الرجل بلا ظل في مساحة الأنثى

لا أظن أني أميل إلى استقراء الواقع السوري أو غيره من الواقعات الاجتماعية الأساسية، إن كان في ثنائية المرأة والرجل، في الدين أو في السلطة وهل يغير الفن الحياة أم لا؟… أو الخروج عن والدخول في الشرعية الدولية ، أو حتى ما مدى أهمية وشرعية وجود مؤسسات مدنية خارج سياق الدولة؟

من باب التغيير، أم الواجب ، أم اللياقة. لا أدري أين سأتوقف……العجلة يزداد جنون دورانها ولا أتبين منها إلا مزقاً لونية لا لون لها إلا لون الدوران، لذلك لن أطيل النظر هذه المرة خوفاً من الغثيان.

المشكلة الحقيقية ليست في أننا استطعنا اختراع ألف مظهر ومظهر للنضال وللنشاط الاجتماعي خارج حلقة السلطة، على اعتبار الخوف أو المصالحة أو حتى السلوك الحضاري، ولا في أننا نبدو مجتمعين كفأر أبيض يجري داخل أسطوانة دون أن يصل إلى أي مكان، لأنها "الاسطوانة" لم توضع إلا لإشباع رغبته في الركض والتخفي، لقد أعماه الركض عن رؤية قضبان القفص وعن رائحة مخلفاته ولو أدرك هذا الفأر أن طاقة الجري لديه أكبر بكثير من ذاك القفص، لأصبح فأراً وجودياً.

ولعل هذا يذكرني بقول الماغوط" سيأتي يوم وتفهمين كسلنا في المقاهي…….".

المشكلة هي أن كل ما حولنا يبدو حقيقياً وبيناً وأحياناً مؤثراً وكأنه حقيقي فعلاً، مؤتمرات لكل واحد منا نتآمر فيها متى شئنا وضد من نريد، صحف، مجلات ومواقع أوجدتها قوة القانون الجديد "القديم" للعيون الدامعة الساهرة لأجل راحة الفرد، المجتمع، الوطن، مسرح حد التخمة، إجراءات أمنية وصحية شديدة اللهجة للحد من الإفراط في مشاهدة السينما، جعب درامية معدلة تراثياً لكل مواطن لحفظ التاريخ والأمجاد والبطولات والرموز من التلف أو سوء التخزين، سدود وجرافات وغواصين لانتشال ضحايا فيضانات حقوق الإنسان بالإضافة إلى شاخصة عند كل بيت وحديقة وفي كل حافلة لترشيد استهلاك هذه الحقوق ومنع الإسراف، فنانون وفوضى، عبث وشعراء وأحذية مصفحة بعجلات لدواعي السبق والمنافسة تخص شريحة المثقفين والبرجوازيين الصغار منهم والكبار داخل مضمار شؤون المراهقين والأسرة وجلسات حوار الثقافات والأديان الأسبوعية والمظاهرات الإلكترونية العفوية للاحتجاج في الداخل والخارج على ضحايا "دارفور وسجناء غوانتانمو وأبو غريب وإباحية هيفا وروبي لأنهما تهددان ثقافة لالي لالي وأروح لمين" وعلى الضغوط التي تتعرض لها جالياتنا الحبيبة في المغترب بسب بدعة الإرهاب وعدد الزبادي التي كسرها (لقمان كسار الزبادي) فوق رؤوسنا "بالإضافة إلى تحديث مصنع وشاحات القضية الفلسطينية كي يبدو بكل الألوان لمن يرغب في حق العودة أو يؤكد على استمرار دعمه للقضية"، وزرع أبراج مراقبة للعقل النقدي خوفاً عليه من الخروج عن سكة التفوق التاريخي والمقارنة بين هنا وهناك، كما من شأنها أيضا إطلاق حملات لتنظيف قلب دمشق وأطرافها من الأكياس السوداء و"زبالةالسهيرة" والمتنزهين.

وأخيراً لضمان دقة التقليد ورفع مستوى المحاكاة لأي مجتمع مدني أصيل، أي غير مقلد أو مهرب أو بترخيص من…..! "مجتمع غوتا" لا تلحظ على انبلاجه ختم السلف الصالح أو إرشادات أصحاب الأسرار المقدسة، أفردت مساحة للأنثى كي تقوى على مجابهة العيب وأعباء الحرمة وتنهض الآن وهنا من "هشيم عصر السبايا" وتنفض عن حجرها غبار "مجتمع التراث"، فهي لن تسدل شعرها الطويل من على نافذة أي برج بعد اليوم ولن تمتطي أحصنة الآخرين، بيضاء كانت أم سوداء، سيكون لها حصانها الخاص ورمحها ومعركتها الخاصة، ستكفر بربة المنزل وتقبل علينا ربة للانتقام، بعد أن كانت آلهة للحرب والخصب في "مجتمع الحضارة" منها الموت واليها الحياة. ولن تبالي أبداً مهما قذفها التاريخ، ذلك الذكر العاطفي، بكل أنواع التهم؛ بالإسترجال أحياناً أو المسخية أو حتى أنها تؤثر وجودها المدني على بناء الجيل وبأن حقوقها ليست إلا طفحاً مفاهيمياً على جلد واقعها الأسود، وستبقى ملازمة لدور الضحية المسند إليها مهما عصفت بها متغيرات المؤسسات الاجتماعية المنتجة للدنيا أو الآخرة ولن تمل من تأديته في أي محفل وفي كل مناسبة، مستلهمةً أسرها وعجزها من الشحنة الدرامية التي تشيعها صرخة "وامعتصماه". وقتذاك لن يجر معتصم واحد جيوشه ليغيث "الحرمة" ويصونها من الهدر، هناك ألاف من المعتصمين بحقوق المرأة سيمارسون كل أشكال الضغط والتظاهر ضد مولود التراث وسعياً وراء وأده.

وفي ظل هذه الحرب المفتوحة لن تبخل قوانين التجارة الداخلية والخارجية بالقليل من "البويا" لتلميع سجل حقوق المرأة، خوفًا على تجارتها من البوار وحفاظاً على العطر الفرنسي عائماً في فضاء الأجواء المخملية السورية أو من أن تفتقد البيرة الاسكتلندية من على موائدنا، ولن يسعنا وقتها، أي ساعة افتضاح المؤامرة، إلا أن نشتاقها وندهش بغبطة في مراقبة أنثى التراث مثلما يغبطنا عري شعوب "لأنكي" وبدائيتهم الحميمة، وبعد … ماذا لو كان صوتها أعرض من أن يشتمل على مساحة التراث ومسامع المعتصمين والـ ..؟ ماذا لو رفضت دور الضحية وأحرقت هذا المسرح الفارغ؟ ماذا إن وعت أنها تقف فوق مساحة قاصرة في ملعب الذكر الشاسع، هل ستكفر بهذه المنظومة الرجعية الكاذبة المسماة حقوق المرأة أم ستكتفي بالبوح مثلما فعلت "نضال خضري" في كتابها "من يستطيع البوح مثلي"؟

ربما أجدني مجبراً على قول هذا حتى قبل أن أتعرض للكتاب؛ لا يسعك قراءة البوح إن لم تبح أنت أيضاً، فما يدفعك إليه الكتاب حقاً هو رغبة عارمة في استكثار ماهو مضمر وضمني لديك واستجراره نحو أية مساحة بيضاء تجدها قدامك، ومن ثم اندماجك المحتوم مع تفانين طقس أنثوي برع في قتل الخطابة واستصراخ صوت الحقيقة المبحوح في دلالة على ميلان لغة التفكير تجاه جماليات التوصيف على حساب وظيفتها في المحاكاة والتشخيص، ولكن أية حقيقة تبحث عنها "نضال" وحول أي فكرة أو مشكلة أو مفهوم ستشكل اللغة مداراتها؟

قد لا تشكل تلك العناصر السابقة الذكر إن جمعت أي إغراء لتأليف كتاب، خصوصاً إن ترك كل عنصر منها على هيئته الأولى وفي مداه، وتم الجمع بينها استناداً على غاية الطرح فقط، لأن كلاسيكيات التأليف الفكري "النفسي أو الاجتماعي" كمنهج يبدأ بأحد تلك العناصر وينفذ عبره نحو كل العناصر، فقد يكون "المفهوم" قاعدة "للمشكلة" و"الفكرة" نتيجة لكل المفاهيم التي أدت إلى المشكلة، والأكثر لفتاً في هذه الطريقة "الكلاسيكية" هو أن هذه العناصر تتبدل دوماً داخل سياق الطرح والوجهة المعرفية التي ينشدها الكتاب، وبالتالي تضفى عليه المكونات الجمالية الأخرى من تشويق ومصداقية وقوة في التأثير.

لكن وعلى الرغم من أن كتاب "البوح" لاينتمي في شكله إلى هذه المدرسة إلا أن تجليات تطور فن الكتابة قد أكسبت التأليف مظهرين؛ الأول خارجي يظهر فيه الكتاب مرتبطاً بوحدة موضوعية واحدة شديدة التشابك ويظل التفكير بها مخلصاً لوحدة واحدة طيلة أمد القراءة وضمن مدى الطرح، والمظهر الثاني داخلي "ينتمي إليه كتاب البوح"، تكتسب به عناصر التفكير سمة التخفي، ويبدو مجزأً إلى وحدات عدة، وكل موضوع فيه يبتعد عن الآخر مسافة جيدة. والسبب أن البنية الداخلية لكل موضوع تشتمل على كل عناصر التأليف بكثافة شديدة التركيز تقربه أكثر فأكثر، وفي كل مرة نحو المقال وبالتالي يبقى الإحساس منصباً خلال القراءة على تتبع أثر الوحدة الكبرى، أي ما الذي يربط حيوياً وفكرياً بين…."أنثى النكسة" و"حريم بوش"؟

فبالإضافة إلى العناصر المتخفية التي سبق ذكرها هناك تقنيات أخرى تتولى مهمة التعشيق بين الوحدات المنفصلة، ولعل أهمها هي ذاتية الكاتب، إذ أن الكتاب في مجمله ينطلق من منطلقات أنثوية على اعتبار ذات الكاتبة كونها أنثى، ويحاول عبرها أن يرسم موقفاً فكريا ونقديا واضحاً ومتمايزاً عن موقف الذكر تجاه كل ماحدث ويحدث، وهذا ولَد وسيلة عن أخرى للربط بين الوحدات في تمثل ذات الكاتبة لكل الذوات الأنثوية على أرضية بوح أنثوي.

ولعل القوة التي تحملها عبارة "البوح" ومساحتها الرمزية الواسعة كانت سبباً إضافياً لانضباط الفحوى الفكري في سياق موضوعي واحد رغم بقائه مجزأً في الشكل. وعلى هذا فإنك ستألف في الكتاب وجهين اثنين؛ الأول ضمني متعلق بعناصر التأليف الأساسية والتقنيات الأخرى المساعدة لضبطه في سياق موضوعي واحد من "محاكاة وتمثل وإسقاط وذاتية"، والوجه الثاني شكلاني يبديه مقسماً إلى وحدات مستقلة لكل منها موضوعها ومبتغاها، ومن جديد كنت أتمنى أن يكون الإيقاع المعتمد في الداخل هو ذلك الآتي من ذاتيتها، دون أن يشوب تلك الذات أي مسبب ظرفي يدعوها للكتابة سوى ما ينشأ عنها أو يحرجها بمعنى ما يدعو الذات للحضور في الكتابة وليس ما يدفعها إليها.

"هذه… أنا … الأنثى الحاكمة رغم القهر ….وإذا أردت التحرر من نفسي فليس بسب قهر الرجل، بل بسب قهر النساء للنساء في زمن تراجع الحداثة"

الصحوة والوضوح الذين أصابا الكتاب على حين غرة مثلما يشتد وضوح المعنى الحقيقي للحب في أغنية "أنا فزعانة" لفيروز، إضافة إلى القناة التي فجرها فأطلت على الكثير من البحوث والدراسات الممهورة بذات الطابع، بخلاف مستوى أنثويتها إن كانت لكاتب أو لكاتبة، ولا أدري ما هي المرجعية لإدراك كنه هذه المقاربة في كل المحاولات الحديثة الساعية لكشف الحقيقة الأنثوية وإن قمت باستحضار "بيير داكو" بكتابه "المرأة" في مقابل كتاب "البوح" مالذي سأجنيه؟؟

هل تعمد "داكو" إشراك العالم النفسي للمرأة في كل تأملاته؟ وبالتالي تسجيل الحقائق من كل الإشارات التي تبديها النماذج النسوية في كل المحافل؟ إن سلمنا بهذا سندرك أن ما فعله "البوح" يبدو إشارة من تلك الإشارات النسوية بفارق أن البوح هنا طريقة واعية ومدركة من جهة الكاتبة في كشف الحقيقة وليست مما تحدثه "أريكة" التداعي.

لقد قاربت "نضال" في بوحها حقيقة مؤلمة عن أنثى العصر كما يصفها "داكو". "أنني ألقن الذكر تفوقه منذ لحظة الولادة وأعلمه فنون التسلط ومبادئ النظام الأبوي، إنني أحكم مجتمع التراث بلا قيد أو شرط". هذا ما قالته "نضال" فما الذي قاله بيير داكو؟ "ثمة ما يحض المرأة على أن تعي ماهي عليه، وثمة ما يدفعها إلى التدخل وإصلاح عالمنا، لذلك لابد من التعجيل في تقويض الاستطاعة الداخلية للمرأة، ولابد من حذف الأنوثة من الخارطة. لذا ينبغي تملقهن وإتخامهن من الناحية القانونية والاجتماعية، امنحهن الانطباع بأنهن متحررات من وصاية الذكر، ستعوق في الوقت نفسه حريتهن الداخلية، اجذبهن إلى الأعمال التي ترغمهن على التخلي عن أنوثتهن، وسأضمن ضمور الأنوثة بوصفها غير مستعملة، ستفنى ويتوقف الخطر/ داكو"

وفي النهاية قد يستشعر البوح الخطر، ولكن هيهات أن يوقفه. "من يستطيع البوح مثلي" تحقيق استقصائي بعين أنثوية لكل ماحدث ويحدث وما سيحدث، إنه حقاً كتاب في البوح.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق