض سجالات القرن التاسع عشر، ويستهلك طاقاته في هذا المجال. كان وليم جيمس قد أشار، في تحليله لأطروحات الصراع بين الدين والعلم العائدة إلى ما قبل قرن ونصف القرن، إلى أن أنصار الجبهتين في السجال المذكور، هم أفراد من ذوي سوية فكرية من شأنها أن تنحدر بمناقشة فلسفية أساسية إلى حضيض الابتذال، وقال إنهم، مع ذلك، كانوا يشعرون بالراحة في مقاربتهم، بسويتهم الفكرية الموصوفة تلك، موضوعاً شائكاً إلى هذا الحد. وإذا نظرنا من المنظار نفسه، من الممكن القول إن “عدنان آضي فار” لا يفاجئنا حين يقول إن الفترة التي قرأ فيها كتاب “المادة والقوة” لبوخنر “هي أكثر فترات حياته ارتياحاً من الناحية الفكرية”. أما الشعور براحة مماثلة كمجتمع في القرن الحادي والعشرين، فلا شك أنه لا ينم عن إنجاز يدعو للفخر.

فصل من كتاب: “الذهنية والسياسة والتاريخ من الدولة العثمانية إلى الجمهورية” – اسطنبول 2006
الترجمة عن التركية: بكر صدقي

م. شكري هاني أوغلو: رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة برينستون. من كتبه المنشورة: “الدكتور عبد الله جودت كمفكر سياسي وعصره” (اسطنبول 1981)، “جمعية الاتحاد والترقي كمنظمة سياسية وتيار الأتراك الشباب 1889 – “1902 (اسطنبول 1986)، “الأتراك الشباب في المعارضة” (بالإنكليزية، أوكسفورد 1995)، “الإعداد لثورة: الأتراك الشباب، 1902 – 1908 (بالإنكليزية، أوكسفورد 2001).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق