الدّورة الأخيرة لمجمع الفقه الإسلاميّ :
” من بدّل دينه فاقتلوه ! “

كان المصنّفون المسلمون في الأديان والفرق والملل قد طوّروا موقفا عقَديّا يتّسم بالتضييق المستمرّ من فُرَص النجاة: الدين الحقّ يُحْصَر في الأديان الكتابيّة، والأديان الكتابيّة تُخْتَزَل في دين الإسلام، ودين الإسلام يُختَزَل في فرقة ناجية ليُحْكَمَ، من ثمّة، على سائر الفرق ” الهلكى ” بالانحراف والشبهة.

ويبدو أنّ ” العلماء ” المجتمعين في الدورة التاسعة عشرة لمجمع الفقه الإسلاميّ بالشارقة من 26 إلى 30 أفريل / نيسان 2009 لم يغادروا ” مُتَرَدّم ” الحنابلة ولا ” بيان ” البغداديّ ولا ” ملل ” الشهرستاني ولا ” هداية حيارى ” ابن الجوزيّة أو ” اقتضاء صراط ” ابن تيميّة حين طرحوا وثائق اجتماعهم عن ” الحرّية الدّينيّة ” و” حرّية التعبير عن الرأي ” والموقف من الديانات غير الإسلاميّة ومن العنف داخل الأسرة.

لم تتزحزح الوثائق التي خرج بها المجتمعون والمنشورة على موقع ( المجمع الفقهيّ الإسلاميّ ) التابع لمنظّمة المؤتمر الإسلاميّ عن التركيب التلازميّ المرعب ” من بدّل دينَه فاقتلوه..” ولا عن الأمر النافذ ” أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب ” ولا عن ضرب الناشز ولو بعود ثقاب !

إنّ الحرّية الدينيّة مكفولة بحسب المجمَع، ولكنّها مشروطةٌ ” {{بحمايتها من المخاطر والأفكار الوافدة، ومن كلّ أشكال الغزو الدينيّة وغير الدينيّة التي تستهدف تذويب الهويّة الإسلاميّة للأمّة}}..” هذه الحرّية المضبوطة المنضبطة لا يمكن أن تلتبس في عيون المجمع ” {{بإثارة البلبلة حول المسلّمات والثوابت الإسلاميّة..أو التشكيك في ما هو معلوم من الدين بالضرورة}}..” وبناء على التسييج الفقهيّ لمسألة الحرّية يغدو من الواجب شرعا ” {{ردع هذه الأساليب المرفوضة التي يتذرّع أصحابها بالحرّية الدينيّة لحماية المجتمع وأمنه الدينيّ والفكريّ}}..”

وهل يبقى للحرّية من معنى في ظلّ الأمن الدينيّ والفكريّ المسلّط على الرقاب إلاّ تحمّل الوصم بالردّة والكفر مع ما يترتّب عليهما من حدّ هو القتل بعد الاستتابة طبعا ! ” {{درءا لخطره}} ( من بدّل دينه أو فكّر فيه ){{ وحماية للمجتمع وأمنه}}..”

وبالمثل، فإنّ حرّية التعبير عن الرأي حقّ مصون في وثائق المجمع، ولكنْ “{{ في إطار الضوابط الشرعيّة}} “. وهي ضوابط، متى تأمّلناها، امتنعت منطقا، خصوصا أنّها سِيقت مساق التعميم والتمطيط كـ” {{المحافظة على مصالح المجتمع وقيمه}} “، و” {{أن تكون الغاية من التعبير عن الرأي مرضاة الله تعالى وخدمة مصالح المسلمين}} “، وأنْ لا تتضمّن حرّية التعبير أيّ تهجّم ( اقرؤوا أيّ نقد ) على الدين أو شعائره أو شرائعه أو مقدّساته أو ثوابته ” {{تحت شعار الفنّ أو حرّية التعبير عن الرأي}}..”

ولم تغفلْ وثائق المجمع – في سياق المكابرة والنكوص والرضى بهامش التاريخ – طرحَ توصية إلى أولي الأمر في البلدان الأعضاء في منظّمة المؤتمر الإسلاميّ بأنْ ينسّقوا فيما بينهم ” {{للحفاظ على ثوابت الأمّة في مواجهة التيّارات التغريبيّة المتعلّقة بالأسرة}} “، ومطالبة هذه الحكومات بمراجعة الاتّفاقيّات الدوليّة الخاصّة بالمرأة والطفل التي تمّ التوقيع عليها حرصا على خصوصيّة الثقافة الإسلاميّة من التعارض، والمرور، من بعدُ، إلى رفض البنود التي لا تتّفق مع الأحكام الشرعيّة.

للأسف، فإنّ وثائق المجمع الفقهيّ الإسلاميّ الأخيرة تدلّ على أنّ المجتمعين – وهم ممثّلون رسميّون أو شبه رسميّين للدول الأعضاء في المؤتمر الإسلاميّ – لم يخطوا خطوة واحدة باتّجاه تخليص المؤسّسات الدينيّة الإسلاميّة الرسميّة أيضا من محمولات التعصّب والإقصاء ومن أدبيّات التبديع والتفسيق والتضليل التي تراكمت عبر التاريخ.

إنّ مقتضيات الحوار بين الأديان الذي تدعو إليه دول في المنطقة ( مؤتمر حوار الأديان والثقافات الذي دعت إليه السعودية وموّلته وانتظم في نيويورك في نوفمبر من العام 2008 ) لا يكون دون مراجعة نقديّة يتمّ فيها ” التنازل ” عن بعض من ” الدوغما ” المتحكّمة في بنية الدين نفسه وعلى درجات متفاوتة بين دين وآخر، مع الانفتاح على تجارب أخرى خطت في اتّجاه ” عصرنة ” الأبعاد الإيمانيّة لدى الإنسان وتأهيل الدين ليواكب العصر، ونُصب أعيننا مثالُ المجمع الفاتيكاني الثاني وخاصّة في بيانيْه الشهيريْن: حول الحرّية الدينيّة ( المعروف بـ Dignitatis Humanæ ) وعلاقة الكنيسة بالديانات غير المسيحيّة ( في عصرنا – Nostra tate ).

لا مناص، اليوم، من الإنصات إلى دعوات التسامح والالتزام بالمواثيق الدوليّة بما فيها الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، واحترام الحرّيات الأساسيّة بما فيها حرّية المعتقد، وحريّة تغيير المعتقد، وحرّية التعبير عن الرأي دون تمييز على أساس الدين أو اللغة أو العرق أو الجنس. ولا مجال لحديث عن الحرّية بمعزل عن القبول بالاختلاف فكرا وممارسة، والانتقال من وهم المطابقة إلى أفق الاختلاف، ودون الكفّ عن النظر إلى الاختلاف باعتباره تجسيدا بشريّا لشبهة من شبهات إبليس لما يترتّب على هذه النظرة من قسمة للعالم إلى فسطاطيْن : فسطاط أهل الحقّ وفسطاط أهل الباطل. ولا يخفى ما تقود إليه هذه القسمة من تبرير ” شرعيّ ” لإدانة المختلف عقديّا أو فكريّا وإقصائه سياسيّا، ولِم لا تصفيته جسديّا.

متى تكون لمجمع الفقه الإسلاميّ جرأةُ المجمع الفاتيكاني الثاني؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق