الربيع العربي يعلن نهاية عصر الدولة (2/2)

يمتلك الربيع العربي القابلية ليكون بديلا عن الدولة المركزية الرأسمالية منها والاشتراكية، والديمقراطية منها والدكتاتورية، فالرأسمالية المنجزة تفقد حيويتها المعهودة، إلا في ميدان التكنيك والتكنولوجيا، دون معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية المستجدة، حيث الغلو والتسارع في تطوير التقانة، بتشجيع من الشركات العملاقة المسيطرة على قطاع المال والأعمال في الأسواق المحلية والدولية، أدى إلى ظهور مفرزات غير مسبوقة لا يملك المجتمع البشري خبرة في معالجتها، بمعنى آخر ثمة صراع بين تقانة متطورة سريعة التغير وبين مجتمع لا يملك القدرة على الاستجابة المناسبة لمعطياتها، فيترجم الصراع إلى أزمات يعجز أطباء الاقتصاد عن معالجتها، لأنهم لا يريدون الاعتراف بان التقانة الفائقة قد وضعت البشرية في مرحلة انتقالية مستعصية، وليس من طريق واضح للانتقال إلى عصر جديد و مستقر، وهذا لن يحدث بدون فلسفة جديدة تغيّر العقلية والثقافة، وتفسّر المفاهيم القديمة بذهنية مغايرة، لتعطيها مضامين جديدة تلبي حاجة المجتمع إلى آليات تناسب التغيير الذي يحدث في حياتنا.

هذا يتطلب تغيير دماغ الدولة حتى تدرك أنّ حلّ التناقض بين التقانة والمجتمع يكون بالتفكير في مجتمع كنفديرالي، يتم تنظيمه وفق آليات مبتكرة، فتكون مهامه مختلفة عن مهام الدولة المركزية. قد يبدو هذا الطرح طوباويا، ولكن لو تجرّدنا من الأهواء الإيديولوجية، ونظرنا إلى معطيات الواقع، وإلى الحراك العربي، فسوف نتريّث في أحكامنا. فلو تم تهذيب الرأسمالية وجعلها أكثر إنسانية فسوف تنجح التقانة في تحقيق فائض في الإنتاج يلبّي حاجة كافة أفراد المجتمع، فيما لو تم توزيعها بشكل عادل. فلا تكون هناك حاجة للصراع عليها، وبانتهاء الصراع تنتهي الحاجة إلى الدولة كمؤسسة زجرية، وبالتالي يمكن للرأسمالية أن تتحول بالتدريج إلى كونفدرالية. فإذا تبنّى الربيع العربي هذه الأفكار وطرحها كمشروع بديل عن الأنظمة القائمة التي تحولت إلى احتكارات عائلية تلتهم الشعب والثروة الوطنية، أو إلى إمبراطورية تحاول ابتلاع العالم، فإنه سيجعل من الكونفدرالية الديموقراطية محورا يجمع قوى الشعب لإيصاله إلى إدارة نفسه بنفسه، لأنّها مختلفة عن الأنظمة الأخرى، من ناحية المبادئ أو من ناحية القوى التي تعتمد عليها. 

وعليه يجب إصلاحَ الدولة وإضعاف السلطة المركزية حتى تكون الأولوية لمنفعة الشعب وليس لمصلحة الدولة، ولا يوجد ارتباط عضوي بين الكونفدرالية الديمقراطية وبين الدولة، فهي لا تتنكر للدولة، لكنها في الوقت نفسه لا تنضمّ إليها، بل تضع نصب عينها مصالحَ المجتمع والحياة المشتركة المختارة اختيارًا طوعيًّا في ترابط متكامل وموحَّد في البنية الاجتماعية، بما يعيد التوازن إلى العلاقات ما بين أنظمة الحياة ويضفي عليها طابعا إنسانيا افتقدناه في العلاقات التي أسستها الدولة المركزية.

هذا النمط من الكونفدرالية له ارتباط وثيق الديموقراطية لأن الديمقراطية هي الإدارة المباشرة للشعب وأسلوب حياة، ولأنها الروح التي تعمل الشعوب على حمايتها. فالعلاقات بين الكنفدرالية الديمقراطية علاقة إيكولوجية، فبدون الديمقراطية تنزلق الكنفدرالية إلى نظام مشابه للأنظمة المستبدة، سواء بفعل القوى الداخلية أم الخارجية، ورغم أن الربيع العربي لم يتبلور بعد في صيغة فلسفية، إلا انه بحكم ظروف مجتمعاته يلتقي بشكل طبيعي مع الكونفدرالية الديمقراطية في نقاط عديدة، فإذا كانت المركزية الدكتاتورية هي السمة البارزة للدولة التي يتمرد عليها الشعب الآن، فإنّ البديل الذي تقدمه الكنفدرالية الديمقراطية هو اللامركزية، حيث يتم انتخاب أعضاء مجالس ديموقراطية تعتمد على العلاقات المتبادلة بين القرى والنواحي ومحلات المدن، وتقوم المجالس الشعبية برسم السياسات، ويكون التنسيق والإدارة بيد هذه المجالس التي يمكن تغييرها بسرعة، تفاديا للبيروقراطية. والاحتراف في المجال الإداري يعتمد على الالتزام الديمقراطي، وتكون صلاحيات المجالس السفلى أوسع من العليا، ما يوفّر بنية مرنة تحررنا من أوامر الإداريين الفردية. وبذلك يتم تحديد الإنتاج والسياسة تحديدًا مشتركًا، فيسود التكاملُ والوحدة والتبعية المتبادلة بين المناطق، وإذا كانت سياسة الإكراه هي التي تدفع الأفراد والجماعات على الانخراط في الحياة العامة بموجب قوالب تصنعها السلطة المركزية، فإن انخراطهم في الكنفدرالية الديمقراطية يكون عفويا مباشرًا وديمقراطيا، فلا يكون الانضباط زجريا كما هو معتمد اليوم، بل يكون ذاتيًّا، يعتمد على الفرد الحرّ كمواطن فعّال له علاقة عضوية بالمؤسَّسات الديمقراطية – مواطنًا روَّض نفسَه أخلاقيًّا – وعلى علاقة واعية مع الطبيعة. فالقوة الذاتية التي سلبتها منّا نظام الدولة المركزية تُعتبَر من المبادئ الأساسية الكنفدرالية، ونحن نجد الحراك العربي في أحد جوانبه هو مسعى الإنسان لاسترداد قوته الذاتية، وإذا كانت دولنا المركزية تقضي على البنية الكنفدرالية الموجودة في مجتمعاتنا طبيعيا، وتسحق الأقاليم والمجتمعات المحلية لصالح العواصم والمدن الكبيرة، فإن النظام الكنفدرالي يطرح البديل في شكل مجالس محلِّية تسترد الصلاحيات من يد النخبة البيروقراطية. 

وإذا كانت المركزية الاستبدادية تفرض تبعية أحادية الاتجاه، فإن الكنفدرالية تقول بالتبعية المتبادلة، كنظام يعتمد على الترابط بين الفرد والمجتمع، بين الريف والمدينة، وإذا كانت المركزية تتعمد عدم تحقيق الاكتفاء الذاتي، فإن الكنفدرالية الديمقراطية تعتبَر تحقيق الاكتفاء الذاتي مبدأ مهمًّا جدًّا. وإذا كانت دولنا المركزية لا تراعي أسس العلاقة السليمة بين الإنسان والسيرورات الايكولوجية، فإنّ الكنفدرالية في سياساتها الاقتصادية والبيئية تضع أسس علاقة صحيحة بين الإنسان وبين نظم الحياة. وإذا كنا اليوم نشهد كثافة في الإنتاج وسوءا في التوزيع فإن الكنفدرالية تقوم بالتوزيع حسب الحاجات، ومن ناحية أخرى فإنّ الدولة المركزية نتيجة الظلم تفقد مصادر قوتها، بينما الكنفدرالية الديمقراطية تكتسب القوة من التنظيمات الاجتماعية الديموقراطية التي ترسِّخ المبادئ الإنسانية في بنيتها، وتكون بعيدة عن النفعية وعن الهرمية، وتتخذ إرادة الفرد أساسًا، إذ تتكوّن من الأفراد المتطوعين والأحرار الذين يحققون عملية التغيير الأولى في أنفسهم. ومن البنية الاقتصادية، وذلك باستخدام المنابع الاقتصادية استخدامًا إيكولوجيًّا، والقضاء على البطالة بتطوير مشاريع تخطط لها المجالسُ المحلِّية، بغية إنقاذ الاقتصاد من براثن أصحاب الشركات التي باتت الآن تعيش مرحلة انكماشdeflation ، مما يضطرها إلى تخفيض أسعار السلع بسبب الهبوط الموجود في الشراء والعجز عن تطوير المشاريع وتفاقم مشكلة البطالة. ومن التنظيمات الثقافية والسياسية، المتجاوِزة لذهنية الدولة، التي تستمد من الفوارق الاجتماعية السائدة غنًى وتؤسِّس نفسها عليها. ومن الإعلام المتحرر، لأن حركة التنوير المطلوبة هي العمل على تغيير ما هو خارج عن وعي الإنسان، وذلك بتنوير الفرد والمجتمع، ليتم مقاومة تسليع وعي الجماهير، لأن مفتاح حلِّ المشكلات هو التفكير الألمعي والعلمي، وبالتالي تقديم المعلومة الصحيحة وإتاحة التواصل السليم بعيدًا عن التجارة، في مرحلة تجتاح وسائلُ الاتصال عقولَ الناس وتسمِّمها. ومن مناهضة العولمة الاقتصادية جراء تفشِّي الليبرالية الجديدة والشركات الرأسمالية التي تدعمها، ويتم ذلك بتوحيد الحركات البعيدة عن الهرمية فيما بينها وتنسيق استراتيجيات مشتركة على نطاق العالم.
 

بناءً على ما سبق نجد الحراك الشعبي العربي وقواه الاجتماعية الفاعلة تسير عفويا نحو النظام الكنفدرالي، الذي يعتمد على الشبيبة والنساء كقوى طليعية في تحقيق هذا النظام. لأنّ هؤلاء أكثر الناس كفاءة من حيث الذهنية والبنية الاجتماعية في تطبيق متطلبات هذا النظام. والربيع العربي تجسيد لإرادة الشباب والنساء، الذين مثلما نجحوا في تقويض النظام السياسي في الدولة المركزية، سوف يكون لهم دور في تقويض الذهنية الهرمية، على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، وتجاوز المفاهيم القديمة عن العائلة والمدرسة والمصنع، والروتين، وقدسية الملكية، وإنكار حق الفرد، ليتم تحرير الإنسان من ميراث الاستبداد والسلطة والطبقية. ومن جهة ثانية يتشابه الربيع العربي مع النظام الكنفدرالي في نبذ العنف. فالثورة السورية تعمل على زوال النظام القائم بالحراك السلمي، رغم أن السلطة تمارس أبشع أشكال القتل بغية جرّ الثورة إلى الحرب الأهلية، بينما تكتيك الثورة هو تفريغ مؤسسات دولة القمع من جوهرها، وإضعافها معنويا وماديا بالحراك السلمي. أما نقطة التشابه الثالثة فهي أن مجتمعاتنا تعيش حالة توتر دائم بين مكوناتها العرقية والدينية، والحل الكنفدرالي هو مجتمع ايكولوجي تحرري ديمقراطي خالٍ من أيِّ تمييز عِرْقي أو جنسي أو ديني ومذهبي.
 

إن الربيع العربي فرصة نادرة لتأسيس كونفدراليات ديمقراطية، تفتح الآفاق لتجاوُز الأزمات. يقول عالِم الاجتماع بوكين: الناس يحتاجون إلى المنطق لا الخرافة، والحرية بديلاً عن المصلحة الشخصية، والانفتاح بديلاً عن الانغلاق، والإبداع بديلاً عن المحاكاة، والاستقرار بديلاً عن الفوضوية، وإلى أفكار تعتمد على المجتمع الحرّ ومجالس الشعب الكنفدرالية بديلا عن الاعتماد على الدولة، فالنظام اللائق بالإنسان هو النظام الكنفدرالي، فقد تبيّن أن استبدال نظام متحكم آخر بالنظام المتحكم السائد لا يغير أي شيء بالنسبة للشعوب والأناس المضطهَدين، ونحن نشاهد الليبرالية الجديدة تطحن الإنسان في مطحنة الدولة تحت ستار العولمة والديمقراطية، فالليبرالية الجديدة ما هي إلا استعادةً للنظام الطبقي القديم في لبوس جديد، بينما الكنفدرالية الديمقراطية تمثل ثمرة جهود المضطهَدين ضد سائر أشكال اللامساواة والمركزية واحتكار الملكية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق