الربيع العربي “ثقافيا”… الكويت نموذجا (2من2)

وردة الحرية

من الأهمية بمكان أن تتصدر “الحرية” العنوان داخل “الربيع” الكويتي، وأن تُستخرج منها التفاصيل المتعلقة بالإصلاح، السياسي والاجتماعي والقانوني. فهي “المفهوم” الذي من خلاله تنبع الفكرة، وتتفتح الرؤى، وتُطرح الخطوات العملية للإصلاح.
لنحذر من استناد الربيع إلى اللاحرية، أو من الدعوات التي تعد ببحث موضوع الحرية وتفاصيلها في المستقبل. لتكن الحرية هي مفتاح الحياة الجديدة، وملاذ الساعين إلى مواجهة الاستبداد بكافة أنواعه. هي أصل الحياة، وعن طريقها تترتب المسائل الفرعية وتنتظم. بل هي الأساس، وبقية المسائل مجرد تفاصيل. فتجارب الكثير من الشعوب التي انتفضت في سبيل الإصلاح أو ثارت من أجل مواجهة الدكتاتوريات ورفضت الاستبداد، كانت في بدء تحركها ترفع شعار الحرية عاليا جدّا، وما إن تحقق الظفر حتى داست قياداتها ورموزها على الشعار دون أي شعور بالذنب من خيانة القيم أو خوف من تهمة التعدي على المفاهيم الإصلاحية. لقد تمت خيانة الشعار مرات ومرات خلال الحقب القليلة الماضية، بدءا من الثورات والانقلابات في أوروبا الشرقية، مرورا بتلك التي جرت في أمريكا اللاتينية، وصولا إلى ما حصل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث أفضى استحواذ شباب الثورات – أو شباب التغيير – على الأوضاع الجديدة إلى قبر شعار الحرية انطلاقا من إيديولوجيا “الحقيقة المطلقة”، الدينية وغير الدينية. فـ”امتلاك الحقيقة” يبدو سببا رئيسيا لتدهور أوضاع المرحلة الجديدة.
إنّ الخوف كل الخوف أن تُرتهن الحرية في خضم فورة المطالب المسماة بـ”الإصلاحية”. وهو خوف ينطلق من الثقافة غير المبالية للحرية التي يتبناها بعض المتصدين لقيادة حركة التغيير، كما ينطلق من تاريخ تعاطي البعض مع الأحداث، والتي اختبرت خلالها الحرية بكل شفافية. فقد عبّرت الأحداث عن امتحان الحرية بكل صدق، فعرّت بعض الأفكار وفضحت الشعارات، وكشفت زيف المواقف التي تمسكت بالحرية شعارا نظريا وهربت منه عند أول امتحان على الأرض. فالكثير من دعاة التغيير في الكويت يعادون المفهوم الحديث للحرية بشكل علنيّ، ويفتخرون بمواقفهم تلك، سعيا منهم لربط مواقفهم بفهمهم التراثي التاريخي أو الاجتماعي الضيق، فباتت الكثير من تلك المواقف معادية للحرية، وهم سقطوا في العديد من الاختبارات التي دخلوا فيها أو اقحموا أنفسهم فيها، حتى باتت الحرية ضحية لفهمهم التاريخي والاجتماعي، ومرات كثيرة باتت ألعوبة لتحقيق مصالحهم الآنية.
إنّ الشعوب الثائرة على مستبديها أو الساعية إلى الانتفاض على الأوضاع المريضة طلبا في معالجتها وتغييرها، اتجهت إلى هذا الأمر انطلاقا من إرادتها الحرة التي سلبت منها، ومن ثمّ لا يمكن أن ترضى بانقلاب الوضع الجديد على حريتها. في العقد الاجتماعي لجان جاك روسو فإنّ “تخلّي المرء عن حريته، إنما هو تخلّ عن صفته كإنسان، وعن حقوق الإنسانية وحتى عن واجباتها. وليس من تعويض ممكن لأن يتخلى عن كلّ شيء”، وأن “مثل هذا التخلي يتنافر مع طبيعة الإنسان، فتجريد إرادته من كل حرية إنما هو تجريد لأفعاله من كل صفة أخلاقية”. إن محاولات وأد الحرية أو تجاهل دورها في الواقع العربي الجديد، في مصر وتونس وليبيا، وُوجهت بتحركات شعبية مضادّة، وهو ما يبشّر بولادة ضمانات تحافظ على قوّة العنوان الرئيسي للربيع – أي الحرية – بوصفه مكسبا لا يمكن التنازل عنه ولا يجوز أن يتزحزح من موقعه الرئيسي، ما يمثّل رسالة تحذير قوية لمناهضي الحرية أصحاب أيديولوجيا “الحقيقة المطلقة” الأعضاء في هذا الربيع. فالحرية لا يمكن أن تعتبر فهما متعلقا بأصحاب أيديولوجيا، إنما هي فهم لا بدّ أن يسع الجميع في إطار الروح الجمعية التي تعلقت بالثورات والانتفاضات وبحركات الإصلاح والتغيير. فالحرية، تاريخيا، “شعار رفعته كل الثورات المجتمعية، وحقا من الحقوق الأساسية التي نادت بها” كما يقول الباحث محمد الوقيدي في مقاله “حقّ الإنسان في الحرية” في موقع “الأوان”، ويضيف: “الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر جعلت من الحرية واحدا من المبادئ التي قامت عليها والتي جعلت تحقيقها مهمة الإنسانية في المستقبل، كما أن وثيقة الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطن الصادرة عن الجمعية الوطنية الفرنسية بعد الثورة أشارت إليها. ونجد نفس هذا الأمر في الثورة التي تأسّست عليها الولايات المتحدة الأمريكية، كما نجده في وثيقة الإعلان عن حقوق الإنسان الصادرة بعد الثورة الأمريكية. ونرى أن الأمر كان كذلك في جميع الثورات المجتمعية على مدى التاريخ، وخاصة انطلاقا من القرن الثامن عشر إلى اليوم”.
ومادام الربيع يسعى إلى صنع واقع حياتي جديد، فإنّ انطلاقة الفرد فيه لا بدّ أن تستند إلى مرحلة جديدة من القيم، أن يستفيد الفرد من العنوان العالمي للقيم، بدلا من أن يتقوقع في إطار الرؤى القيمية المحلية أو الإقليمية، أو إلى الثقافة القيمية الضيقة المتعلقة بالرؤى الدينية التاريخية أو الاجتماعية “العادات تقاليدية”، فذلك سيجعله ينتكس مجددا، باحثا دون استطاعة عن إجابات للأسئلة الجديدة. فتنازله عن المرحلة القيمية الجديدة من أجل عيون التاريخ والتراث، هو بمثابة تخلّف عن اللحاق بركب الحداثة، بما فيها ركب الحرية وفق فهمها الجديد. وهناك من يعتقد بأنّ العنوان العالمي للقيم يتعارض مع العديد من القيم الدينية والاجتماعية، إلا أن ذلك يتصادم مع مفهوم العالمية، فقد سميت بهذا الاسم بسبب قابليتها للتحقق في مختلف الشعوب والأمم في الوقت الراهن. إن مقولة “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟” لعمر بن الخطاب يجب أن تحفز في الناس، وبالذات في العرب والمسلمين، السعي نحو الحرية وفق شروطها الحياتية التغييرية الحداثية، لا وفق أطرها التاريخية القديمة، هي مقولة مهمة جدا إذا استطعنا فك أغلالها من أسر الماضي، فهي تحث على الحرية بشكل عام لا في إطار شروط خاصة، تفيد الحاضر كما أفادت الماضي، ولا يمكن للحاضر أن يتجرد من قيمه أو أن ينبني على قيم الماضي. لذا، يفهم ممّا وصّى به عمر التمسك راهنا بالحرية وفق شروطها الحضارية لا وفق شروطها الأيديولوجية الماضوية.
 
بين الديني والعلماني
في ظل الإشارة إلى أولية الحرية كأساس يجب أن يتصدر “الربيع”، يبرز تساؤل آخر: كيف يمكن للحرية أن تحتل موقعا رئيسيا في الواقع العربي الجديد، لتبدأ انطلاقتها في معالجة مسائل هذا الواقع الذي تغير بفعل الحركة الشبابية؟ ومن ثَمّ، كيف يمكن المحافظة على دور الحرية المحوري في هذا الإطار، سعيا للوصول إلى واقع تغييري جديد يساير منطلقات الحياة الحديثة؟
عملية السيطرة على الشؤون المطلبية الشبابية، التي استطاعت أن تعكس رؤيتها التغييرية أو تنتصر على الوضع الاستبدادي، تنتمي أو تميل في انتمائها إلى مدرستين فكريتين هما: المدرسة الدينية، والمدرسة العلمانية. وصور الحرية – شكلها، منبعها، سقفها وحدودها – بين الدينيين والعلمانيين في مجتمعات الربيع كافة، تشير إلى أن الواقع الجديد في علاقته بالحرية سيتشكل على أساس الصراع بين المدرستين. ففي مصر وتونس وليبيا، هناك حراك بين أنصار المدرستين لفرض فهمهما للحرية على الواقع، ومن شأن ذلك أن يتحول في فترة لاحقة إلى صراع يتخلله العديد من مظاهر الخشية من فقدان مكاسب الإصلاح والتغيير، وهو أمر طبيعي في ظل المسافة الكبيرة التي تفصل بين المدرستين في فهم الحرية وفي تحديد موقعها الجديد. وفي الكويت، لا يزال تأثير مفهوم الحرية على مجمل الحراك حساسا جدا، وقد أظهر انقساما في المشاركة بالأنشطة المطلبية التغييرية، إذ بات واضحا إلى أي حد يرفض الكثير من العلمانيين الاشتراك في النشاط السياسي المتبنى من قبل التيار الديني إلا ما ندر وتمثّل في احتضان ملتقى النهضة الأخير.
إن عناوين رئيسية تلعب دورا في تأزم الصراع على الحرية بين المدرستين، وهل أن مصدرها ينبع من الرجوع إلى النص الديني والصراع بين الخير والشرّ، أو أنّ مصدرها ينبع من العقل الحرّ المستقلّ عن الدين. وتبرز عدة عناوين مؤزّمة في هذا الإطار، منها: الحرية الفردية والحرية الاجتماعية وحرية المعتقد وحرية التعبير. وبات من الضروري التأكيد على تبني فهم الحرية المتماشي مع التطورات، المثير للتغيرات في مختلف مجالات الحياة، أي الفهم العلماني، بسبب أنه لا ينطلق في رؤيته من التراث ولا يبني حلوله استنادا إلى التاريخ، فيصبح الواقع الفكري والمعرفي هو الأساس وهو المنطلق، ما يجعل تشريع التعددية ضمانة للمصالحة بين الحداثة والتراث أو بين القديم والحديث، وهي مصالحة من شأنها أن تحل محل الإقصاء.
من أبرز صور الحرية وأهمها للمرحلة التغييرية الجديدة، في تقديري، هي الحرية الفردية المستندة إلى العلمانية الليبرالية. فالعالم الحديث استند في بنائه وتطوره على هذا المفهوم، والفرد انطلق في إبداعه وتحقيقه قفزات نوعية من ذلك. النزعة الفردانية تعني استطاعة الفرد اتخاذ قراراته بذاته، كما تعني قدرته على الإبداع بصورة مذهلة في ظل ضوابط هو يضعها وينظم شؤونه من خلالها. في حين أن الذوبان في الجماعة، مثلما ترى المدرسة الدينية، هو تكبيل لقدرات الفرد الجبارة، وصولا إلى سجن حريته ووأد إبداعه. فالفرد في ظل السلطة الجماعية وبعيدا عن حريته الفردية، بل في ظل فرديته السماوية المطلقة، لن يكون قادرا على الإبداع إلا بعد موافقة سلطة الأسرة أو الجماعة أو القبيلة أو الأمة، أو سلطة من ينوب عن السماء، على ذلك. فلا حرية فردية تجعله يتجاوز ما تريده أو تسمح به تلك السلطات. وما تطور الإنسان الغربي وتغيّره وصولا إلى مرحلة الإبداع الفكري والعلمي منذ القرون الوسطى وحتى وقتنا الراهن إلا بسبب تحرره من تلك السلطات، التي كان من أبرزها التحالف بين نواب السماء وملاّك الأرض، وتمثّل ذلك في تحالف الكنيسة والملك. في حين أن المجتمعات العربية والمسلمة لم تختلف ظروفها كثيرا في الوقت الراهن عن ظروف القرون الوسطى وما قبلها، إذ لا تزال تكبّل يد الحرية الفردية وتضحي بالفرد وتقتل فيه الإبداع من أجل مصلحة السلطات السياسية والاجتماعية والدينية. فالمبدعون من العرب والمسلمين لا يستطيعون ممارسة أنشطتهم إلا في المجتمعات التي تُحترم فيها الحرية الفردية، لذا تجدها تهاجر سعيا لتأكيد تميّزها وتفوقها أو هربا من جلاّديها وقامعيها.
إن الحرية في ظل سلطة وسطوة الجماعة، المتبناة من قبل المدرسة الدينية، هي مجرد مسعى لفرض رأي الجماعة على الفرد، وهو في الواقع فرض لرأي معين على الرأي الآخر، هو حدّ من استقلاليته، وسعي لقمعه من خلال التدخل في أحلامه وصولا إلى إخضاعه. إن أكثر ما يخشاه التيار الديني من الحرية الفردية، العلمانية الليبرالية، هي أن تفضي إلى القضاء على الدين، أو تضعفه. لكن ذلك في الواقع أمر غير حقيقي، فالتيار الديني يخشى من شيء آخر، يخشى ضعضعة سلطة أفراده الدينية وضرب وصايتهم على الحرية الفردية ومنع سعيهم للسيطرة على الحياة. فالحرية الفردية في إطار الليبرالية وعلاقتها بالدين، هي “لاشيء” كما يقول محمد المزوغي في مقال له في “الأوان”. فالدين عند الليبرالي المؤمن بالحرية الفردية هو “مجرد خيار شخصي”. ماذا يعني هذا القول؟ يعني أن الليبرالية لا تسعى لا من قريب ولا من بعيد إلى القضاء على الأديان، بل إن مسؤوليتها تتمحور حول ضمان حصول كل فرد في المجتمع على التديّن الذي يسعى إليه. إن نهج العلمانية في ظل الليبرالية كما يوضح المزوغي “لا يعني القضاء على الدين أو محوه كليا من الضمير الشعبي”. ويطالب المزوغي بالنظر “إلى الليبراليين العرب المحدثين” باعتبار أنه “لا أحد منهم ناهض الدين بما هو دين، ولا واحد منهم نقد الدين الإسلامي في ذاته أو دعا إلى فسخه من الذاكرة الجماعية (وهذا هو المأخذ الذي يأخذه عليهم اليساريون، يعني عدم حسمهم نهائيا مع المنظومة الدينية). كل ما في الأمر هو أنهم ينادون بإصلاحات تدريجية، وتحديثات للمنظومة الفقهية، أي لمنظومة التشريعات القديمة، كي تتلاءم مع العصر وتحترم حرية الأشخاص”.
لذلك، لا يزال عنوان “الربيع” مبهما في علاقته ببعض قيم الحداثة، وما زال يواجه تحديات أساسية تؤكد الحاجة إلى معالجة مسائل تمس أصل وجود هذا العنوان. فتطفو مسألة المواطنة بقوة على السطح لتبرهن عدم انتمائها إلى ثقافة الكثير ممن يقودون الحراكات، لتصبح مخرجات الحركة التغييرية خارج أجندة تلك المسألة.
والمواطنة تبدو هنا جلية، خاصة حينما تتأسس على جملة من المفاهيم، من ضمنها بل وعلى رأسها مفهوم الفردانية، الذي يعتبر مفهوما جوهريا في التأسيس. فكثير من المراقبين يؤكدون بأن الربيع العربي لم يؤدّ إلى تحقيق الفرد لفردانيته، لأنها – أي الفردانية – لم تكن هدفا سعى دعاة التغيير إلى تحقيقه، ولم يكن الفرد هو هدف حركات التغيير، وذلك انطلاقا من أن الفرد، على الرغم من تحقيق بعض التغيير، لا يزال يخضع لمكونات المجتمع الخاصة بمختلف تشكيلاتها. وحتى في ظل بعض التطورات “الإيجابية” التي صاحبت خضوع الفرد للجماعة في بعض المجتمعات، لكن ذلك لم يساهم في إنهاء أو تقليص ريادة الجماعة على الفرد. فعلى الرغم من سعي الربيع العربي إلى إنقاذ المواطنين من الاستبداد، والذي أثر سلبا في حياتهم، إلا أن ذلك لم يساهم في معالجة استبداد آخر متمثل في وصاية الجماعة على الفرد، ولم يتطرق إلى مساعي حصول الفرد على هويته الذاتية أو على فردانيته.
لا أشك للحظة بأن الأحداث التي سبقت ولحقت انتخابات مجلس الأمة الكويتي الأخيرة كانت لها علاقة ملموسة بشعارات وتطورات أحداث الربيع العربي، خاصة الشعارات الحقوقية والقانونية الدستورية التي رفعت أثناءها، والتطورات المرتبطة لا باستقالة الحكومة فحسب وإنما بتغيير شخص رئيس الوزراء السابق، لكننا لم نلحظ خلال الأحداث أي شعارات تحثّ على المواطنة المنطلقة من الفردانية، بل كل ما تم طرحه كان حثّاً على المواطنة دون الاستقلال من هيمنة وسيطرة أطر الجماعة، وبالذات جماعة القبيلة والطائفة. فالمواطنة الخاضعة للجماعة لا يمكن إلا أن تكون صورا مغايرة من الاستبداد. إنها شعور بالتحول تجاه صور الاستبداد السياسي، واستمرار في الخضوع لصور الاستبداد الاجتماعي. إحدى صور معالجة الاستبداد هو ذاك المنطلق من الفرد والساعي إلى تحريره من كل صور الخضوع في المجتمع.
لا يمكن لأحد أن يدّعي تحقيق إنجاز إيجابي متعلق بصورة المواطن الكويتي بجعله قادرا على أن يطالب السلطة السياسية بحقوق المواطنة الحقّ، في حين هو لم يستطع أن يتحرّر من أسر سلطته الاجتماعية. وحينما لا يتحقق الاستقلال من التبعية للجماعة الاجتماعية، سيستمر اهتزاز صورة المواطنة، وسيغدو الشك مسيطرا على ولاء الفرد للوطن انطلاقا من ضرورة اعتبار الفرد وحدة مستقلة منتمية للوطن، أي انطلاقا من الفردانية. لذلك، لا يزال شعار المواطن أولاً، انطلاقا من علاقة ذلك بالولاء للوطن، ولتنظيم علاقاته السياسية والاجتماعية، بعيدا عن أولويات الخطاب العربي التغييري، ومنها الكويتي، لأنه لا يزال خطابا غير حداثي في فردانيته، بل هو خطاب يضع حائطا بين شروط الحداثة وبين بعض شعاراتها السياسية والاجتماعية، خطاب يبني شروط الحاضر على أسس الماضي غير المهموم بالفردانية.
فالفردانية هي شرط تاريخي لتحقيق التغيير البعيد عن مختلف صور الخضوع، ودعامة أساسية لبناء ديمقراطية حقيقية يراد من خلالها التأسيس لحرية الرأي والتعبير والاعتراض والنقد والنهوض باحترام حقوق الإنسان. ولن يتحقق ذلك إلا عبر عملية نقل انتماء الإنسان، من جماعات المجتمع الخاصة، إلى الدولة غير الخاضعة لأي جماعة، بهدف تأسيس مواطنة حقّة ترفض مبدأ تجمع القوى وارتكازها في جهة واحدة.
وفي حين كانت الجماعات الاجتماعية سببا في عدم تطور الفردانية في إطار حركات التغيير العربية، لكننا يجب أن لا نغفل دور الجماعات السياسية المؤدلجة، من إسلامية واشتراكية وقومية، التي تراهن أيضا على ذوبان الفرد في الجماعة انطلاقا من أيديولوجيتها الرافضة للخصوصية الفردية، أي الرافضة للفردانية. هذا إلى جانب عدم إغفال حضنها الشمولي الذي يمتلك الحقيقة المطلقة مما يساهم في معاقبة أي فرد يخرج عن خط سير تلك الحقيقة التي تمثّل في نظرها “الخلاص النهائي” للبشر. فكيف يمكن لتلك الأيديولوجيات أن تقبل لفرد أو لأفراد أن ينازعوها حقيقتها المطلقة ورؤيتها للخلاص وللنهائية الحتمية؟ خارج أسوار “المطلق” لا وجود للرأي والرأي الآخر، ولا وجود لاحترام حقوق الإنسان الفرد. لذلك، علينا مواجهة الظاهرة “الجماهيرية أو القطيعية”، على حد قول جاد الكريم الجباعي في مقال بـ”الأوان”، التي تؤسسها ثقافة ذوبان الفرد في الجماعة، من أجل بناء فرد قادر على مواجهة الفرد والجماعة معا، فرد مستقل بذاته، إذ لولا تلك الاستقلالية الفردية فإن حركات التغيير العربية ستنتقل من صور استبداد معينة تابعة لأنظمة خاصة، إلى صور استبداد أخرى تهيمن عليها جماعات جديدة، اجتماعية وأيديولوجية.
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق