الرأسمالية في أزمة

{{- بماذا تتميز الأزمة الحالية، وعلى أيّ أساس تقودنا إلى أزمة سياسية، فلسفية وأخلاقية؟}}

{{[* جاك أتالي:*]}} هذه الأزمة تضعنا في مواجهة شكل من أشكال العدم المطلق. نحن واعون تماما أنّ “تعميم” السوق على مستوى الكوكب الأرضي هو على مسافة سنوات ضوئية من وضع دستور شامل لدولة القانون، بما أنّه من التضليل أن نتحدّث اليوم عن دولة قانون قومية. السوق مهما كانت جدواه لا يمكن أن يتنبّأ بالأحداث بعيدة المدى. يجب إذن، أن نملأه أو نعدّ له بمكانِزمات معوّضة (حقّ الملكية، الإبقاء على التنافسية، خلق فرص الطلب بأجور لائقة وإيجاد طلب عموميّ عالميّ.. إلخ) وبما أنّ هذه المكانزمات لم تكن قطّ في الحسبان، فإنّ الطبقة الوسطى في البلدان المتقدمة وخاصة بالولايات المتحدّة الأمريكية لم تستطع في العشرين سنة الأخيرة الحصول على مداخيل ذات نموّ مطرّد.. وهو خطأ الدولة التي عجزت عن توفير أجور لائقة، وفرض توزيع أحسن للمداخيل. لقد عاينّا تزايد الطلب المشحون بتداين الأجراء. وهذا ساعد على انفجار النظام المالي، والذي حوّل جزءا هامّا من القدرات ورؤوس الأموال وقادنا إلى الكارثة. لتوسيع النقاش، أضيف أنّ الرأسمالية لا يُمكن أن تكون أخلاقية ولكن يجب أن تكون مراقبة بدولة القانون. والسؤال هو في الحقيقة أن نعرف على أيّ أساس يمكن للأخلاق أن تُعين على تثبيت دولة القانون عالميا.

{{[* أندري كونت- سبونڤيل:*]}} الرأسمالية بلا أخلاق. إنّها لا تعمل بمعيار الفضيلة، والسخاء، والإيثار، بل بالعكس تعمل من أجل المصالح الشخصية أو العائلية: إنّها تعمل بأنانية. لهذا فهي تعمل بقوّة – الأنانية لا تتخلّف أبدا- ولكن لهذا أيضا هي لا تعرف الاكتفاء، وبما أنّ السوق لا يمكنه أبدا أن ينتظم ذاتيا بطريقة مقبولة اجتماعيا والأخلاق لا تستطيع التدخّل بين القوة العمياء للاقتصاد وضعف الجانب الأخلاقي، فإنّ السياسة والقانون وحدهما القادران على منحنا إمكانية تثبيت حدود لا تسويقية داخل السوق، وذلك كي يتمّ تعديله حتى تنتصر المعايير الأخلاقية للأفراد، ولو في جزء ما، على الواقع اللاأخلاقي للاقتصاد.

المشكل اليوم، هو أنّه بين السُلّم العالمي للمشاكل الاقتصادية التي نواجهها والسلـَّم القومي لإمكانيات تحرّكنا لمجابهة هذه المشاكل تقع هوّة كبيرة، جعلت السياسة عاجزة، وبما أنّه من غير الممكن إلغاء عولمة المشاكل، فإنّ الحلّ الوحيد هو خلق سياسة عالمية، وهو ما يستلزم إيجاد تفاهمات بين الدول، تجعل من الممكن حسر انحرافات الرأسمالية. كلّما ازددنا يقينا من قوّة الاقتصاد وضعف الأخلاق، وجب علينا أن نكون أكثر حرصا على القانون والسياسة.

{{[* جاك أتالي:*]}} أريد أن أؤكد على تيارين شديدي التناقض، الأوّل هو أنّه إذا استمرت “عولمة السوق” دون دولة القانون فإننا سنجد أنفسنا سريعا في مواجهة تجريم “خارق للعادة” للاقتصاد العالمي. أعطي مثلا: الصومال هو البلد الوحيد في العالم الذي يعرف اليوم اقتصاد السوق بدون دولة. إنّ نظام العصابات هو الذي يسيطر، سيطرة تامة على التجارة بكلّ أنواعها. إنّنا بصدد تحويل العالم وبسرعة فائقة إلى صومال شامل. إنّ تضخّم نموّ الاقتصاد الإجراميّ غير المراقب هو من الضخامة حيث أنّنا غير بعيدين عن اللحظة التي يمكن فيها لهذا الاقتصاد أن يمتلك الآليات التي تمكّنه من افتكاك سلطة الاقتصاد الواقعي. وهذا أمر مؤسف…

الأمر الثاني وهو معاكس تماما للأوّل، وهو صعود الإيثار “تبجيل الغير”… إذا كنت في عالم مترابط، شبكيّ، فإنّه من مصلحتي أن أبدو للآخرين كمحبّ للغير، مفهوم الشبكة مفهوم شاسع: إنّه من البديهي أنّ مصلحتي في أن لا يكون أحد مصابا بأمراض معدية. اليوم، العدوى المناخية أو الوبائية، تفرض علينا أن ندخل عالما تصبح فيه الأنانية بحدّ ذاتها – تستوجب منطقيا- نوعا من الإيثار. تياران متناقضان ومتلازمان، واحد: هو الوحشية المطلقة. والآخر: وعينا بمصلحتنا تستوجب وضع دولة القانون الشامل. التيار الأوّل إجراميّ سيفجّر كلّ شيء إذا لم نتدخّل بسرعة، والثاني يمكنه إنقاذ كلّ شيء إذا أصبح هو الموجة التي نركبها. في هذا المنطق يمكن للأزمات أن تكون مفيدة، لأنّها تُسرّع باستعادة الوعي.

{{[* أندري كونت- سبونڤيل:*]}} فيما يخصّ الاقتصاد “المافيوزي” أخشى أن تكون على صواب! إنّ هذه التهديدات أهمّ بكثير من الصراعات السياسية بين اليمين واليسار في فرنسا.. في مواجهة المخاطر التي تتهدّدنا (اقتصاد إجرامي، تهديد إيكولوجي.. إلخ) القطبين الاثنين (يمين-يسار) هما أقلّ تعارضا ممّا يحاولان إيهامنا به. يجب تنسيب هذه الحوارات الفرنكو- فرنسية- أمّا فيما يخصّ “الغيرية المنتفعة” “Altruisme intéressé”، كما قلتم فأنا أسمّيها “التضامن”، ويجب التنبّه إلى أنّها ليست “الكرم”..! أن تكون كريما معناه أن تأخذ بالحسبان مصالح الآخر حتّى وإن لم تكن تقاسمه ولا واحدة من هذه المصالح. عندما آخذ بالحسبان مصالح الآخر لأنّها تتماشى مع مصالحي، فهذا معناه “التضامن”. من هنا فالتضامن ليس نقيض الأنانية، إنّه تعديلها الناجع اجتماعيا. هذا يعني أن نكون أنانيين معا وبذكاء، عوض أن نكون أنانيين بغباء الواحد ضدّ الآخر. البعض يريد أن تُرجعنا هذه الأزمة إلى مزيد من الكرم والسخاء.. إنّه وهم!! في القرن التاسع عشر هل كان الناس أقلّ أنانية من اليوم؟ لنُعِد قراءة بلزاك وزولا! وفي القرن السابع عشر؟ لنُعد قراءة باسكال وروشفوكو! لم توجد قطّ فترة ما سيطر فيها الكرم.. أبدا.. أن نُعوّل على الكرم لحلّ مشاكلنا، معناه أنّنا لم نفهم شيئا عن الإنسانية ولا عن السياسة.. في المقابل إذا عوّلنا على التضامن، فإنّ لنا فرصة للخروج من الأزمة، لأنّه من مصلحتنا جميعا تفادي الأسوأ.

{{[* جاك أتالي:*]}} الثروات تبدو اليوم وكأنّها كوارثية، ليس لأنّها أكثر كارثية من السابق، ولكن لأنّ إدراك الكارثة أصبح أكبر بفضل الشفافية الديمقراطية، هذا مع أنّ المجتمع لم يفكر أبدا فلسفيا ولا سياسيا بتراتبية المداخيل. على أيّة حال هذه الفترة تبدو غريبة نوعا ما، إذ أنّ المهنتين الأكبر أجرًا هما “المضارب” و”لاعب كرة القدم”، كيف نفسّر أنّ “المضارب” الذي لا يقوم بأيّ دور اجتماعي، يكون عالي الأجر، في حين أنّ باحثا في مجال السرطان يقبض أقلّ بكثير!؟ أن تكون المهن الأساسية من وجهة نظر أخلاقية، وبالنسبة لمستقبل مجتمعاتنا في درجة متدنية بالنسبة لتراتبية الأجور، هذا أمر يصعقني. إنّ الاكتفاء بحوار حول شرعية المدخول الأعلى أو الإعفاء الضريبي، معناه للأسف الشديد الاعتراف بعدالة تراتبية المداخيل.

{{[* أندري كونت- سبونڤيل:*]}} الأجور ليست مُحدّدة بالأخلاق ولا بالقيمة الاجتماعية للمهنة، ولكن بقانون العرض والطلب. هذا ما ندعوه سوق الشغل. كم يساوي “thiery Henry”؟ يساوي الثمن الذي يكون ناد ما على استعداد لدفعه.. أجور لاعبي كرة القدم والمضاربين ومديري بعض الشركات تبدو لي ضربا من الجنون، ولكن لا نستطيع أن نطلب من الأخلاق تحديد المبلغ. نستطيع – طبعا- ومن خلال القانون فرض أجر أعلى، ولكن هل يكون هذا ناجعا اقتصاديا؟ لا أظنّ. إنّه بالأحرى على الضرائب، بعبارة أخرى، على سياسة إعادة التوزيع، أن تصلح الممارسات الخاطئة لسوق الشغل. أمّا بالنسبة للأزمة الاقتصادية التي نمرّ بها، فإنّها ليست الأولى ولا الأخيرة. لنُعد قراءة Galbraith! طالما ثمّة حرية السوق وجشع الإنسان، فإنّ هناك فقاقيع وبالتالي أزمات. غير أنّه ليس بإمكاننا التخلّي لا عن حرية السوق (إنّه النظام الأكثر نجاعة) ولا عن الجشع (ذلك معناه التخلّي عن الإنسانية). وفي نهاية الأمر الأزمة الاقتصادية ليست نهاية العالم ولا نهاية الرأسمالية! ما يكدّرني هو الخطاب الكارثي لبعض اليسار: ونحن نسمعهم، يتهيّأ لنا أنّه لا شيء كان أكثر سوءا.. مع هذا أظلّ متعلّقا بفكرة أنّه: أن تكون يساريا معناه أن تكون تقدميّا.. ونحن نمتلك الكثير من الأسباب التي تجعلنا نعتقد في التقدّم. نحن نعيش طبعا المرحلة الأقل ظلما والأقل فظاعة في تاريخ البشرية.. لم يعرف الفقراء والضعفاء حماية كالتي يعرفونها اليوم في أوروبا الغربية. ما يحزنني الآن هو مشكل البيئة.. إذا كان النمو هو صيرورة اقتصادية لا نهائية، فإنّ الأرض لها حدود.. إذا كان مليار ونصف صيني، وقريبا مليار ونصف هندي، سيعيشون بنفس مستوى العيش عندنا، وخاصة بنفس استهلاك الماء العذب، والوقود والبروتينات الحيوانية، فالأرض لن تصمد أكثر من ثلاثين سنة. غير أنّه ليست لنا أي صفة، ولا أيّ إمكانية تخوّل لنا منعهم من الاقتراب المطرد إلى مستوى عيشنا. لننهِ إذن الخطابات الكارثية على المستوى الاجتماعي والسياسي، ولنكن أكثر وعيا ووضوحا بالنسبة للمخاطر البيئية التي تتهدّدنا.

{{[* جاك أتالي:*]}} المهمّ في حياتي اليوم – بعد الكتابة- هو النضال ضدّ الفقر في العالم.. مستوى العيش في أوروبا هو الأفضل على امتداد التاريخ البشري. الأزمة الحالية تبرهن على أنّ النموذج الفرنسي هو المنشود على الأرض كلها. ولكن أوضّح: لم تعرف أوروبا أبدا ثراء كهذا، ورغم ذلك نحن نهرول نحو الكارثة! إذا كان هناك نسبيا عدد أقلّ من الفقراء على الصعيد العالمي، فإنّه أكبر حجما في المطلق. ومع الأزمة، الناس الذين تمكّنوا من التحوّل إلى الطبقة الوسطى هم الآن ينحدرون إلى كفّة الفقر. إذن فالمعركة ضدّ الفقر لم تنجح بعد.. بل على العكس يبدو لي أنّها خاسرة.. ومع هذا، لكم الحقّ في التأكيد على التناقض بين البيئة والأخلاق.. الأخلاق تريد جعل كلّ الناس يعيشون نفس مستوى العيش، والبيئة تجعل من ذلك أمرا مستحيلا. في صراعنا ضدّ الفقر، نفاقم من خطر الوضع المناخي. إذا لم نقدر على وضع حكومة عالمية تسيطر على الاقتصاد الإجرامي، وتطوّر اقتصادات الطاقة، وتساعد على تطوير نموذج للتنمية، رويدا رويدا كلّ شيء سيصبح نادرا، وباهظ الثمن. الأكثر ثراء سيحتكرون الثروات ويتحصّنون لحماية أنفسهم. في “الأسهم النارية” “feu d’artifice”، الباقة الأخيرة هي أجمل اللحظات وأمتعها، نحن الآن في أوج الأسهم النارية ربما بالتحديد قبل النهاية بقليل. السؤال إذن يُطرح لمعرفة كيف يُمكننا الأخذ بعين الاعتبار مصالح الأجيال القادمة في سياق ديمقراطي، “الغيرية المنتفعة”- الإيثار- أو “التضامن” بالنسبة للأجيال الحاضرة يُعالج بالديمقراطية، ولكن بالنسبة للأجيال القادمة، كيف نفعل بما أنّهم لا ينتخبون؟ صحوة الوعي تأتي عبر الفيلسوف، القانوني، الصحفي، هم الذين يساعدون على بعث نظام جديد لحكومة مهتمة بالقانون على المدى البعيد. لأجل هذا، فإنّ تحوّلا مؤسساتيا كبيرا يفرض نفسه بداية بإحداث غرفة ثالثة في البرلمان تتحدّث باسم مصلحة الأجيال القادمة.

{{[* أندري كونت- سبونڤيل:*]}} نعم، نحن نسير ولأسباب اقتصادية (النمو) وأخلاقية (التنمية) نحو كارثة بيئية معلنة. لا السوق ولا المشاعر الطيّبة تقدر على صدّها. السياسة فقط إذا وفّرنا لها الإمكانيات اللازمة يمكنها أن تمنع ذلك.

{{جاك أتالي:}} عالم اقتصاد. من مؤلفاته:
Karl Marx ou l’esprit du monde (fayard. 2005)
Une brève histoire de l’avenir (fayard. 2006)
– Et la crise et après ? (fayard. 2008)

{{أندري كونت- سبونڤيل:}} فيلسوف من مؤلفاته:
Petit traité des grandes vertus (PUF، 1995)
L’esprit de l’athéisme (Albir michel، 2006)
Et du corps (PUF، 2009)

{{المصدر:}} Le capitalisme est-il moral – réédition
Le monde des religions
juillet-aout 2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق