الرئيس في مهده / عباس بيضون

الرئيس راقد على سريره في القفص وأمامه ولداه في ثياب السجن واقفان يحجبانه ما أمكن. غير أن الكاميرات تحسن التلصص فتأخذ له لقطات وهو ينقر بإصبعه فتحة أنفه أو لصفحة وجهه المهدود المنقبض. لا شك في أن اللعبة حيّرت الجميع، أو عُمي عليهم أن يعرفوا أين هي المنصة وأين هو المسرح. أهو الرئيس المتجمع على نفسه اللاطي وراء القضبان ووراء ولديه الذي رسم لأحدهما أن يكون خليفته على عرش مصر. أم هو في المحكمة الموقرة التي تحاول أن تمسك القانون من تلابيبه وأن توقف الزمن لحظة واحدة لكي لا يرى أحد القانون واقفاً على رأسه، ولكي لا يشعر أحد بأن سخرية مرة تحصل حين يحدث التاريخ بالمقلوب وحين يتسرب شعاع من التهريج إلى قوس العدل، أم هو الجمهور الذي حضر ليشهد على انفكاك تاريخ؟

في الأمير الصغير لسانت أكزبوري يكتفي الأمير برسمة صندوق على فرض أن خروفاً يوجد في داخله. أما كان من المتيسّر أن نرسم قفصاً على فرض أن فيه رئيساً. أما كان أيسر أن يختفي الولدان أيضاً وأن نرسم قفصاً لرئيس وولديه. المهم هو القفص، بعد ذلك نستطيع أن نتخيل لا رئيساً فحسب في داخله ولكن دولة بكاملها، بأركانها وجنرالاتها ونافذيها. ليس حسني مبارك وولداه فحسب ولكن وزراؤه وشركاؤه ومتعهدوه والحاكمون بأمره وبالطبع بلطجيته ومافياه وملياراته وشركاته جميعها داخل القفص. هذا إذا كنا نملك خيال الأمير الصغير أو خيال الكردي الذي قال إن في جرابه حارة ودويره وبلاداً بأكملها فالقفص قفص مبارك جاهز ليمثل فيه الجميع، وهذه المحكمة الموقرة حاضرة لتقوم بالمسخرة ذاتها كل مرة والقانون مستعد ليرقص كلما دعي إلى حفلة كهذه، والقدر مستعدّ ليكون حاجباً على بابها. إنه الرقص فلنرقص، إنها الحفلة فلنكن جاهزين.

 ابنا الرئيس، الابن الذي كان في يوم رئيس لجنة السياسات وكان تقريباً لولب الحياة السياسية في مصر والابن الثاني الذي كان شريكاً لكل متموّلي مصر، هما الآن في هذه اللعبة بلا دور سوى أن يحجبا أباهما.. إنهما، ما زلنا في المسرح، جدار فحسب، الجدار الرابع وما يهم فقط هو النفاذ إلى ما خلفهما. يفوز من يحظى بلقطة للعجوز الممدد في سريره. حضر مبارك وما حضر. كأني به في مخبئه ذاك وأمامه ولداه، لا يزال يحمل معه سر السلطة، ولو أن هذا السر باخ بعد أن تمرغ في عجز الرئيس وشيخوخته، إلا أنه يبقى سراً. لقد انتقل من القصر الجمهوري إلى غرفة العناية الفائقة ولم يعد لدى الرئيس ما يدافع به عن نفسه سوى تسوية نفسه بالبشر جميعاً، بعد أن كان لعقود من السنين كوكباً منفصلاً يدور حول نفسه. إنه الآن يحتج بإنسانيته بما يجمعه مع كل الذين تأله عليهم وازدراهم. إنه الآن يحتجّ بكونه فانياً ومريضاً وعجوزاً، إن سلطته الآن لا تتجاوز ذلك. إنه الآن يساوي نفسه ببقية الناس بل يسعى جاهداً إلى أن يقبلوه مساوياً لهم. مبارك يكاد يصرخ أنا إنسان، لقد انتبه لذلك في هذه اللحظة.

أنا إنسان أمرض وأتألم وأموت. هذا ما تبقى من مبارك الرئيس والأب والقائد، لا شيء سوى ما يشترك فيه مع أبناء السبيل والمشردين. ليس سوى ما يجمعه بالملايين، إنه ينقر بإصبعه أنفه. ليس هذا من اللياقة في شيء. إنها عادة قذرة ويخجل حتى البشر العاديين بها. نحن الآن أمام مبارك العادي. لكن مبارك العادي كان دائماً هكذا، هذا العجوز المهدم الذي يمارس هذه العادة القذرة كان يحكم ويقرر مصائر الملايين. حين انهار مرة وهو أمام الميكروفون لم يكن شيئاً آخر، لكنه تلك المرة سقط كرئيس. لم تتزلزل الأرض حين سقط بالطبع، مع ذلك سقط كرئيس. إنه الآن أكثر تناسباً مع عمره وصحته، لم تكن الرئاسة أكثر من ديكور، من طلاء، من أكسسوارات. الآن بقي الإنسان. الولدان اللذان كانا لوقت طويل محوري السياسة والاقتصاد في مصر المحروسة، صارا الآن من أكسسوارات المشهد. لقد باتا جداراً بشرياً يحمي الرئيس ويخفي “إنسانيته” الجديدة. ألا نبدو متجرئين إذا تذكرنا، في هذه اللحظة، موقعة الجمل الشهيرة في الانتفاضة، هذه جمعت بين التهريج والعنف، ألم تكن السلطة كلها هذا المزيج من التهريج والعنف؟ ألم تكن السلطة نفسها هذا المزيج من التحايل والكذب والتظاهر والادعاء لرجل سرعان ما يظهر معدنه الفاني، سرعان ما يبقى منه العجوز الذي لا يستطيع أن يقلع عن عاداته الطفولية؟ مع ذلك ظل التلصص هو السائد.

التلصص على السلطة الساقطة في مباذلها هو ذاته التلصص عليها وهي في أقصى تظاهرها ومزاعمها. لم يكن للسلطة المطروحة أرضاً من تجسيد أفضل من صورة الرئيس ممدوداً على سريره مربوطاً إليه. لقد قدم مبارك وهو مطروح على الأرض، أما الأميران “وليا العهد” اللذان وقفا يحجبانه عن الأنظار فهما الآن أقرب إلى البلطجية، مجرد حجم. لم يعد لهما سوى هذا الدور، أن يكون كتلة تصدّ الأنظار عن الأب العائد إلى طفولته. هل تجوز الشماتة؟ ليس هذا من محاسن الأخلاق بالطبع، لكنه من متممات اللعبة. نتذكر فقط الموقعة نفسها، موقعة الجمل، دخل أناس من فوق الجمل ومن خلفه وضربوا بالعصي والسيوف والبنادق عشرات الألوف التي كانت تحميه في الميدان. غاصوا في الحشود وضربوا على الجانبين وقتلوا وأدموا ثم عادوا بعد أن فعلوا ما فعلوا مخترقين الحشد بالطريقة التي دخلوا بها. لا أعرف أي خيال ساقهم إلى هذا المشهد، لا بد أن اقتحام الحشد ومقاتلته على ظهر الجمل كان من وحي بداوة عالقة، لكنه كان أيضاً واحداً من أقنعة السلطة التي حين، تقل حيلتها، تلجأ إلى مشاهد كهذه، إلى عرض سقيم الخيال تحاول بالقوة أن تغرسه في أذهان الناس. كانت السلطة في هذا المشهد سقيمة الخيال لكن راكب الجمل ما كان ليغامر باختراق الحشد لولا أنه يعرف أنه يضرب باسم السلطة وسيهابه الناس. لذلك كانت قصة الجمل أشبه، في فقر خيالها وطفولتها، بنقر أنف الرئيس بإصبعه. كانت بقايا طفولة عالقة بالمشهد الرئاسي، الكاميرات تتلصص لتلتقط مشهداً للرئيس في أقماطه، إذا كان ملفوفاً بفراشه كما لو كان في أقماط. لقد كان عجوزاً عائداً إلى طفولته مثبتاً في مهده وهو أثناء ذلك يلعب بقذارته. الذين حصدهم راكب الجمل كانوا حقيقيين وسقوطهم الدامي لم يكن تهريجاً. الآن هذا الارتكاس إلى الطفولة هو كل ما يبقى من السلطة. اللهم لا شماتة.

 

عن ملحق السفير الثقافي 19/8/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق