الرحلة الملحمية لذوي الفكر المتحرر

1{{

ما زال الإله يتنفّس الصعداء …}}

هل مات الإله فعلا؟ ذلك أمر يجب التأكّد منه.. كان من شأن بشرى كهذه أن تخلق تأثيرا هائلا، لكننا ما زلنا ننتظر دون جدوى أدنى إثبات عليها. وإنّنا في مكان الحقل الخصب المكتشف من خلال مثل هذا الاختفاء، نجد بالأحرى نزعة عدمية وتقديسا للاشيء وشغفا بالعدم، وعشقا مرضيا لمعزوفات ولوحات نهايات الحضارات الكئيبة، وافتتانا بالهاويات وبالحفر التي لا قعر لها، والتي يفقد فيها المرء روحه وجسده وهويته وكينونته، وكلّ اهتمام بأيّ أمر من الأمور. إنّه مشهد كارثة: مشهد القيامة الخانق …

إنّ موت الإله كان ألعوبة أنطولوجية؛ وهو جزء لا يتجزّأ من جوهر القرن العشرين الذي كان يرى الموت في كلّ مكان: موت الفنّ، وموت الفلسفة، وموت الميتافيزيقا، وموت الرواية، وموت اللحن، وموت السياسة. ولنعلن اليوم رسميا إذن موت أشكال الموت الخيالية هذه! وموت هذه الأنباء غير الصحيحة التي كانت في الماضي تصلح لبعض الناس كي يصوّروا مشاهد مفارقات ظاهرية قبل انقلاب البذلة الميتافيزيقية. لقد سمح موت الفلسفة بمؤلفات في الفلسفة وولَّد موت الرواية روايات، وأنتج موت الفنّ أعمالا فنية، وما إلى ذلك إلخ …. أمّا موت الإله فقد أنتج عالميْ القداسة والألوهية، والدين يتنافس فيه الناس . إننا نسبح اليوم في هذه المياه المطهِّرة.

أكيد أنّ إعلان موت الإله بقدر ما كان مرعدا ومدوّيا كان خاطئا…لقد كان ذلك تزميرا في أبواق، وإعلانات مسرحية مبهرجة، ودقّا للطبول ابتهاجا قبل الأوان. إنّ عصرنا يتداعى تحت الأخبار المقدّسة التي هي أشبه بالكلام الملهم عند وسطاء الوحي الجدد؛ كما أنّ وفرتها تتحقّق على حساب الجودة والحقيقة: لم يسبق أن تمّ الاحتفال بمثل هذا القدر من الأخبار الخاطئة كما لو كانت أخبار وحي سماوي. لقد كان أمر إثبات موت الإله يستلزم حقائق ومؤشرات وقرائن؛ لكن الأمر لم يكن كذلك…

فمن رأى الجثة؟ ما عدا نيتشه، ولم يثبت ذلك…. كان الأمر يفترض أن نقع تحت وطأة وجود هذه الجثة- على طريقة جسد الجريمة عند أوجين يونسكو- وتحت سلطة قانونها؛ كان الأمر يفترض أنها ستجتاح وتفسد وتنتن وأنها ستتفسّخ شيئا فشيئا، ويوما بعد يوم؛ وكنّا سنشهد تحلّلا حقيقيا- وفي المعنى الفلسفي للكلمة أيضا. لكن، بدلا من ذلك، ظلّ الإله الذي كان متواريا عن العيان في حياته، ظلّ كذلك عندما مات. ذلك تأثير الإعلان… ما زلنا ننتظر البراهين والشواهد لحدّ الآن. لكن من بإمكانه تقديمها؟ من هو الأخرق الجديد الذي سيتقدّم نحو هذه المهمّة المستحيلة؟

ذلك أن الإله لم يمت، ولا هو يحتضر- بعكس ما يعتقد نيتشه وهين. إن الإله لم يمت، وهو لا يحتضر، لأنه ليس بفان. إنّ الفكرة الخيالية لا تموت، وإن الوهم لا يتوفّى، والحكاية الخرافية الموجّهة للأطفال لا يتمّ دحضها. فالحيوانات الخرافية لا تخضع لقانون الثدييات؛ قانون يخضع له بالفعل الطاووس والفرس؛ أمّا حيوان من محبس الوحوش الخرافية فلا. والحال أنّ الإله ينتمي لهذا المحبس الخرافي، مثله مثل آلاف الكائنات المفهرسة ضمن القواميس المتخصصة. فَنفَسُ الكائن المضطهد يبقى مادام هذا الكائن باقيا؛ بل قل إنه باق دائما..

من جهة أخرى، أين يفترض أن يكون قد مات هذا الإله؟ هل في كتاب “العلم المرح”، لنيتشه؟ هل اغتيل في سيلس-ماريا1 من طرف فيلسوف ملهم ومأساوي وسامي لازم وسكن بحيرته النصف الثاني من القرن العشرين؟ وبأيّ سلاح قتل؟ بكتاب واحد، أم بكتب أم بأعمال كاملة؟ هل من خلال دعوات لعنة، أم عبر تحاليل وبرهان، دحض؟ وهل من خلال تعاليق أيديولوجية لاذعة وساخرة؟ أي سلاح الكتاب الأبيض…. وهل كان القاتل لوحده؟ مترصدا؟ أم كان ضمن عصابة: رفقة الكاهن ميسلي ولوماركي دو ساد باعتبارهم من أسلافه الحراس الحافظين؟ ألا يفترض أن يكون إله أسمى هو قاتل هذا الإله إن وجد؟ ألا يخفي هذا الجرم المزيّف رغبة أوديبية وإرادة مستحيلة وتطلّعا لا يقاوم ولا جدوى منه إلى النجاح في إتمام مهمّة ضرورية لتوليد الحرية والهوية والمعنى؟

إنه لا يمكن قتل النفََسٍ والريح والرائحة، ولا يمكن أيضا قتل الأحلام والأماني. إن الإله الذي ابتكره البشر الفانون على صورتهم الجوهرية لا يوجد إلا ليجعل الحياة اليومية ممكنة، بالرغم من مسار كلّ واحد إلى العدم. فما دام البشر محكومين بالموت ستظلّ حتما بينهم مجموعة لن تستطيع تحمّل هذه الفكرة، وستبتكر حيلا للهروب من ذلك. لا يمكن أن نغتال حيلة للهروب؛ ولا يمكننا أن نقتلها. ستكون بالأحرى هي من تقتلنا: لأن الإله يسحق كلّ من يقاومه، وفي مقدمة ذلك العقل والذكاء والفكر النقدي. والباقي يتبع ذلك بردّ فعل متسلسل…

سيختفي آخر إله مع آخر إنسان، وسيختفي معه الخوف والذعر والقلق وكل تلك الآلات المنتجة للآلهة: الرعب في مواجهة العدم، وعدم القدرة على تمثّل الموت كمسار طبيعيّ وحتميّ يجب التعايش معه. وحده الذكاء يمكنه أن يحدث تأثيرات في مواجهت الموت، بل وكذلك الإنكار، وغياب للمعنى خارج المعنى المعطى، واللامعقول القبلي؛ فهذه هي باقة أصول فكرة الإلوهية. إن موت الإله يفترض تطويع العدم وإيلافه؛ لكننا ما نزال بعيدين بسنوات ضوئية عن هذا التقدم الأنطولوجي الوجودي…

2

{{اسم ذوي الفكر المتحرر}}

سيدوم الإله بدوام العقول التي تخلقه وبدوام منكريه كذلك… إن كل بحث حفريّ في أصول المفهوم يبدو محض خيال: لا يوجد تاريخ ميلاد للإله كما لا يوجد تاريخ ميلاد للإلحاد الفعلي- أمّا الخطاب فذلك أمر آخر. لنخمّن: يُفترض أن يكون أوّل إنسان –تلك قصة خيالية أخرى- وهو يؤكّد وجود الله، في نفس الوقت أو بالتتابع أو حتى بالتناوب، لا يؤمن بوجوده. إنّ الشك يعيش دائما مع الإيمان ويعاصره. ويرجح أن يكون الشعور الديني يسكن نفس الفرد المشغول بالريبة والشك والمسكون بالرفض. ـ فيكون هناك إقرار وإنكار، وعلم وجهل: وقت للركوع ووقت للعصيان والتمرّد؛ وذلك بحسب مناسبات خلق إله أو إحراقه…

يبدو الإله خالدا إذن. ومداهنوه وحاملو مبخراته ينتصرون في هذه النقطة؛ لكنّ الأمر ليس كذلك بالنسبة لحججهم وشواهدهم المتخيّلة ؛ ذلك أن مرض العصاب الذي يؤدّي إلى صنع الآلهة إنما ينتج عن الحركة العادية لنفسانيات الناس ولاشعورهم. إن توليد الله يوجد في نفس الوقت مع الشعور القلق أمام فراغ الحياة المنتهية؛ لقد ولد الإله من قلب شدّة وصلابة وجمود جثت أعضاء القبيلة؛ فالرؤى والأوهام والأدخنة التي تتغذّى عليها الآلهة تكتسب متانة وصلابة أكبر مع مشهد الجسد الميت. عندما تنهار روح أمام برودة شخص محبوب، فإنّ الإنكار يحلّ محل الأمر الواقع فيحوّل هذه النهاية إلى بداية، ويجعل من هذه الخاتمة انطلاقة لمغامرة جديدة. فالإله والسماء والأرواح يديرون المهمّة لتجنّب ألم الأسوأ وعنفه.

وماذا عن الملحد؟ يرجح أن يكون إنكار الإله والعوالم الخلفية يقتسم روح أوّل إنسان آمن بالله؛ وفي ذلك عبارة عن تمرّد وعصيان، ورفض للبداهة، وتصلّب أمام أحكام القدر والحتمية؛ ويبدو تاريخ أصول النزعة الإلحادية بنفس قدر بساطة تـاريخ أصول الإيمان. إنّ الشيطان وإبليس وحامل النور – الفيلسوف الرمز لفكر الأنوار – ؛ أي من يقول لا، ومن يرفض الخضوع لقانون الإله، ينشأ معاصرا لعصر الولادات هذا. فالشيطان والإله يشتغلان كوجهين لنفس العملة، أي كنزعة الإقرار بالإلوهية(théisme) ونزعة نفي الإلوهية- الإلحاد-(athéisme).

و مع ذلك فالمصطلح ليس قديما في التاريخ ومعناه الدقيق- أي موقف من ينكر وجود الإله ما عدا باعتباره إبداعا خياليا إنسانيا في محاولة للاستمرار بالحياة، رغم طابع الموت المحتوم- يعتبر معنى متأخّرا في الغرب. صحيح أنّ الملحد مذكور في الكتاب المقدس- في “المزامير”( 10 : 4 و14 : 1) وفي” جيريمي” (5 : 12)-، لكنه كان أحيانا‘ بل في غالب الأحيان، في الأزمنة القديمة نعتا ليس لمن لا يؤمن بالله، بل لمن لا يقبل بالآلهة المهيمنة في تلك اللحظة ويرفض أشكالها المحددة اجتماعيا. لقد ظلّ مصطلح “الملحد “ينعت ولمدة طويلة من يؤمن بإله جار أو غريب أو مبتدع أو مخالف لصورته الرسمية؛ فهو ليس ذلك الشخص الذي يفرغ السماء، بل إنه من يملؤها بمخلوقاته الخاصة…

وبالتالي فقد كانت نزعة الإلحاد تستخدم سياسيا لإقصاء وتمييز وتعنيف الشخص الذي يؤمن بإله آخر غير ذاك الذي تستند إليه سلطة المرحلة والمكان في إرساء نفوذها وسلطانها. ذلك أنّ الله خفيّ لا يلحق، وبالتالي فهو يصمت عما يمكن أن ينسب إليه من فعل وقول وعمل أو يلقى على عاتقه؛ وهو لا يثور حينما يدّعي بعضهم أنّ الله قد ولاهم ليتكلّموا ويسنّوا القوانين ويصدروا الأوامر ويتحرّكوا في السرّاء والضرّاء باسمه. إنّ صمت الإله يسمح بثرثرة وزرائه الذين يسيئون استغلال هذا النعت: فمن لا يؤمن بإلههم وبالتالي لا يؤمن بهم، يصير على الفور ملحدا، أي أسوء الناس؛ فهو ذلك المقيت النجس الداعي لنبذ الأخلاق، وذاك الوجه المجسد للشرّ وبالتالي يجب سجنه في الحال، أو تعذيبه أو قتله…

واعتبارا لذلك يصير صعبا إعلان المرء إلحاده ونفيه للإلوهية ..إذ يكون الأمر دائما ضمن رؤية تبتغي قذفا يهين سلطة تشغلها مسألة إدانة الناس. إنّ بناء المصطلح يوضّح ذلك : نافي+الإله (a-thée) . فمن خلال السابقة الحارمة a (نفي) يفترض المصطلح إنكارا ونقصا وفراغا ومسعى معارضا؛ ولا يوجد مصطلح لوصف إيجابيّ لمن رفض القبول بالخرافة وبالوهم من خارج هذا البناء اللغوي الذي يشدّد على البتر: هو “نافي-الإله” إذن؛ ولكن أيضا فاقد-الإيمان واللا-أدري وغير-المؤمن واللا-ديني ومنكر-العقيدة ونافي-الدين وعديم-التقوى، وكل الكلمات المنبثقة من :لا-دين ولا إيمان ولا تقوى إلخ… إننا لا نجد ما يوصَّف الجانب المشع والمؤكّد والإيجابيّ والحرّ والقويّ عند ذلك الفرد الذي يقيم بعيدا عن الفكر السحري وعن الحكايات الخرافية.

إنّ الإلحاد أو نفي-الإله ينتمي إلى الإبداع اللغوي لعباد الإله؛ وهي كلمة لم تنتج عن قرار إرادي وسيادي للشخص الذي يعرف نفسه من خلالها تاريخيا. هي كلمة تشير فقط إلى الآخر الذي يرفض الإله المحلّي في الوقت يؤمن به جميع الناس أو غالبيتهم… وإنّ من مصلحته أن يؤمن … لأنّ الممارسة اللاهوتية المؤسسة تستند دائما على ميليشيات مسلّحة وعلى شرطة وجودية وجيش أنطولوجي تعفي الناس من التفكير، وتدعوهم إلى التعجيل بالإيمان، وإلى التوبة والاهتداء في غالب الأحيان.

إنّ آلهة بعل وياهوا وزيوس والله ورع ووطان، بل حتى إله مانتوا، كلّها تدين بأسماء شهرتها للجغرافيا وللتاريخ: إنها بنظر الميتافيزيقا التي تجعلها ممكنة تسمّي نفس الحقيقة الخيالية الخادعة بمسميات مختلفة. والحال أنّ أيا من هذه الأسماء ليس أكثر صحّة من الآخر، لأنّها تتحرّك داخل مجمع للعظماء المبتكَرين المبتهجين حيث يتقاسم نفس المأدبة عوليس وزرداشت وديونيزوس ودون كيشوت وتريستان ولانسلو دي لاك، وهي كلّها وجوه سحرية تشبه الثعلب عند شعب الدوغون وآلهة “اللوا ” في عقائد الفودو..

3

{{تأثيرات الفلسفة البديلة}}

وفي إطار غياب نعت لوصف ما لا يمكن وصفه، ومسمّى لتسمية ما لا يمكن تسميته،– فالأحمق هو من يجرؤ على أن لا يؤمن-؛ لنتعامل مع هذا النعت: الملحد نافي-الإله.. هناك كنايات ومصطلحات، لكنها كلها نحتت من قبل عباد المسيح، وألقوا بها داخل السوق الفكرية بنفس نيّة الإنقاص من قيمة الموضوع وتحقيره. فقد كان باسكال،على طول كتاباته المنسوجة، غالبا ما يهاجم بقسوة “ذوي الفكر المتحرّر”، وكذا” الملحدين “و”المفكرين الأحرار”، أو كما يسمّيهم اليوم أصدقاؤنا البلجيكيون أنصار حرية التفكير.

إن الفلسفة البديلة- ذلك التيّار الذي اعتبر خلال القرن الثامن عشر ظهر العملة المظلم لفكر الأنوار، وذلك التيار الذي نتناساه مخطئين، إذ يجب وضعه تحت أنوار الواقع الراهن لكي نبين كم لا يتردد المجتمع المسيحي أمام أيّ وسيلة حتى تلك الأضعف قدرة على التبرير الأخلاقي، لينقص من قيمة واعتبار فكر ذوي الطبائع المستقلة الذي لا يسعدون بالموافقة على حكاياتهم الخرافية-؛ إنّ هذه الفلسفة البديلة إذن تحارب بعنف يستعصى على النعت حرية الفكر والتفكير المنفصل عن العقائد المسيحية.

يندرج في هذا السياق على سبيل المثال عمل الأب غاراس، ذلك اليسوعي الذي لا دين له ولا خلق، مبتكر الدعاية الحديثة في أوج القرن السابع العاشر-القرن العظيم- من خلال مؤلف: “العقيدة الغريبة لمحبّي المعرفة والفكر في هذا الزمان أو المدّعين ذلك ” (1623)؛ وهو مجلد مفرط ومغالي، يقع في ما يربو عن الألف صفحة، ينمّ الكاتب فيه ويفتري على حياة الفلاسفة الأحرار، ويقدّمهم على أنهم فجّار ولوطيّون وزناة وفسّاق وشرهون نهمون وناكحو أطفال – مسكين بيير شارون صديق مونتيني ..- ، وغير ذلك من النعوت الشيطانية الوحشية وذلك بهدف إثناء الناس عن الاستئناس بالمؤلفات ذات النزوع التقدمي. كما اقترف وزير الدعاية اليسوعية هذا في السنة الموالية مؤلّفا يمجد فيه مؤلفه المذكور ضد أصحاب الفكر الملحد والمادي في عصره. فأضاف غاراس بذلك طبقة أخرى على نفس المنوال، دون أن يخنقه الكذب والخسّة والرمي بالبهتان والهجوم بحقّ الخصوم. فعلا إنّ محبة القريب لا تعرف حدّا ..

منذ أبيقور الذي شُنّع به في حياته من قبل متعصّبي وأقوياء عصره وحتى الفلاسفة الأحرار الذين لا يعتقدون –دون الوصول أحيانا إلى حدّ التبرّؤ من المسيحية..- أنّ الكتاب المقدس يشكل أفق الذكاء الذي لا يمكن تجاوزه، ما زالت هذه الطريقة تؤدّي مفعولها اليوم. فبالإضافة إلى كون بعض من الفلاسفة الذين هاجمهم غاراس وأطلق عليهم الرصاص لم يسترجعوا صحّتهم بعد، وهم يقبعون في غياهب النسيان المقيت؛ وبالإضافة إلى أنّ بعضهم يعاني من صيت خاطئ بكونهم عديمي أخلاق، وقوما لا يعاشرون؛ وبالإضافة إلى أنّ القذف والتشهير يطال أيضا أعمالهم، يظلّ المصير السلبي للملحدين منكري-الإله موضوع تكتم وإخفاء لمدة قرون… ففي الفلسفة ما يزال libertin(ملحد) يشكل وصفا تحقيريا موضوع جدال يحول دون بروز كلّ فكر هادئ وجدير بهذا الاسم.

وبسبب نفوذ الفلسفة البديلة المهيمن على التأريخ الرسمي للفكر، فإنّ أجزاء كاملة من فكر قويّ حيّ وشديد، لكنه مضادّ للمسيحية أو غير محترم لها بل مجرّد مستقلّ عن الدين السائد، تبقى مجهولة حتى من قبل محترفي الفلسفة في غالب الأحيان، باستثناء حفنة من المتخصصين. فمن قرأ غاسيندي أثناء دراسته للقرن السابع عشر؟ أو لاموت لوفايير؟ أو سيرانو دي بيرجوراك –الفيلسوف لا الأديب..؟ قليلون هم…ومع ذلك فإنه لا يمكن فهم باسكال وديكارت وماليبرانش وآخرين من نصيري الفلسفة الرسمية دون معرفة تلك الوجوه الأخرى التي اشتغلت على استقلال الفلسفة عن علم اللاهوت الديني- وبالذات عن لاهوت الديانة اليهودية-المسيحية.

4

{{ اللاهوت وأوثانه}}

هذه الخصاصة في الكلمات الإيجابية لوصف النزعة الإلحادية النافية-الإله وعدم الاهتمام هذا بالنعوت البديلة الممكنة، توازيها وفرة وغنى في المفردات الواصفة للمؤمنين. فلا يوجد تغيير طفيف في موضوع الإيمان ليس له اسم خاص ينعت به: ألوهي؛ ربوبي؛ موحّد الوجود؛ موحّد الإله؛ متعدّد الآلهة ويمكن أن نضيف؛ إحيائيّ وطوطمي ووثني، أو حتى بالنظر للأشكال المتبلورة عبر التاريخ: من كاثوليكيين وبروتستانتين وإنجيليين بروتستانتيين وكالفينيين ولوثيريين وبوذيين وشانطاويين ومسلمين، سنة وشيعة، ويهود من شهود ياهوا أورثودوكس وأنجليكانيين وميتوديين وكالفانيين، والقائمة لا تنتهي…

بعضهم يعبد الأحجار- بدءا بالقبائل البدائية وحتى مسلمي اليوم الذين يطوفون حول نصب الكعبة-، وبعضهم يعبد الشمس أو القمر، والبعض الآخر يعبد إلها خفيا ومختفيا لا يمكن تمثيله وإلا تم اتهامه بالوثنية، أو يعبد حتى وجها بشكل إنساني – أبيض ذكر وآري بطبيعة الحال..- ؛ فهذا موحد مكتمل للوجود يرى الإله في كل مكان وذاك من أتباع اللاهوت السلبي لا يراه في أي مكان؛ مرة يُعبد الإله وقد امتلأ دما وتوّج شوكا وصار جثة، ومرّة ثانية يعبد في قشّة عشب على طريقة الشنتو الشرقية: ليست هناك خدعة من الخدع التي ابتكرها الإنسان لم تستعمل خدمة لتوسيع مجال ممكنات الإلوهية…

ولمن لا يزالون يشكّون في أصناف الغرابة الممكنة للديانات بخصوص ما تستند عليه، نذكّرهم برقصة البول عند شعب الزونو في المكسيك الجديدة، وبخياطة التمائم من غائط كبير كهنة ديانة اللاما في التيبت، وباستعمال روث وبول البقر في وضوء التطهر عند الهندوس، وبعبادة ستيركوريوس وكريبتوس وكلواسين عند الرومان – وهي بالتتالي آلهة القذارة والضراط ومجاري الفساد-، ونذكرهم بقرابين السماد الحيواني المقدّمة للإله سيفا –فينوس الآشوري-، وبأكل الإلهة المكسيكية الأمّ سوشيكال لفضلاتها، وبالأمر الربّاني باستعمال البراز البشري لطهي الطعام في كتاب إيزيشيل وغير ذلك من طرق يصعب فهمها، وتصرّفات غريبة وشاذّة في ربط العلاقة بالإلوهية وبالمقدّس …

وأمام هذه الأسماء المتعدّدة والممارسات التي لا تعرف نهاية، والتفاصيل اللا متناهية في شكل تصوّر الإله وتأمّل العلاقة به؛ وفي مواجهة هذا الطوفان من التغييرات على الموضوع الديني؛ وفي حضور كل هذا الكمّ من الأسماء للتعبير عن هذا الوجدان المؤمن الغريب، يبقى” الملحد نافي-الإله” يتعايش مع هذا النعت الوحيد والفقير الذي يحطّ من قيمته واعتباره الحقيقيين.! أما من يعبدون كل شيء، وأي شيء، والذين يبرّرون هم أنفسهم، باسم أصنامهم، عنفهم المتعصّب، وحروبهم التاريخية ضدّ من لا إله لهم، فأولئك هم الذين ينقصون من صاحب الفكر المتحرّر فيجعلون من “الملحد نافي-الإله “athée، اعتبارا للاصل الاشتقاقي في نحت هذا النعت، فردا غير مكتمل وشخصا أبتر ومفكّك وأجدع وكيانا ينقصه الإله حتى يغدو حيّا بحقّ..

إنّ أتباع الإله يتوفّرون على شعبة بكاملها تختصّ بالنظر في أسمائه وأفعاله وحركاته، وفي أقواله الجديرة بالذكر وأفكاره وكلماته –لأنه يتكلم- وفي سلوكياته، وفي أسماء مفكّريه المأجورين وممتهنيه، وقوانينه ومداهنيه ومبخريه ومحامييه وقتلته المأجورين ومجادليه وخطبائه وفلاسفته- نعم كذلك ..- وعملائه وخدامه وخلفائه في الأرض ومؤسساته الدعوية وأرائه وإملاءاته، وغير ذلك من الهراء: إنها شعبة علم اللاهوت. شعبة الكلام عن الإله وبخصوصه ..

أنتجت اللحظات النادرة في التاريخ الغربي التي تم خلالها إتلاف المسيحية- كسنة 1793 على سبيل المثال- بعض الأنشطة الفلسفية الجديدة، كما ولدت الكلمات المستحدثة والتي سرعان ما تركت وأهملت إهمالا. صحيح أننا ما زلنا نتحدث عن حركة إزالة طابع المسيحية عن الواقع( déchristianisation )، لكن كمؤرخين؛ فذلك يسمّى فترة الثورة الفرنسية التي كان المواطنون خلالها يحوّلون الكنائس إلى مستشفيات ومدارس ومآوي للشباب، وكان الثوار يستبدلون صليب السقوف بالرايات الثلاثية الألوان ونحوت المصلوب من الخشب الميت بالأشجار الحية. وسرعان ما اختفت النعوت المختلفة التي كانت تسمّي صاحب مذهب نفي الإلوهية كما جاءت في كتاب “المحاولات” لميشيل مونتيني وفي”رسائل” مونلوك ” وكذا في كتابات فولتير؛ وحتى نُعت بما نُعت به خلال الثورة الفرنسية …

5

{{ أسماء العار:}}

يُفَسَّر فقر المعجم الملازم لمذهب فكرة نفي الإله بدوام واستمرار السيطرة التاريخية لأتباع فكرة إثبات الإله: لقد تمكنوا من كامل السلطات السياسية منذ أكثر من 15 قرنا ولم يكن أبدا التسامح فضيلة فضائلهم، وهم يفعلون كل شيء حتى لا يكون الأمر ممكنا وبالتالي حتى لا تكون الكلمة ممكنة. فقد ظهرت كلمةathéisme – النزعة المنكرة للإله- سنة 1532؛ أما كلمة athée-منكر الإله- فقد وجدت في القرن الثاني من التاريخ المشترك عند المسيحيين الذين نددوا بمنكري الإلوهية (atheos) ووصموهم بالعار: فهؤلاء كانوا هم من لا يعتقدون في إله المسيحيين المبعوث حيا في اليوم الثالث من صلبه. ومن ثم كان الاستنتاج بأن هؤلاء الذين لا تمتلئ عقولهم بحكايات الأطفال لا يقبلون بأي إله، فتمّ فتح الباب على مصراعيه لذلك؛ فقد اعتُبِِر الوثنيون- الذين كانوا يعبدون آلهة البادية وأصل الكلمة(païens) يثبت ذلك–منكرين للآلهة، ثمّ للإله الواحد. كما جعل اليسوعي غاراس من لوثر ملحدا منكرا الإله (!)؛ وكذلك فعل رونسار مع البروتستانتيين الفرنسيين.

تعتبر هذه الكلمة شتيمة قصوى؛ فالملحد منكر الإله هو ذلك عديم الأخلاق ومنكرها، وتلك الشخصية النجسة التي بمجرّد صدور هذا النعت بحقها يصير من الذنب أن يرغب المرء بمعرفة أكثر عنها أو بدراسة كتبها. كانت الكلمة كافية للحيلولة دون الوصول إلى الكتب المؤلفة؛ إنها كلمة تشتغل مثل دواليب آلة حرب ترمي كلّ من لا يتحرّك ضمن سلم وسجل تقاليد كاثوليكية رسولية ورومانية خالصة. فمنكر للإله والملحد والزنديق هو بالنهاية كل واحد. وهو ما ينتهي بتكوين جمهور كبير!

لقد واجه أبيقور مبكّرا تهما تتعلق بالنزعة الإلحادية المنكرة للإلوهية. والحال أنّه لا هو أنكر الآلهة ولا الأبيقوريين نفوا وجودها: فقد قالوا بأنّها تتشكّل من مادة دقيقة، وأنها متعددة ومستقرة في عوالم متوسطة ولا تتأثر ولا تهتم بمصير البشر ولا بمسار العالم، وأنها تجسيد حقيقي لحالة الهناء التام واعتبروها مثلا للعقل الفلسفي ونماذج من شأنها توليد حكمة عند تقليدها. إن آلهة هذا الفيلسوف وتلامذته موجودة بحق – وبكثرة كذلك..، لكنها لا تشبه آلهة المدينة الإغريقية التي تدعو الناس من خلال كهانها إلى للخضوع للضرورات الجماعية والاجتماعية. إن الخطأ الوحيد لهؤلاء إذن هو طبيعتهم المضادة للمجتمع..

إن التأريخ الرسمي للنزعة الإلحادية- وهو التأريخ النادر والشحيح والسيّئ أساسا- يسقط في خطأ حينما يسجل بدايتها في العصور الأولى للبشرية. إنّ أشكال التبلور الاجتماعي تستدعي ما يتعالى عن كيان الوجود المادي: أي النظام والتراتبية – وهي اشتقاقا تعني سلطة المقدس… فيكون بإمكان السياسة والمدينة العمل بيسر أكبر كلما استدعتا لذلك آلهة منتقمة، ممثّلة فوق الأرض بالطائفة المسيطرة التي تمتلك بالمناسبة زمام القيادة وتنتهز ذلك انتهازا.

وبإقحامها في مشروع إعطاء الشرعية للسلطة، يتم تقديم الآلهة-أو الإله الواحد- على أنها المخاطب المفضل لزعماء القبيلة وللملوك والأمراء. وتزعم هذه الوجوه الأرضية أنها تستمدّ سلطتها من الآلهة التي يفترض أن تؤكد لها ذلك من خلال رموز وإشارات تفك طلاسمها، بطبيعة الحال، طائفة الكهنة المهتمة، هي كذلك، بمزايا وفوائد ممارسة القوة ذات الشرعية المزعومة؛ فتكون آنذاك نزعة الإلحاد النافية للإله سلاحا مفيدا للرمي بهذا الشخص أو ذاك، بشرط أن يقاوم أو يتمرد قليلا، إلى غياهب السجن والزنازين بل وحتى دفعه إلى المحرقة.

إن نزعة الإلحاد النافية للإله لم تبدأ مع أولئك الذين يدينهم التاريخ الرسمي ويعرفهم كأصحاب هذه النزعة؛ فمن النزاهة أن لا يذكر اسم سقراط ضمن تاريخ مذهب الإلحاد، ولا أسماء أبيقور وأتباعه ولا اسم بروتاغوراس الذي اكتفى بالتأكيد في كتابه “حول الآلهة” أنه، من خلاله كلام الآلهة ،لا يمكن استنتاج أي شيء: لا وجودها ولا عدمه. وهو ما يعبّر على الأقل على مذهب لا أدري وعلى حيرة وتردّد، أو قل على نزعة شك، لكنه بالتأكيد ليس إلحاد نفي الإله الذي يقتضي تأكيدا صريحا بعدم وجود الآلهة.

إنّ إله الفلاسفة غالبا ما يدخل في صراع مع إله إبراهيم وعيسى ومحمد؛ ذلك بداية لأنّ الأوّل يصدر عن الذكاء والعقل والاستنباط والاستدلال، بينما يقتضي الثاني بالأحرى العقيدة والوحي والطاعة والخضوع – بسبب التواطؤ بين السلطات الروحية والدنيوية. إن إله إبراهيم يصف بالأحرى إله قسطنطين، وبالتالي إله البابوات والأمراء المحاربين عديمي الإيمان بالمسيحية؛ وليس لذلك أية علاقة بالبناءات الغريبة المرمقة بعلل لا علل لها، وبقوى محركة أولى لا تتحرك، وبأفكار فطرية وأنظمة متسقة معدة سلفا، وغير ذلك من الإثباتات الكونية والوجودية والفيزيائية-اللاهوتية …

في الغالب، كانت كل إرادة ضئيلة تبغي تصور الإله من خارج النظام السياسي المهيمن تصير نزعة لنفي الإله. فعندما قطعت الكنيسة لسان القسّ جيل سيزار فانيني وعلّقته وأرسلته إلى المحرقة، في مدينة تولوز يوم 16 فبراير 1619، فقد اغتالت مؤلف كتاب عنوانه:” محاضرات في المشيئة الخالدة الإلهية-السحرية والمسيحية- الفيزيائية والتي هي ليست أقل من ذلك تنجيمية- كاثوليكية، ضد الفلاسفة والملحدين والأبيقوريين والأرسطيين والرواقيين “(1619)

و بغضّ النظر عن العنوان – وعيبه على الأقلّ في طوله البيّن ..-، فإنّ هذا الفكر، الذي يجمع بين الشيء ونقيضه، لا يردّ ولا يطعن في العناية الإلهية ولا في المسيحية ولا الكاثوليكية، بل إنه يرفض بوضوح النزعة الملحدة والأبيقورية وكل المدارس الفلسفية الوثنية. والحال أنّ كل هذا لا يعطي ملحدا ينفي الإله – وهو الباعث الذي قتل من أجله-، بل يرجح أن يشكّل بالأحرى ما يشبه معتنق مذهب الحلول الموحد للوجود(الذي يرى الله في كل مكان) اصطفائيّا. وعلى كل، فهو كافر زنديق لأنه يحيد عن السنن الرسمية .

وسبينوزا، الذي كان حلوليّ المذهب هو كذلك – وصاحب الذكاء الذي لا نظير له-، قد حكم عليه بتهمة الإلحاد ونفي الإله ؛ بالأحرى قل: بتهمة عدم إتباع الأرثوذكسية اليهودية. ففي سنة 1656 ،قام رجال الدين، الذين كان مقرهم عند السلطات اليهودية في أمستردام، بقراءة نص بالعبرية عند الكنيس؛كان نصا مرعبا في عنفه : كانوا يؤاخذون عليه أصناف زندقة فظيعة وأفعالا شنيعة وآراء خطيرة، وبناء عليه صدر حكم التحريم –الذي لم يلغ أبدا.

تتلفظ الطائفة بكلمات هي من الفظاظة والشراسة القصوى: مبعد ومطرود وممقوت وملعون بالليل والنهار، في نومه ويقظته، أثناء دخوله إلى بيته وإبان خروجه.. أن أتباع الإله يستدعون غضب خيالاتهم ولعناتها الهائجة بلا حد في الزمان والمكان. وإتماما للقربان، أراد رجال الدين أن يُمحى اسم سبينوزا من على وجه الأرض وإلى الأبد. وقد أخفقوا في الأمر…

وأضاف الحاخامات- أصحاب مبدأ محبّة القريب نظريا – إلى ذلك اللعن والطرد من الجماعة منع أي كان أن تكون له أية صلة كتابية أو شفهية مع هذا الفيلسوف. كما أنّه ليس لأي أحد له الحقّ كذلك في أن يقدّم له أدنى خدمة، ولا أن يقترب منه أو يتواجد معه تحت سقف واحد… ومحرّمة طبعا قراءة كتاباته: كان سبينوزا آنذاك في الثالثة والعشرين من عمره، ولم يكن قد نشر شيئا بعد. فكتابه “الأخلاق” سينشر عام 1677 ، بعد 21 سنة وبعد موت صاحبه؛ وهو كتاب يقرأ اليوم في كامل أرجاء الأرض.

فأين هي نزعة الإلحاد ونفي الإله عنده؟ لا نجدها في أيّ مكان. ستبحث عبثا وبلا جدوى في كلّ أعماله عن جملة واحدة يؤكّد فيها عدم وجود الإله. صحيح أنه ينفي خلود الروح ويؤكّد استحالة الجزاء والعقاب في عالم ما بعد الموت، ويطرح مسألة أن الكتاب المقدس من تأليف كتّاب مختلفين، وأنه تأليف تاريخيّ وليس مصدره الوحي، كما أنه لا يوافق بأي شكل مسألة شعب الله المختار ويؤكد ذلك صراحة في “رسالة في اللاهوت والسياسة”؛ وصحيح أنه يبشر بأخلاق مذهب السعادة في المتعة واللذة متجاوزا مبدأي الخير والشر، ولا يراضي الكره اليهودي-المسيحي للذات والعالم والجسد ؛ وهو وإن كان يهوديا، فقد وجد في عيسى بعض الميزات الفلسفية. ولكن لا شيء من كل هذا يعطي إنسانا ناكرا للإله وملحدا…

إن لائحة البؤساء الذي قتلوا عبر تاريخ الكوكب بتهمة نزعة الإلحاد ونفي الإله وكانوا قساوسة ومؤمنين وممارسين لطقوسهم الدينية ومعتقدين مخلصين بالإله الواحد كاثوليكيين ورسوليين ورومانيين؛ ولائحة أتباع إله إبراهيم، أو أتباع الله، الذين مروا بأعداد لا تصدق تحت الحديد لكونهم لم يجهروا بإيمانهم وفق الضوابط والقواعد؛ ولائحة أولئك المجهولين الذين لم يكونوا متمرّدين على السلطات التي تدعي التوحيد، ولا معارضين لها، ولا هاربين من التجنيد ولا حتى عنيدين- فكل هذه الحسابات المرعبة تشهد: إنّ نعت “الملحد” قبل أن يصف ناكر الإلوهية يصلح لمتابعة وإدانة فكر الإنسان المتحرر من السلطة ومن الوصاية الاجتماعية في مجال الفكر والتفكير، حتى لو كان ذلك بأتفه الطرق. من هو الملحد إذن؟ إنّه شخص حرّ أمام الإله- بما في ذلك حريته في نفي وجوده.

{{هذا النص فصل من كتاب “نفي اللاهوت” لميشيل أونفراي
من الجزء الأوّل بعنوان: مبحث نفي اللاهوت
ترجمة: المبارك الغروسي(مبرّز في الفلسفة- المغرب)
والترجمة في طريقها إلى النشر}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق