الذّكاء العاطفي

 
من أكثر الأوصاف التي تردّدت على ممارسة النّظام الخارج عن المنطق الإنساني من قبل المعارضين، عبارة “غبائهم يقتلنا” وكذلك كان الحال بالنّسبة إلى مؤيّدي النّظام لمعارضيه ووصفهم للجيش الحرّ بالجيش “الكرّ” والمعروف عن الكرّ أو ابن الحمار الغباء وعدم الاستفادة من التّجارب… لذا وجدت اليوم الكتابة عن نوع مختلف في الحديث عن الذّكاء والقدرات العقليّة المختلفة المتداولة اليوم بجديّة في أغلب المجتمعات، عند الحديث عن برامج التّنمية البشريّة والتدرّب على تطوير الذّات من خلال إدارة الوقت وتنشيط القدرات والمهارات المختلفة، التي تسهم في تحسين التّكيف مع متغيّرات العصر الجديدة. لذلك فإنّ اهتمامنا بموضوع الذّكاء العاطفي في عالمنا العربي أجده من مقتضيات التّغيير التّربوي الهام للسّنوات القادمة…
 المقصود بالذّكاء العاطفي : تبعاً لبارون (2000)م عالم النّفس الأمريكي، هو مجموع القدرات المتعدّدة المرتبطة بالمكوّنات الانفعاليّة والشخصيّة والاجتماعيّة، بحيث تتكامل محاور الذّات، في بناء العلاقات مع الآخرين، والتكيّف مع المتغيّرات البيئيّة المحيطة بنا، لتتّسع إلى مفهوم الصّحة العاطفيّة المتمثّلة في إدارة العواطف. إنّ تعريف “بارون” يستند إلى الأبحاث المبكّرة لعالم البيولوجيا الشّهير / داروين/ حول التّعبير الانفعالي، لبقاء الكائن الحيّ وتكيّفه مع البيئة، كما تأثّر “بارون” بأفكار “ثورندايك”، حول الذّكاء الاجتماعي، وأهميّته في أداء الفرد، وكذلك أبحاث /فكسلر/ 1940م. حول القدرات اللا معرفيّة للذّكاء، والمقصود بها العواطف الشّخصيّة والاجتماعيّة، التي تعتبر مستوى هذه القدرات اللامعرفيّة، عاملاً أساسيّاً في التنبّؤ بقدرة الفرد على تحمل المسؤوليّات.
ومن الجدير بالذّكر، أن تعليم الطّفل للدّروس العاطفيّة، يتمّ في وقت سابق على تعلم دروس اللغة، بسبب سرعة نموّ وتطوّر الجزء من الدّماغ الخاصّ بالحوار اللاكلامي، والذي يتعلق بحركات الوجه، وطبيعة الأصوات، ونبرتها وبالتّالي فتأثير الآباء في عواطف أطفالهم، له الأثر الكبير والعميق في شخصيّاتهم، وردود أفعالهم مستقبلاً… 
ولمّا كان الإنسان بطبيعته يبحث دوماً عن التّجارب العاطفيّة بشتّى الطرق والوسائل، لذلك يتعرّض وبشكل يومي لاحتمال إصابته بالصّدمات العاطفيّة، حتّى من الأمور البسيطة، ولولا المعرفة والذّكاء العاطفي سنصبح أكثر جموداً، ولا نعد نشعر بعواطفنا أو لا نستطيع التحكّم فيها ممّا يسبّب لنا الألم والانزعاج، والطفولة يمكن أن تكون ممتلئة بالصّدمات العاطفيّة وسوء المعاملة، فلا يعطى الطفل الحنان والرّعاية التي يحتاجها إلاَ عندما يتصرّف كما يريد الكبار. رغم أن المعالم الأساسيّة لشخصيّة الإنسان تأخذ شكلها مع بلوغه سن السّادسة من العمر، ولكن يمكن للتّجارب والجهد الفردي أن يشذب ويغيّر من بعض هذه المعالم الشخصيّة، وخاصة في المراهقة، أمّا عند بلوغ الإنسان سنّ النضج فتغدو صفاته الشخصيّة ثابتة تقريباً ويكون سلوكه عموماً متوازناً، وهذه هي أهمّ مظاهر الصحّة العاطفيّة، التي تعتبر مطلباً موضوعياً وهدفاً لابد من السّعي لعيشه، إذا أردنا أن ننجح ونستمتع في حياتنا اليوميّة عبر مسيرة الحياة العصريّة اليوم. 
 ** للعواطف وظائف مختلفة من خلال ما تقوم به من مثل : 
– ترتيب المنظومة الفكريّة للشّخص، وتوجّهه للمعلومات الأكثر أهميّة.
– العواطف الفعّالة، تؤثر في عمل الذّاكرة، من حيث ما يسمّى بالذّاكرة الاصطفائيّة. 
– الحالة العاطفيّة التي يعيشها الشّخص، تؤثر على تقبّله لوجهات النّظر المختلفة، الصّادرة من الأشخاص المحيطين به، والذين يتفاعل معهم حسب المواقف المعاشة، وكذلك من خلال التّوجهات العاطفيّة التي يبدونها له.
 فالمواقف المريحة تشجع على ابتداع الحلول الجّديدة في الحياة اليوميّة، والعواطف في حياتنا اليوميّة كشرقيين تعتبر المحرك الأهم لاستمرار وجود الأشخاص، في حياة بعضهم البعض، من حيث كون العلاقات الاجتماعيّة تشكل محكاً أساسيّاً في معاشنا وقيمنا العامّة، لأجل ذلك من المفيد الوقوف عند العواطف المتداخلة، والمعقّدة عند الأشخاص، كما هو الحال في اقتران مشاعر الحبّ بالكره، واقتران انفعال الخوف بعنصر المفاجأة، لأنّ المقدرة على ملاحظة تبدّل العواطف، من حال إلى حال، والتّمكن من ضبطها حسب ما تقتضيه المواقف، كمؤشر هام من مؤشرات السّلامة العاطفيّة والنّضج العاطفي.
وما يعيق تحقق السّلامة العاطفيّة، الأخطاء العاطفيّة التي تنشأ في التعاملات اليوميّة : من حيث أنّها تسبّب بمضار كبيرة في حياة الشخص، وتنمّ حتماً عن ضعف في الذكاء العاطفي، مما يتسبب بخسارة اجتماعيّة تتعدّى الفرد في حال كان من ليس لديه ذكاء عاطفي يتربّع على عرش هرم سلطوي. 
وتبعاً لذلك فإنّ الذكاء العاطفي سمة هامّة من سمات الشخصيّة المناسبة لترشحها لتحمّل مسؤوليات متصلة بالشأن العام من كون الجوانب الأساس لمن يتمتّع بذكاء عاطفي تتصف بما يلي :
– الدافعيّة الذاتيّة والقدرة على تحديد الأهداف واتخاذ القرارات والتوجه نحو تحقيقها برغم الصّعوبات أو القصور في الإمكانيّات الأخرى.
– التحكّم في المزاج وإدارته بشكل سليم. وتحقيق التّوازن بين رغباتك ورغبات الآخرين
– الثّقة في النّفس والوعي الذّاتي بالمشاعر وإدراك شعور الآخرين وتقدير ردود الأفعال وحسبان العواقب.
– المشاركة الوجدانيّة للآخرين فمثلا يتفهّم، يتعاطف، يتقبل، يتنازل، يكون مرن مع الآخرين في تقبل أفكارهم وتشكيل أفكار مشتركه مع الآخر، أي أنّه لا يفرض الرّأي بفظاظة أو تسلط.
– حسن إدارة العلاقة مع الآخرين، مع الأصدقاء، مع الزّوج أو الزّوجة، الأبناء، الوالدين، ومع زملاء العمل، مع الرّؤساء والمرؤوسين… الخ، من خلال جودة التّواصل اللّفظي وغير اللّفظي…. ومن الدّراسات العالميّة في هذا الشّأن، دراسة وولف ودراسكت / wolf،druskat/ عام 2001م، والبرامج التي تبنّتها الدّراسة، بهدف تنمية المهارات العّاطفية المختلفة، والتي تدلل على أهميّة امتلاك إنسان اليوم لمهارات الذّكاء العّاطفي في تسيير شؤون حياته اليومية، من كون امتلاك الأفراد لهذه المهارات، تمكنهم من امتلاك أدوات النجاح المهني والاجتماعي والأكاديمي، وبالتّالي تكون الثّقافة حول حياتنا العاطفيّة عوناً على التّكيف مع الذّات، ومن ثمّ مع الآخرين من حولنا، وتجعلنا أكثر استمتاعاً وتمتّعاً بحظ أوفر بمقوّمات الصّحة النّفسيّة…
ومن الجدير بالذّكرأنّ عواطف الإنسان تزداد، أو تنقص تبعاً لأمور عدّة منها تجربته الشّخصيّة، فمن خلال تنوّع خبراته ومحطاته الاجتماعيّة منها والعمليّة، إذ تبعا لذلك تعمل العواطف على تعديل السّلوك، وتوجيه الدّوافع الفطريّة والمكتسبة، بما يتّفق وقيم المجتمع الذي يعيش به الشخص، كما أن العواطف تُكسب الإنسان القدرة على الانتظام والثّبات في سلوكه العام، مما يسهم في التنبؤ بمواقفه تجاه الأمور المهمّة التي تواجهه في حياته، سواءً كانت نحو عائلته أو أصدقائه، وحتّى مهنته وانتمائه الإنساني العّام سواء بسواء، وبتآزر كبير حتّى يتحقّق تكيفه الانفعالي للمستوى المطلوب لأداء ما هو منتظر منه…
الأبعاد التي تتّصل بالذّكاء، والتي تعتبر محكّات لقياس، وتحديد سويّة الذّكاء العاطفي ونسبها :
1. البعد الذاتي : هو المحكّ الأهمّ عند تحديد معيار الذّكاء العاطفي من حيث :
1-1- مستوى المعرفة بهذه الذّات، وذلك من خلال حصر نقاط القوّة والضعف لدى الشّخص.
1-2- التنبيه المباشر، لما يدور في النّفس الخافية عن الآخرين، والمكشوفة على داخل الشّخص.
1-3- إدراك مدى قوّة عواطف الشّخص تجاه أمر مادي أو معنوي.
1-4- هذه المعرفة لذواتنا، كلما كانت واقعيّة متفائلة وغير متشائمة، كلّما كانت بنّاءة.
2. احترام الذّات من خلال:
2-1 الشّعور بقيمة ذاتنا، بالقدر الذي نحقّق فيه النّجاح فيما نعمله ونعيشه.
2-2 الشّعور بالانتماء للجماعة، والابتعاد عن شعور الوحدة.
2-3 امتلاكنا لهدف واضح نعيش لأجله.
2-4 الشّعور بالأمان الجسدي، وكذلك العاطفي، وعدم الشّعور بالتّخلي العاطفي، وعدم التّقبل لمن نعيش معهم.
3- التّعامل مع العواطف من خلال:
3-1 فهم ما وراء المشاعر، التي نعيشها بالسّلب أو الإيجاب.
3-2 إعطاء دائرة الأهميّة المناسبة لهذه المشاعر، وذلك من خلال قدرتنا على السّيطرة على أنفسنا، إزاء التقلبات التي نعيشها مع من حولنا.
3-3 مدى القدرة على الاسترخاء، والبعد عن التّوتر والانقباض، من خلال تفاعلنا مع مثيرات الحياة اليومية والضّغوط المعاشة.
3-4 مدى القدرة على التّخفيف من حالة التوتر، هو مقياس الذّكاء العاطفي بلا شك.
3-5 القدرة على التأقلم مع تأخّر المكافآت المستحقة لنا، له علاقة بذكائنا العاطفي وتفهّم الآخرين.
4- تحفيز الذّات من خلال:
4-1 بثّ التّفاؤل والأمل الدّائم في النّفس، وذلك من خلال المثابرة على متابعة هدف ما، بدأنا في العمل عليه، فقدرتنا على التّركيز والانتباه، مؤشر أيضاً على ذكائنا العاطفي.
4-2 التّعاطي المرن مع المستجدات والظروف القائمة.
4-3 القدرة على التّفاعل المرح مع من حولنا، بحيث يجعل السّرور يدخل بصورة دائمة لنا، ولمن حولنا.
البعد الثاني المتعلق بالآخرين :
1- يكون من خلال التّعاطف الجّاد مع الآخرين وذلك عبر ما يلي:
1-1 شعور الغيريّة الذي يبث للآخر، ويعطيه شعور بالطّمأنينة.
1-2 التّعبيرات الكلاميّة وغير الكلاميّة، أثناء تواصلنا مع الآخرين لبناء علاقة ناجحة، هو مؤشر هام جداً على الذّكاء العاطفي.
1-3 إدراكنا لحاجات الآخرين وتقديرنا لها.
1-4 طبيعة الصّلة التي نجدها بالآخر عند تفاعلنا معه، من حيث القرب، البعد، الحياديّة، وكلّها مؤشّرات هامّة، للضّبط المتوازن للنموّ الاجتماعي.
2- مستوى العلاقة مع الآخرين، وتفعيلها من خلال :
2-1 المقدرة على الإصغاء لهم.
2-2 المقدرة على طرح الأسئلة.
2-3 المقدرة على التّواصل المرح والضحك، مع الآخرين من حولنا. المقدرة على التّعبير باحترام تجاه من تربطهم بنا صلة ما.
2-4 المقدرة على التّسامح وتحمّل الأذى.
2-5 المقدرة على التّعاون المثمر مع الآخرين.
2-6 المقدرة على التّقبل للنّقد حين العمل في جماعة.
2-7 المقدرة على مراجعة الخطأ أمام الفريق.
2-8 المقدرة على المطالبة بالحقوق، وعدم المساومة عليها.
2-9 المقدرة على قراءة المواقف الاجتماعيّة بدقّة وعدم الخلط في تفسيرها. وأختم حديثي هذا بالتأكيد على ما أشار إليه “عالم النفس الشهير “أريكسون :arecson” الذي أكّد في أبحاثه على أهميّة الانفعالات في العمليات النّفسيّة، وأبدى اهتماماً خاصاً بدور الانفعالات في نظرية حول النّمو الاجتماعي، كما أكدّ على أن المهارات الاجتماعيّة المعرفيّة، تلعب دوراً رئيسياً في السّيطرة على المهارات التكنولوجيّة في المجتمع الذي يعيش فيه الفرد. كما أن الانفعالات (emotion) أيضاً، هي التي تشكل الإحساس بالهويّة، وفي التّوجه إلى الأدوار الاجتماعيّة والمهن المقبولة له مستقبلا. وفي المقابل فإنّ الأشخاص الذين لا يعار الاهتمام لنموّهم الاجتماعي والانفعالي، يحصل لديهم اضطرابات متعدّدة في الشّخصيّة الاجتماعيّة، مثال ذلك : اضطراب الشّخصيّة اللا إجتماعيّة (dissocialpersonality).
هذا الاضطراب يتميّز بعدم الاهتمام بالالتزامات الاجتماعيّة، وافتقاد الشّعور مع الآخرين ويلاحظ عليه عنف غير مبرر أو لامبالاة واستهتار، كذلك تظهر لديه هوة كبيرة بين سلوكه هو والقيم الاجتماعية المتعارف عليها، كما لا يمكن تغيير سلوكه عن طريق العقاب، لأن الشّخص الذي يعاني من هذه الاضطرابات، يظهر عليه ضعف في القدرة على تحمّل الإحباط وسهولة شديدة في تفريغ العدوان، ونجد الشّخص الذي يعاني من اضطراب الشخصيّة الاجتماعيّة، أنّه دائماً يقدّم مبرّرات مقبولة ظاهريّاً لسلوكه، ممّا يضعه في صراعٍ دائمٍ مع المحيط من حوله.
مثل هذه المشاكل في الشّخصيّة تعتبر من أصعب المشكلات النّفسيّة، ولكن كلما كان الشّخص صغير السّن كان تحسّنه أفضل، إذا ما تمّ التّدخل معه ضمن محيط متفهّم لخصوصيّة هذا الشّخص. وكذلك إذا تمّ العمل معه على الضّوابط الذّاتيّة للشخصيّة لإعادة الثّقة والأمان المفقود لديه. 

الهوامش:
 تمّ الرّجوع إلى المراجع التّالية في إنجاز هذا المقال :
1- الصحة النفسية منظور ديناميكي تكاملي للنمو في البيت والمدرسة : 
د. حجازي،مصطفى،2000، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى.
2- تنشئة الأطفال وثقافة التنشئة : علواني،عبدالواحد،1997، دار الفكر المعاصر، دم
3- الذكاء العاطفي والصحة العاطفية: د. مبيض،مأمون، المكتب الإسلامي، بلفاست- المملكة المتحدة، 2003م .
4- نظرية أريكسون في النمو النفسي الاجتماعي وتطبيقاتها في العمل النفسي: د. شريم،رغدة،(1999) م، كلية العلوم التربوية، الجامعة الأردنية، دورة الإرشاد النفسي في كلية التربية جامعة دمشق .
5- الإنسان المعاصر في التحليل النفسي الفرويدي: د.عباس ،فيصل، 2004م .
6- برنامج ترريب في تنمية الذكاء العاطفي، رسالة دكتوراة غير منشورة، إعداد: رزق الله،رندا، إشراف: الأستاذة الدكتورة: الأحمد، أمل،2006،جامعة دمشق. 
7- المخ البشري، مدخل إلى دراسة السيكولوجيا والسلوك، تأليف: تمبل،كرستين، ترجمة: د. أحمد،عاطف،2000، سلسلة عالم المعرفة، عدد (287) شهر تشرين ثاني.
8- حواشين، مفيد نجيب (1991) النمو الانفعالي عند الطفل، دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان.
9- أسعد، يوسف، مخائيل (1996) سيكولوجية العاطفة، المؤسسة العربية الحديثة للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة.
12- عدس، عبد الرحمن (1997) دور العاطفة في حياة الإنسان، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عمان.
“صيرورة المؤنث” في الذكورة تبعاً للفلسفة المعاصرة .. كولان ،فرانسواز ،كتاب باحثات ، الكتاب الثاني عشر عنوان الكتاب : تفكيك مفهوم الذكورة المهيمنة – 2006-2007م .
1. Damon،William (1999) The Moval Development of children ،Avenve ،Newyork، 
2. Zautra، A(2003) Emotion ، stress ،and Health Oxford University . K University press. . ، your three year old ، susan d . gottlieb .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This