الربيع العربي “ثقافيا”… الكويت نموذجا (1من2)

هل تعيش الكويت خارج إطار نادي “الربيع العربي”؟ هل يمكن لها أن تكون خارج أسواره؟..
تعتبر دول الخليج، باستثناء قطر – ولأسباب قد تتعلق بالتأجيل فحسب، رغم أن الإعلان عن موعد انتخابات مجلس الشورى القطري (المتوقع في هذا العام) يعتبر حسب المراقبين استباقا لأي تحرك ربيعي قطري – أعضاء في نادي الحركات التغييرية التي تسمى مجازا بـ”الربيع العربي”. بعضهم عضو بارز وفعّال، وآخرون أقل نشاطا. وفي مواجهة هذا الحراك السياسي الاجتماعي فإن جميع الحكومات الخليجية بدأت خطوات تسمى “إصلاحية”، بغية التأثير في الحراك، والسعي إلى إخراج اللاعبين الخليجيين من هذا النادي في أسرع فرصة. والملفت أنه كلما زادت “الحقن الإصلاحية” الحكومية، زاد الحافز الشعبي نحو طلب المزيد من الإصلاحات أملا في إحداث تغييرات ملموسة على الأرض، وزادت معه عملية تثبيت أقدام الشعوب الخليجية أكثر في النادي.
للحركة التغييرية العربية أهداف كثيرة، من ضمنها التحوّل نحو الديمقراطية. ومن الطبيعي أن يواجه هذا الهدف صدّاً وعدم رضا عند مختلف الأنظمة، بما فيها الخليجية، لأن دساتيرها وواقعها المعاش بعيدان عن مختلف صور الديمقراطية المتباينة.
لكن، ماذا عن الكويت التي تعيش تجربة الديمقراطية، ولو النسبية، منذ عشرات السنين؟ لماذا يرفض النظام في الكويت الدعوات الإصلاحية الداعية إلى مزيد من الديمقراطية في الحياة السياسية؟ لماذا – على سبيل المثال – هناك رفض لتشريع التعددية السياسية الحزبية، ورفض لتداول السلطة؟ لنطرح السؤال بصيغة أخرى: لماذا يصعب تحقيق الإصلاح السياسي التغييري في الكويت، الإصلاح الهادف إلى تعزيز الديمقراطية؟
لا أعتقد أن التطرق إلى تفاصيل العملية الديمقراطية من شأنه أن يشير إلى أصل القضية، بل هناك حاجة إلى التركيز على بعض الأسباب الاجتماعية التي تعتبر منظارا لرؤية واقعية للقضية، كالتركيز على البنية القبلية العشائرية التي تكوّنت على أساسها الديمقراطية في الكويت وشكّلت صورتها، والتي ما زالت تلعب دورا أساسيا في عرقلة الدعوات الإصلاحية الهادفة إلى تعزيز الديمقراطية.
فالديمقراطية في الكويت تأسست وعاشت في ظل سيطرة العامل القبلي، من خلال هيمنة الثقافة العشائرية على النظام الحاكم وعلى مجمل الحياة السياسية والاجتماعية. وهذا العامل يتميز بصفات لا تستطيع أن تساهم في تطوّر الديمقراطية، بل تعمل إما على طرح واقع تتمازج فيه الديمقراطية مع الحياة القبلية العشائرية، وهو ما عشناه ورأيناه ونراه الآن، وإما تعمل على مواجهة الدعوات الإصلاحية الهادفة إلى تعزيز الديمقراطية، والتي قد تساهم في إعادة النظر في أصل النظام، أي إعادة النظر في التمازج بين العشائرية والقبلية وبين الديمقراطية.
إن الصفات التي تميّز السلوك الاجتماعي القبلي العشائري تتصادم مع الديمقراطية ومع أي دعوة إصلاحية تجاهها. من بين تلك الصفات، العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والتي يجب أن تنبني على أساس المواطنة الخالصة، في حين أنها في الكويت لا تزال تقوم على الصلة القوية بين الراعي والرعية. كما أن بروز عامل المحاسبة والنقد، والذي يمثل أحد أسس الحياة الديمقراطية، نراه مختفيا في بعض صوره الرئيسية. إضافة إلى أن المؤشرات القبلية التبجيلية المستندة إلى ضرورة وجود بعض “المحرّمات” السلوكية تساهم في إسقاط صورها على الواقع السياسي والاجتماعي بحيث يتعذر مواجهتها أو الاعتراض عليها.
إن طغيان الصور القبلية على الحياة السياسية من شأنها أن تضعف الديمقراطية وتحارب كل دعوات الإصلاح، لأنها في النهاية تصب في صالح المجتمع المهيأ للعيش بتراتبية قبلية لا المجتمع المهيأ للعيش بصورة ديمقراطية.
وبما أن الديمقراطية وتطورها وإصلاحاتها لا تتعايش مع السلوك القبلي ولا مع “المحرّمات” القبلية، نجد الكثير من تلك “المحرّمات” في الكويت، في النظام السياسي، وفي الدستور، وفي الحياة السياسية والاجتماعية، مما يساهم في عرقلة المسؤولية الشخصية والجمعية الساعية إلى الإصلاح. ولكي نكون قادرين على الدفع بالإصلاح الساعي إلى تطوير الديمقراطية، يجب أن نقلل من الصور القبلية المؤثرة على الحياة الديمقراطية وتطورها، وصولا إلى إلغائها بالكامل. فلا ديمقراطية مع صور الحياة القبلية العشائرية، لأنها صور تعزز الطبقية والطائفية واللامساواة واللانقد واللانقاش واللارأي.
قد يبرز سؤال هنا: هل الكويتيون يريدون إصلاحا يعزز الديمقراطية مما قد يساهم في إضعاف صور الحياة القبلية العشائرية؟
لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن الكثير ممّن يدعون إلى الإصلاحات السياسية ينتمون إلى القبائل، وهم غير معترضين على الصورة السياسية والاجتماعية التقليدية للقبيلة، وبالتالي هم، من حيث يدرون أو لا يدرون، أحد العوامل المساهمة في تعزيز الصورة القبلية العشائرية في الحياة السياسية والاجتماعية في الكويت. ورغم أن التحرك الإصلاحي لهؤلاء قد يفضي على المدى البعيد إلى إضعاف تأثير صورة الحياة القبلية على الوضع السياسي، وعلى حصول تحولات إيجابية متعلقة بتطور الديمقراطية في الكويت، إلا أن ما يجب أن يُلتفت إليه في هذا الإطار، هو قدرة الأشخاص المنتمين إلى القبائل على إصلاح وضعهم القبلي قبل الالتفات إلى إصلاح الوضع السياسي العام وصولا إلى تعزيز الديمقراطية، إذ لا تنفع الدعوات لإصلاح النظام السياسي العام فيما النظام الاجتماعي القبلي الخاص لا يزال بعيدا عن الإصلاح والتغيير. فلا يمكن الدعوة لإصلاح سياسي من دون معالجة اجتماعية، ولا يمكن التعويل على نجاح الدعوات الإصلاحية السياسية العامة فيما هي تستمد علّتها من الوضع الاجتماعي المريض ديمقراطياً.
لقد آن الأوان لشباب القبائل أن يلتفتوا إلى إصلاح وضعهم السياسي والاجتماعي القبلي القائم على “المحرمات”، قبل أن يطالبوا بإصلاح النظام السياسي القبلي العام. فالولاء للديمقراطية، والدستور الديمقراطي، ومواجهة الولاءات الأصغر المستندة إلى “المحرمات” القبلية، هو أساس الإصلاح.
 
 إلى متى؟
 يظن البعض أنّ وجود “نسبة لا بأس بها” من الممارسة الديمقراطية في الكويت قد يقلل من فرص نجاح أي تحرك شعبي للمطالبة بالإصلاح السياسي، وأن ذلك من شأنه أن يُبعد المجتمع الكويتي عن سيناريو التظاهرات، وعن ممارسة أي دور “ربيعي”. هذا البعض يعتقد أن نصف قرن من الممارسة الانتخابية، ومن وجود حريات نسبية، سياسية واجتماعية وثقافية – حتى لو أدى ذلك إلى فقدان التجربة الكويتية للأسس الرئيسية التي تستند إليها ممارسة الديمقراطية الحقيقية مما يؤثر سلبا في أصل الديمقراطية من خلال انتزاع روحها، إذ من شأن وجود تلك الأسس أن يساهم في ترسيخ الثقافة الديمقراطية بالمجتمع وجعلها قريبة من امتلاك صفة الديمقراطية “الحقيقية” لا “النسبية” – يعتقد هذا البعض أن تلك الممارسة كفيلة بأن تميّز الظروف السياسية للكويت عن ظروف باقي الدول التي تعرضت لرياح “الربيع” العاصفة.
لكن هذا البعض يتعمّد، في تحليله للوضع الكويتي، عدم الالتفات إلى مؤثّرَين رئيسيين مرتبطين بأحداث “الربيع العربي” وبمطلب الديمقراطية النابع عنها: الأول هو “العولمة” التي باتت تقود الحياة ولا ترضى إلا بتطوّرها وتغيرّها، والثاني هو نوع الديمقراطية، أي “الحقيقية”، التي أصبحت مطلبا رئيسيا في حركة الشعوب الغاضبة الرافضة، والتي تختلف جملة وتفصيلا عن الديمقراطية “النسبية”.
فالديمقراطية “الحقيقية” تعتمد على الثقافة الديمقراطية من حيث تغلغلها في ثنايا حياة الأفراد وسلوكهم، فتتوفر فيها مقومات الممارسة المستندة إلى مبدأ حقوق الإنسان الفرد، التي ترفض سيطرة الأطر الاجتماعية والثقافية التي تجعلها ناقصة، أو نسبية، أو تتساهل مع أي انتهاك لحقوق الإنسان، أو تعرقل ظهور نتائجها الحقيقية. فهي لا تسعى إلى تحقيق “الشكل” الديمقراطي على حساب “المحتوى”، بل تسعى إلى قطف الثمار النابعة من الممارسة التي لا تعرقلها “المحرمات” الاجتماعية ولا “المقدسات” الثقافية.
إن من أهم مميزات الديمقراطية الكويتية “النسبية”، أنها مرتبطة بدعائم وجود السلطة في الكويت وكيفية تثبيتها وحمايتها، كما أنها متعلقة بمزاج السلطة وما تحققه لها من مصالح سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، وأي سير في عكس هذا الاتجاه ينظر إليه بأنه خلل في الديمقراطية وليس خللا في السلوك السياسي للسلطة. وعلى هذا الأساس، هي تسير جنبا إلى جنب مع المصالح السلطوية، ولا تعير أي اهتمام أن تكون مخرجاتها حقيقية، وعادة ما تكون نابعة من الاستناد إلى الأسس الرئيسية للديمقراطية، أي الأسس التي لا تتعارض مع “المحرمات” و”المقدسات”.
فالسلطة بالكويت – على سبيل المثال – تساند بعض الحراك الإصلاحي العربي الساعي إلى خلق ديمقراطيات واقعية وناشئة في المنطقة، أو الساعي إلى حفظ الكرامة الإنسانية، وهي مرتبطة بعلاقة “حميمية” مع الكثير من الأنظمة الدكتاتورية حفاظا على المصالح السلطوية التي تتخفى تحت عنوان المصالح الاستراتيجية والقومية. وتلك العلاقة ستؤثر في صورة الديمقراطية بالكويت، وستكشف عن وجهها القاصر المشوّه. لذلك، من الطبيعي أن يسير بعض الحراك التغييري العربي في الضد من مصالح السلطة في الكويت، لأن همّ السلطة هو وجودها واستمرارها ومصالحها، مثلما أن هم الأنظمة الدكتاتورية هو استمرارها مادام الموقف بشأنها يساند مصالح السلطة في الكويت. فلم تمانع السلطة في الكويت في الدفاع عن بقاء أنظمة دكتاتورية عانت من عواصف التغيير الشعبية، حتى لو جاء ذلك في الضد من طموحات التغيير الساعية إلى زرع بذرة الحرية والكرامة، أو جاء على حساب سقوط أعداد كبيرة من القتلى المدنيين. فالسلطة والحكومة ووسائل إعلام ومؤسسات كثيرة في الكويت عارضت حراكات عربية عدة، وساندت تلك التي صبت نتائجها في الإطار الذي يخدم مصالحها العليا، أي المصالح التي تحددها السلطة وما يندرج في إطارها. لذا، لا يعقل أن يوصف النظام السياسي والاجتماعي في الكويت بأنه ديمقراطي فيما مواقف السلطة مساندة للدكتاتوريات ومناهضة للتغيرات الشعبية الهادفة إلى خلق وضع ديمقراطي ناشئ.
فالرئيس المصري المخلوع حسني مبارك كان نجما سياسيا وإعلاميا محبوبا في الفترة الزمنية التي لحقت الثورة عليه، لدى السلطة والحكومة في الكويت وعند العديد من المؤسسات والشخصيات المنتمية إلى الحياة السياسية الكويتية، من دون أن يقدم هؤلاء برهانا يخدم قراءتهم ويعزز مواقفهم ومصالحهم إلا الدفاع عن موقف مبارك المساند للكويت أثناء فترة الغزو العراقي، وهو في تقديري موقف يعبّر عن ماض، وأي طرح ماضوي مجرَّد دون ربطه بالواقع والمستقبل، من شأنه أن يعبّر عن قصور في القراءة السياسية، سواء ارتبط ذلك بالمصالح الكويتية، أو تعلق بدعم الحراك الشعبي التغييري. لذا، قد يعتبر هذا الموقف دليلا على عدم اهتمام الكويت بطموحات الشعوب الهادفة إلى الانفكاك من الدكتاتوريات والعيش بعيدا عن صور القهر وصولا إلى واقع حقوقي وديمقراطي يبدو في صورته البعيدة حقيقيا. كما يعتبر الرئيس السوري بشار الأسد ورموز سياسية من أسرته، عند أطراف قريبة من السلطة بالكويت، وعند العديد من نواب مجلس الأمة، ولدى الكثير من الشخصيات السياسية ووسائل الإعلام (رغم الموقف الحكومي المناهض لسياسة القتل في سوريا) “أسد المقاومة” و”ممثل الصمود العربي” و”الممانع الأول” في وجه إسرائيل، ما يتحتم بقاءه على رأس السلطة هو وحزبه البعثي، على الرغم من سقوط آلاف القتلى من المدنيين السوريين برصاص الأمن السوري في الاحتجاجات الساعية إلى تغيير الحياة البائسة.
إن عدم الفصل بين مكونات أساسية تشكل الواقع السياسي والاجتماعي في الكويت وبين الدكتاتوريات العربية، سوف يخدم بالتأكيد طموحات الإصلاح السياسي في الكويت، وسوف يساهم في تحريك عجلة الحراك الشعبي الساعي إلى التغيير. فمن أجل تغيير الحياة السياسية في الكويت، من خلال تطوير الحياة الديمقراطية وتوجيه أفرادها صوب تلك “الحقيقية”، كان على السلطة في الكويت أن تنظر بإيجابية إلى تطورات الحركة السياسية والاجتماعية العربية، بما يخدم الديمقراطية والإصلاح السياسي في البلاد، بدلا من التركيز على مصالحها السلطوية، إذ من شأن النظرة الثانية، الضيقة، أن تشجّع استمرار الدكتاتوريات من جهة، ومن جهة أخرى تساهم في عدم تطور الديمقراطية داخل الأطر العربية، ومن ضمنها داخل الإطار الكويتي، وهو ما قد يشجع حركة التغيير الاجتماعي الداخلية.
فمسؤولية السلطة في الكويت هو تشجيع المبادرات الساعية إلى تطوير الديمقراطية استنادا إلى تأثيرات العولمة وانطلاقا من التغيرات التي تحصل في الجوار العربي، والتي تحمل من العناوين الكثير، من أبرزها عنوان الكرامة وعنوان الديمقراطية “الحقيقية”، لا أن تبحث في كيفية الدفاع عن مصالحها السلطوية، والذي هو دفاع تغيرت وسائله في ظل ثورة المعلومات وفي إطار دعم الغرب للتوجهات الديمقراطية العربية الناشئة. فلا بدّ للمصالح الكويتية العليا أن تلتقي مع ما يحدث من تطورات تغييرية عربية قد تخدم في النهاية مستقبل الديمقراطية في المنطقة، لا أن يكون الدور الكويتي سلبيا في هذا الإطار. فالتجربة الديمقراطية في الكويت ارتبطت بمجمل الوضع السياسي والاجتماعي والثقافي الكويتي، ولا بدّ من وجود استراتيجية كويتية تعزّز الديمقراطية في الداخل وتشجع التجارب الخارجية، استنادا إلى أن الديمقراطية أصبحت جزءا لا يتجزأ من الواقع الكويتي.
 
 
القيم الحديثة
على الرغم من الموقف السلطوي والحكومي الكويتي تجاه بعض الحراكات العربية، إلا أننا نجد بأن الحراك السياسي في الكويت بات يسير في وتيرة مطلبية واضحة، تأثر خلالها ومن دون أي شك بتطورات الربيع العربي، حيث تجاوز الأعراف السياسية الاجتماعية والقانونية المحلية، وأصبح ضرورة في سياق مجاراة تطورات الحياة وفي ظل الدخول في اختبار سبل أفضل للعيش. إنّ فئة الشباب هي التي تتصدى لهذا الحراك، وتسعى للاختيار بين طريقة الحياة ما قبل الربيع العربي وبين الحياة في إطاره وفيما بعده. وقد أثبتت تطورات الأحداث أن الحركة المطلبية السياسية في الكويت (وفي مختلف الدول العربية) في تصاعد، متخطية الكثير من الأطر الراهنة، وبالذات الإطار القانوني الدستوري. فلم يعد هناك أي معنى لقياس هذا الحراك في ضوء تجاوزه لقوانين البلاد، ولم يبق معنى للسؤال التالي: هل المطالب المنعوتة بـ”الإصلاحية” تتوافق مع الدستور الكويتي؟ فوتيرة التحرك، وسرعته، ومطالبه الواقعية، وتوافقه مع المعايير السياسية والثقافية والحقوقية العالمية، التي تعيش في ظلها المجتمعات الحديثة في الوقت الراهن، باتت تحتم أن تكون الحركة هي الحصان، وأن تصبح القوانين الدستورية هي العربة التي تتبعه، تسير أينما سار الحصان في مسيرته الإصلاحية، لا العكس. وعدم توافق القوانين مع التغيّرات الإصلاحية يؤشّر إلى قِدم القانون وضرورة تطويره وتغييره في ظل تطورات المرحلة وإفرازاتها الربيعية.
من الميزات الكثيرة التي تتصف بها الكويت من حيث إدارة الحكم، ومن حيث العلاقة بين السلطة الحاكمة والشعب، هي ضيق الهوة السياسية والاجتماعية بين الحاكم والمحكوم، ووجود علاقة حميمية بين الطرفين. وكلّما ابتعدت السلطة عن التعاطي مع المطالب الإصلاحية، وكلما تم تجاهل الالتفات إلى تحقيق الإصلاحات وإجراء التغييرات، ستتسع هذه الهوة، ما قد يؤدي إلى تهديد موقع هذه الميزة وصولا إلى فقدانها في المستقبل. فاتساع الهوة قد يكون مؤشرا لبدء “مشاكل” المرحلة الربيعية الجديدة، التي لا بدّ من معالجتها وفق رؤى واقعية ومستقبلية لا من خلال التمسك بصورة الماضي العتيد.
إن الماضي السياسي والاجتماعي والدستوري الكويتي، منذ الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كان متوافقا مع مرحلة تاريخية ذات ميزات خاصة، ومع ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية معينة، ولا أظن بأن ذلك يتوافق مع تطورات المرحلة الراهنة ولا مع أفق المستقبل. والبقاء في الماضي لا يمكن أن يحل مشاكل الحاضر. فالماضي الذي كان متوافقا مع الماضي، لن يكون متوافقا بالضرورة مع الحاضر والمستقبل.
إن الربيع العربي لم يكن إلا حركة تحتوي أهدافا نابعة من القيم الحديثة، التي تسعى إلى تنظيم العلاقات في الحياة الراهنة. وفي هذا الإطار فإن الولاءات التي تشكلها الثقافة القديمة، قد أصابها شرخ كبير، وباتت تنتهج طريق الاستبدال بولاءات جديدة عنوانها روح العصر الحديث المستمدة من قيمه. وفي سبيل التركيز على ديمومة ولاء الشعب الكويتي لأسرة الحكم، بصورة سياسية واجتماعية، فإن مسؤولية ذلك تقع بالدرجة الأولى على عاتق السلطة، من خلال احتضان الحركة المطلبية لا معاداتها أو عرقلة مطالبها، أو التضييق على المنتمين إليها. وكلّما تسارعت عملية الاحتضان، أكدت السلطة أنها قادرة على احتضان القيم الحديثة ومستوعبة المطالب الإصلاحية.
فالثقافة الحديثة، التي تنبع منها قيم الحرية والتعددية واحترام حقوق الإنسان ودعوات الديمقراطية الحقيقية والتأكيد على العلمانية، رغم الفورة الدينية التشريعية المهيمنة، أصبحت عناوين رئيسية في الحركة الربيعية في ظل اختلاف بالتفاصيل، وأي معاداة أو مواجهة مع هذه العناوين من نتائجه فقدان السلطة للولاء الشعبي. فمن مصلحة أي نظام، ومن مقومات قوته واستمراره، أن يسير بالولاءات في داخل المجتمع نحو الارتباط بالقيم الحديثة، لا نحو الارتباط بتلك التي تتوافق مع الحياة الديمقراطية المنقوصة. فالقيم الحديثة تسمو بالوطن والفرد وتجعلهما يتجاوزان الأطر الثقافية والمصلحية القديمة.
إن ولاء الشعب للقيم الحديثة من شأنه أن يعالج العديد من المثالب السياسية والاجتماعية التي تقف حجر عثرة أمام تطور المجتمع. فهذا الولاء سيزداد كلما كانت السلطة راغبة في تقليص دورها المركزي في إدارة الحكم، إذ سيساهم ذلك في توزيع مصادر القوى، ويجعل المناصب، وبالذات السيادية، غير منحصرة في إطار الأسرة، مما قد يساهم في تقوية الدور الشعبي المسؤول في إدارة البلاد، وسيرفع من درجة المحاسبة والمراقبة الشعبية، وصولا إلى تطبيق أفضل للديمقراطية. وسيزداد الولاء أيضا كلما كانت السلطة راغبة في تقوية دور مؤسسات المجتمع المدني وتهيئة الظروف لخلقها وانتشارها بعيدا عن صور الولاءات السياسية والاجتماعية وشروطها المصلحية الضيقة. كما أن دفاع السلطة عن المصالح الفردية في إطار مفهوم الحرية الفردية واحترام حقوق الإنسان، سيساهم في تقوية هذا الولاء. الولاءات القديمة من شأنها أن تزيد سيطرة السلطة، أيّ سلطة، على الحريات الفردية. فالولاء للطائفة، على سبيل المثال، يعرقل حرية الفرد في نقد ممارسة طائفية معينة، ويعطّل حالة الإبداع التي تتجاوز الأطر الطبيعية للطائفة. ويمكن قياس ذلك أيضا على الأسرة أو القبيلة. فالسلطة، إذاً، تتحمل المسؤولية السياسية والاجتماعية للمساهمة في تقوية ولاء الشعب للقيم الحديثة والحد من الولاءات القديمة.
 
نقد المثقف
إن الحراك التغييري، الذي يتفوق فيه الجانب السياسي على الجانب الاجتماعي، لا يزال يمثل همّا متواضعا جدا بالنسبة للمثقف الكويتي الذي لا تزال تتحكم في مواقفه وفي ردود أفعاله عوامل سلبية عدة. ففي حين يحتاج أفراد المجتمع، خاصة فئة الشباب، إلى من يرشدهم ثقافيا إلى طريق التغيير، ويعينهم في عملية الإصلاح، في سبيل الوصول إلى واقع سياسي واجتماعي جديد، واقع ينهل من ثقافة الحداثة وقيمها، نجد أن المثقف الكويتي لا يزال يعيش أزمة لم يستطع أن يتحرّر منها، يعيشها جنبا إلى جنب المواطن العادي، وهي أزمة الحرية. فهو لا يزال غير حر، بل غير قادر على أن يصبح حرا، بسبب عوامل عدة، يأتي على رأسها العامل الأمني، ما يعرقل أي مسعى له لاستشراف عملية التغيير وتوجيهها وإدارتها. وهذا بدوره جعل العديد من المثقفين في الكويت يتخذون مواقف ضد الحراك أو مواقف لا أبالية منها. هي في تقديري مواقف ترتبط بالأغلال السياسية والاجتماعية التي لا تزال تعيق الحرية اللازمة للمثقفين لممارسة دورهم المسؤول، حيث لا تزال تكبل أياديهم وترهب أفواههم وتعيق أقلامهم لتمنعهم من إثراء الطريق، ما جعلت منهم “أعداء” التغيير بدلا من أن يكونوا مسانديه ونقاده.
تلك الأغلال ترتبط في جزء كبير منها بصور الحياة المختلفة في الكويت، ومن ضمنها ما يتعلق بالعامل السلطوي، والتي أثّرت في حرية المثقف وساهمت في تعليب دوره وفي جعله لاأباليا. يأتي في سياق تلك الصور، الدور الذي تلعبه الأطر الدينية الطائفية (شيعي/سني) في هذا الجانب، والتي استطاعت أن تؤثر في المثقف وتجعله منحازا لطائفته غير مبال للحراك، بسبب قدرة الأطر على تقوية الفرز الطائفي السلبي، ما جعلت هيمنة الطائفة الأخرى على الحراك سببا للامبالاة المثقف، بل في أحسن الاحوال سببا في تواضع دوره. بعد ذلك يأتي دور الأغلال العنصرية التي تنظر للحراك نظرة عصبية (عرب وعجم/حضر وبدو) والتي تصوّر أمر الحراك بالنسبة للمثقف وكأنه حلبة صراع إذا خسرها فإن النوع الذي ينتمي إليه يكون قد انهزم، ما قد يجعله يخسر صورته الاجتماعية وسط مجتمعه المصغّر. وهناك الأغلال التي تظهر وجهها من خلال المواقف الممزوجة بالمصالح الضيقة (مال/ جاه/ منصب)، فتتباين المواقف، ويعلو صوتها أو يخفت، وفقا لما تمثّله القيمة المادية المصلحية في هذا الإطار. فنرى المثقف ملتهبا حادا مهموما تجاه مسألة ما، كمسألة تقنين الأحزاب وتداول السلطة على سبيل المثال، ثم فجأة يخفت صوته وتختفي صورته بعد تأثير العامل المادي المصلحي عليه.
إن تلك الصور الثلاث تثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن الكثير من المثقفين الكويتيين أصبحوا وسائل غير مباشرة في أيدي من يسعون إلى مناهضة الحراك وعدم تغيير الشأن القديم، ظنا من المثقفين بأن الوضع القديم هو أٌقرب إلى مفاهيم الحرية والعدالة، غير آبهين بأن المرحلة السياسية والاجتماعية والمعرفية القديمة أصبحت عبئا على الحاضر وباتت عاجزة عن مجاراة تطورات الحياة وتغيرها، ولابد من طرح رؤى ثقافية وسياسية واجتماعية جديدة تناسب الواقع الجديد، وأنه يجب عدم السماح للرؤى التاريخية التراثية المتبناة من قبل بعض الأصوليين التغييريين (الذين لا يزالون يعتقدون بأنهم الوحيدون الذين يمتلكون الحلول انطلاقا من زعمهم امتلاك الحقيقة)، وكذلك عدم السماح للرؤى غير الديمقراطية التي ينتهجها بعض الحداثيين المزيفين غير الديمقراطيين، أن تهيمن على الوضع الجديد تحت عنوان التغيير.
من المسؤوليات الملقاة على عاتق المثقف اكتشاف حاجات المجتمع والقدرة على إظهار إمكانات أفراده، من أجل فهم مطالبهم والمساهمة في توعيتهم وإدراك تحركاتهم التغييرية ومساعدتهم في طرح مشروع واضح وشرعنة ظروف تؤسس لواقع جديد. لكن المثقفين باتوا وسائل لإبقاء القديم قديما، خشية مما قد يحتوي عليه الجديد من لاجديد. لقد باتوا مثقفين “تقنيين” حسب تعبير محمد ديبو في “الأوان”، انحصر دورهم في “غيتو اختصاصاتهم مما جعلهم يبتعدون عن الشأن العام”.
على هذا الأساس، يعاني المجتمع الكويتي، بل العديد من المجتمعات العربية، من سلبية موقف المثقف تجاه الحراكات المتنوعة المتباينة قبل أن تعاني المجتمعات من حالة الانسداد وعدم التغيير. ومن الضرورة بمكان فك أسر المثقف بموازاة العمل لتحرير المجتمع وتغييره. ما يحتاجه المجتمع من المثقف هو أن يتحمل مسؤولياته بشكل واضح وجلي، وأن “يقارع” الوضع القديم، يشخّصه بصورة دقيقة وواقعية، ليضع أسس بناء جديد مغاير عن القديم، لا مجرد أن يكتب مقالا هنا أو يلقي محاضرة هناك. فالمجتمع، على سبيل المثال، لن يطالب المثقف بالدخول في تفاصيل الاستبداد في حين هو لم يستطع حتى الآن أن يشخّص أساس الاستبداد ولم يكتشف جذوره. يريد لتشخيص المثقف للوضع المريض أن يكون دقيقا وواضحا ومباشرا، وليس فقط عن طريق الإشارات غير المباشرة أو الخجولة أو من خلال المرور في الغرف الخلفية. كل ذلك من أجل أن تكون العلاجات واضحة ومسؤولة. هذه هي مسؤولية المثقف.
فبقدر حاجة الحراك التغييري في الكويت إلى موقف ثقافي مسؤول، ما اعتبر موقف المثقفين الكويتيين تجاهه خجولا، إلاّ أنه كان عليهم أن يركزوا على الأسباب التي دعت إلى نشوء الحراك، وأن يجيبوا على الأسئلة المتصلة بأسباب هذا النشوء. ومن أمثلة تلك الأسئلة: ما هي الأسباب أو الآليات التي ساهمت في إيجاد الحراك؟ كيف يمكن نقد الحراك بحيث لا يتحول في المستقبل إلى ظرف وواقع يشابه الوضع القديم؟ ما هي الأسس الفكرية والقيم الحداثية التي يجب أن يستند إليها الوضع الجديد، خاصة ما يتعلق منها بمفاهيم الحرية والتعددية واحترام حقوق الإنسان؟ كيف يمكن للمثقف أن يمارس دورا فكريا وناقدا باستمرار، وبالذات تجاه الوضع الجديد؟ فنقد المثقف للوضع القديم يجب أن لا ينسيه دوره في نقد الوضع الجديد أيضا، وهذا يستلزم عدم وقوف المثقف إلى جانب القوى السلطوية، القديمة أو الجديدة، وأن يرفض باستمرار أن يكون مكانه في وسط السلطة، لأن ذلك سيفقده بالتأكيد دوره الرئيسي، وهو: النقد.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق