الربيع العربي يعلن نهاية عصر الدولة (2/1)

لو قيُّض للربيع العربي أن ينمو بشكل طبيعي، ونجا من الثورة المضادّة ومن رياح السموم الإقليمية والدولية، لينجز هدفه المباشر بإسقاط السلطة الدكتاتورية، وينصرف إلى تحقيق أهدافه الإستراتيجية، فما هي الفلسفة التي يمكن أن تأتي بها الثورة، لتؤسس عليها بناء اجتماعيّا واقتصاديا وسياسيا مبتكرا يأخذ طريقه إلى عولمة عصرية إنسانية بديلا عن العولمة المتوحشة؟ فالربيع العربي ثورة فريدة سبقت العالم إلى إعلان انتهاء عصر الدولة، فهو ليس مجرّد تمرّد على أنظمة حكم استبدادية فاسدة، بل ثورة على الدولة الفاشلة، وقفزة نحو المستقبل لإيجاد تنظيم أوسع من الدولة التي أصبحت في حدّ ذاتها مشكلة عالمية.

إن الربيع العربي لم ينتج من عمل النخب المؤمنة بالشكل القائم للدولة، بل هو نتاج حراك شعبي غير تقليدي يبدأ من الأسفل إلى الأعلى، يفسر التغيير على أنّه رفض للدولة، كونها بنظمها المختلفة أصبحت مصدر الأزمة، حيث نجد بوادر كثيرة تشير إلى أن الدولة قد أصبحت غير قادرة على تلبية حاجة الأفراد والجماعات في عالم اليوم، وقد بات ضروريا البحث عن بديل عنها قادر على إيجاد أسلوب جديد لتنظيم العلاقات في المجتمع وآلية جديدة لإنتاج الخيرات المادية وتوزيع الثروة بشكل أكثر عدالة، بعد عجز الدولة بشكلها الراهن عن مجاراة التطور الفائق لعملية الإنتاج، بفعل تطور العلم والتكنولوجيا، حيث أصبح الجهاز التنظيمي”الدولة” أبطأ من اللحاق بالمتغيرات الحيوية المتسارعة التي تحدث على صعيد الفعل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، مما يزيد من تشابك فعل المجتمع المحلي مع فعل المجتمع العالمي.

وهذه معضلة لا تدركها غالبية الحكومات الراهنة المحافظة على الشكل القديم للدولة المنغلقة. أما الأقلية من الحكومات التي أدركت أهمية التغيير، فإنها تفشل في إيجاد آليات تستجيب للمعطيات الجديدة، لأن الهياكل الإيديولوجية والسياسية والقانونية لدولها رغم حداثتها لم تعد ملائمة للمرحلة الراهنة.

وبذلك تصبح الدولة المعاصرة تقليدية بأنماطها فتعيق الحركة الدافقة للمجتمع، لتكون حاجزا أمام حاجته إلى الانفتاح على المجتمعات الأخرى. فرغم دخول المجتمعات البشرية المتخلفة والمتطورة مرحلة العولمة، فإنّ دولها غير قادرة على استيعاب النظام العولمي الجديد- العولمة بمفهومها الكلي – وهذا يفسّر سلسلة الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية التي تجتاح العالم، باعتبارها نتاج فشل الدولة في الاستجابة السريعة والمتوازية للتطور الاقتصادي والاجتماعي، أي أنّ عقل الدولة لم يعد قادرا على فهم القوانين والآليات الجديدة التي تحرك الفعل الاقتصادي والاجتماعي عالميا، لنشهد حالة الارتباك والفوضى التي تعصف بالمؤسسات المالية والاقتصادية، حيث خطر الإفلاس يهدد البنوك والشركات وكذلك يهدد الدول بحدّ ذاتها”اليونان”، نتيجة السياسات القائمة حاليًّا، والتي تقف عاجزة عن فهم أو تفسير الزلازل الارتدادية في عالم المال والاقتصاد والعقارات والطاقة والمعادن الثمينة وحرب العملات، حيث دول الشمال الغنية توشك على الانهيار لولا غرف الإنعاش في مشافي اليورو، أو الجرعات المسكنة من صيدلية صندوق النقد الدولي، ناهيك عن لجوء الحكومات إلى “الريجيم”، أزمات تهطل فوق رؤوس الدول، والخبراء عاجزون عن تفسير واقعي يكشف أسبابها الحقيقية، وبالتالي يفشلون في إيجاد حل ناجع لها، لأنّهم يحاولون تفسير أزمة عامة جديدة بأساليب المذاهب الاقتصادية القديمة، بينما المطلوب من خبراء المال والاقتصاد ورجال السياسة هو الاجتهاد بأفكار مبتكرة تراعي الحاجة إلى تغيير الممارسات الموجودة على الساحة السياسية وإلى تحقيق تطوير في الذهنية وبناء نظام جديد في العلاقات، سواء داخل الحركات أم في المجتمع، بحيث تكون هذه العلاقات بعيدة عن الهرمية وعن التحكم في إرادة الإنسان تسود فيها اللامركزية، ومن هنا فإنّ الربيع العربي لو استثمر بالشكل الأمثل فإنّه يحمل في طياته حلا خلاقا – ليس لازمات دول المنطقة فحسب بل لدول العالم كافة- فبعد التخلص من نظام حكم صلاحيته منتهية يمكن للثورة التخلص من دولة صلاحيتها منتهية أيضا، وطرح فلسفته البديلة وهي مشروع الكونفدرالية الديمقراطية الايكولوجية القائمة على الأخلاق، حيث تمارس السياسة خارج نطاق سيطرة الدولة والسلطة، ليعيد التوازن في العلاقة بين ظروف البقاء، التي اختلت بفعل الرؤية النيوتنية التي اعتبرت العالم “آلة”وما أتت به من تكنولوجيا خذلت الإنسان، لأنها تناست وظيفتها الأساسية؛ وهي أن التقنيات تكتيكات للعيش. وكذلك لأنها مدمِّرة للنظام الايكولوجي، فكانت المحصلة أن الدولة أصبحت أداة تجبر الإنسان أن يكون عبدا للآلة والمادة من جهة، وعبدا لمن يملك الآلة والمادة من جهة أخرى، والغريب أنه كلما زادت وتيرة التطور التقني زادت عبودية الإنسان للوثنية الجديدة، بعكس المتوقع؛ وهو أن التقنية يجب أن تحرر الإنسان، وهذا سرّ الأزمات التي تعصف بالعالم، بينما مبادئ الفلسفة الإيكولوجية التي تجد أنّ العالم “حَرَم” وأن الوَفْرة شرط مسبق للسعادة الداخلية، وأن الروحانية والعقلانية تتكاملان، من إجلال الحياة، وأنه حتى نشفي كوكبنا يجب أن نشفي أنفسنا..

هذه الفلسفة تناسب مجتمعات الشرق الأوسط التي فشلت دولها في محاكاة التجربة الغربية سواء في التنمية، لتبقى في مرحلة ما قبل الثورة البرجوازية والصناعية، ونتيجة اختلاف الظروف في مجتمعات المنطقة عنها في المجتمعات الصناعية، فإن المشاكل التي تواجه كلّا منها مختلفة أيضا، وبالتالي قد لا تكون وصفات المجتمعات الصناعية العلاج المناسب للكثير من مشاكلنا، خاصة أنّ دولة التقانة لم تعد تكتيكات للعيش، بل أصبحت عائقا أمام تطور أنظمة الحياة..

وقد يكون الحل البديل للمشاكل التي تواجه مجتمعاتنا هو بتغيير شكل الدولة ومضمونها ومهامها، حتى تكون قادرة على الاستجابة للتغيرات والتطورات التي يشهدها العالم. وطالما أن الربيع العربي ثورة جارية، وأنّه بصدد إعادة بناء المجتمع والدولة، فهذه فرصة طيبة للمفكرين المجددين أن يستلهموا من الفلسفة الايكولوجية أسلوبا ثالثا لإعادة عملية البناء، وما يشجع على ذلك هو إخفاقات نموذج الدولة الرأسماليةُ التي تراهن على العولمة كمخرج من منطقة الزلازل المالية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وكذلك الفشل الذريع لنموذج الدولة الاشتراكية التي تقوم بأدلجة مفاصلها وتأميم المجتمع والاستيلاء على كل الصلاحيات والحريات العامة للنجاة من تلك الأزمات، حيث لم تكن الاستراتيجيات المتبَعة لدى النموذجين موفقة، ولو تفاوتت نسب الفشل والنجاح لديهما، فالرأسمالية أخذت تقصر في تقديم الخدمات إلى المجتمع والأفراد، مع تزايد أعداد العاطلين، بينما الاشتراكية لم تأت بالمساواة والعدالة للشعوب بل حجزت حرية الجميع، فرغم التباين الإيديولوجي بين الليبرالية والراديكالية، فكلاهما اعتمدا مفهوم سيادة “الدولة” التي تقسم المجتمع إلى طبقات غير متساوية، وتقسم العالم إلى دول غير متساوية، لتترك هامشا كبيرا للاستغلال، ما يعني خللا كبيرا في العلاقات ضمن المجتمع الواحد، وخللا أكبر في العلاقات الدولية..

ففي ظل هيمنة النظامين دخلت البشرية أزمات مستديمة، حيث لم تنفع لغة العصر”العدالة والحرية والمساواة” ولا المتغيرات المذهلة، في تنمية تنعكس على حياة الناس ومستوى معيشتهم إيجابا، بل إنها زادت من وحشية الدولة، ولأن الربيع العربي تمرّد على هذه الوحشية، يمكنه أن يكتشف في أكاديمية الفطرة طريقا مغايرا يسير عليه، ليكون إرهاصات ثورة عالمية على نماذج الدول القائمة، وبات تقليصُها واضمحلالُها من المهمات الأساسية التي يجب أن يعمل لها أصحاب الآراء الحرة، لأن العمل في الإطار الراهن للدولة لا يعني غير ولادة أنواع مستحدثة من الأنفلونزا الاقتصادية والمالية والاجتماعية، حيث بدأت الفئات الشبابية في دول المركز تقتدي بالأجيال العربية الناهضة، تعبيرا عن سخطها على فشل الدولة في القيام بواجباتها. فقد صرح المحتجون أمام وول ستريت أنهم يستلهمون حركتهم من الربيع العربي، للتعبير عن سخطهم ورفضهم للسياسات المالية المطبقة، وهذا ما يرعب الحكومات خوفا من تحوّل الثورات العربية إلى حراك عالمي يحدث انقلابا في بناء الدول. وخوفا من ذلك فإنّ صناع القرار الدولي يتبادلون لعب الأدوار في مساحة رمادية، بل إن بعضهم لا يجد حرجا في محاربة هذه الثورات، بتوفير غطاء سياسي دبلوماسي عسكري مالي للأنظمة العربية الاستبدادية التي تقمع الثورة في بلدانها، في سبيل تقنين الربيع العربي والتحكم في مسار ثوراته، أو إجهاضها وتفريغها من مضمونها التغيري، وحصرها في نطاقها المحلي، لضمان عدم وصول الشرر إلى دولها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق