الربيع العربي وتحديات الانتقال الديمقراطيّ


تشهد العديد من الدول العربية احتجاجات شعبية أدت في بعض الأحيان إلى إسقاط أنظمة ديكتاتورية وخاصة في تونس ومصر وليبيا حيث تمت الإطاحة بكل من نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي ونظيريه حسني مبارك ومعمر القذافي. ومع ذلك فإنّ الانتقال الديمقراطي المرجو يواجه العديد من التحديات ولاسيما وأنّ أنظمة الاستبداد العربية ساهمت في بث التخلف والفرقة بين أبناء البلد الواحد فضلا عن تغييب ثقافة حقوق الإنسان و الحياة السياسية، وهذا ما أدّى إلى نمو تيار ديني متطرف نجح بجذب شريحة شعبية واسعة، بدعم مباشر أو غير مباشر من أنظمة الاستبداد هذه. حيث لم تكف هذه الأخيرة من التشدق بعبارة “إمّا نحن أو الإسلاميون” من أجل إجهاض أي مشروع ديمقراطي وترسيخ القمع السياسي وهذا ما أدّى إلى غياب أية معارضة حقيقة أو مناخ ديمقراطي يسمح بسهولة تحقيق الانتقال الديمقراطي.

أضف إلى ما سبق تأثير الدين على التشريعات القانونية في الدول العربية والتي تنصّ جميع دساتيرها على أنّ الإسلام دين الدولة، باستثناء لبنان وجيبوتي وأيضا سوريا التي يكتفي دستورها بالإشارة إلى أنّ الإسلام دين رئيس الجمهورية. كما تنصّ أغلب هذه الدساتير على اعتبار الشريعة الإسلامية أحد مصادر التشريع أو حتى المصدر الرئيسي في بعض الدول، كاليمن ومصر. في حين أنّ الكثير من التشريعات القانونية المبنية على أساس ديني والمطبقة حاليا، خاصة في مجال قوانين الأحوال الشخصية، تتعارض مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان. كما أنّ تطبيق هذه التشريعات يؤدي إلى فرض الدين على الآخر غير المؤمن بالأديان التوحيدية أو على المنتمين إلى أقليات دينية غير معترف بها رسمياً، والذي يجب أن يتبع في أوراقه الشخصية لأحد هذه الأديان في خرق واضح لمبدأ الحرية الدينية المنصوص عليها في العديد من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان.

وهنا لابدّ من الإشارة إلى أنّه ليست الدولة الدينية وحدها المسؤولة عن التمييز ضد فئة من مواطنيها إنما نجد ذلك أيضا في إطار دول قائمة على أيدلوجيات أخرى كما هو الحال في سوريا التي تعتبر العروبة كأساس أيديولوجي جامع لجميع المواطنين، وهو أمر غير مقبول بالنظر إلى معايير حقوق الإنسان. فرغم نجاح أيدلوجية العروبة في توحيد صفوف المسحيين والمسلمين في فترة من الفترات، لكنها أثبتت عجزها عن استيعاب غير العرب كالأكراد والأرمن وغيرهم، كمكون أساسي من النسيج العربي. وكذلك الأمر بالنسبة للأكراد أنفسهم، فإنه من غير الممكن تأييد قيام دولة كردية، على أساس عرقي، رغم أننا نؤيد إعطاء الأكراد حقوقهم المشروعة، لأنّ هكذا دولة ستؤدي حتما إلى التمييز ضد غير الأكراد ومعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية.

في الحقيقة لا يمكن لأي نظام سياسي جديد أن يحمل أيدلوجية سواء أكانت دينية أو عرقية أو سياسية أو غيرها لأن ذلك سيؤدي وبشكل حتمي إلى هدم مبدأ أساسي ألا وهو المواطنة، وهو الكفيل وحده باستئصال التمييز بين جميع أطياف المجتمع الواحد وبالتالي إقامة مجتمع ديمقراطي مدني قائم على الحرية والعدالة والمساواة في الحقوق والواجبات وأمام القانون.

الدولة العصرية، التي لا يمكن بدونها احترام حقوق الإنسان ومعاملة جميع مواطنيها على قدم المساواة، هي الدولة المدنية العلمانية، أي دولة المؤسسات التي تقدّم خدماتها للمواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم، وبهذا تضمن العلمانية حق الشعب في التشريع بما يؤدي إلى إقصاء رجال الدين عن التدخل بالحياة السياسية وتعزيز سيادة واحترام القوانين، وتعزيز روح التسامح وحرية الاعتقاد والتعددية.

يُعتبر إعلاء شأن الدين وعدم الزجّ به في السياسة أمرا أساسيا لتحقيق الانتقال الديمقراطي في الدول العربية، ولا سيما بعد أن أثبتت التجربة بأنّ أنظمة الحكم تستغل الدين للاستبداد والقمع، وفي هذا الصدد يقول المفكر الإسلامي خالد محمد خالد في كتابه المشهور من هنا نبدأ: إذا مزجنا الدين بالدولة فسنخسر الدين ونخسر الدولة.

ومن هنا لابدّ بأن تكون أنظمة الحكم السياسية الجديدة في المنطقة العربية غير مبنية على أيدلوجيات دينية أو غيرها، إنما قائمة على مفهوم “الأنسنة”، بما يعني تعزيز مبدأ المواطنة واحترام حقوق الإنسان، وخاصة الحرية الدينية والمساواة أمام القانون، وهذا ما سيضمن احترام مبدأ التعددية الدينية والعرقية واستئصال كافة أنواع التمييز وتطوير التعاون المشترك الإنساني بين الحكومات والشعوب في المنطقة العربية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق