الردع العنفيّ واغتيال النساء في العراق

تتصدر المشهد العراقي الدموي مسألة الردع العنفي للمرأة ( وجودا إنسانيا وحضورا ماديا منظورا) والذي بلغ أقصى تمظهراته في اغتيال نحو خمسين امرأة في مدينة البصرة وحدها خلال شهرين, تنفيذا لقصاص تأمر به الميليشيات وبعض الجهات الدينية المهيمنة في جنوب العراق.. وتلفت الانتباه تحولات هذا الردع من سلوك عشوائي تقوم به ميليشيات وجماعات متطرفة, إلى قضية علاقة بين مواطن مهدور القيمة وبين السلطة الهشة الحاكمة التي تدرك وهي تحت هيمنة المحتل, أنها يجب أن توسع مدى تسلطها على المواطن وامتلاكها لحدود جسده المادية أو نفي هذا الجسد من المشهد , إما بالإقصاء التام لكل مخالف  في الفكر والسلوك الحياتي ,أو التغييب  وراء حجب مادية للنساء أو حجب رمزية للرجال  أو الصمت  إزاء ما يحدث للنساء في المدن العراقية و عدم ملاحقة القاتلين   ..

 ولكل سلطة سواء كانت سلطة دولة تحت الاحتلال أو سلطة ميليشيات مسلحة في العراق دوافعها النفعية في الفصل بين جنسي النوع الإنساني وتغييب النساء عن المشهد اليومي للحياة الإنسانية في سياقاتها الاعتيادية وترويع النساء بالقتل والخطف والاغتصاب..

 

 

 منذ عشرينات القرن الماضي سطعت أسماء نساء عراقيات عديدات كن من أوائل المبعوثات للدراسة في الجامعات العربية والأوروبية وعدن  حاملات شهادات  عليا أهلتهن  لقيادة مواقع تربوية وعلمية واجتماعية , وكانت قائمات البعثات  في نصفها أو ثلثها من النساء  مابين عشرينات وثلاثينات القرن الماضي , وفي منتصف الثلاثينات   كان يصدر في العراق  حوالي ثلاث وعشرين مجلة تعنى بقضايا المرأة وتطوير قدراتها وتحرير فكرها  وتوجيه طاقاتها بإشراكها في مشروع الدولة التي كانت تسير في طريق التحديث كمعظم الدول الحديثة التي ظهرت بعد انهيار الدولة العثمانية ..

وشارك الحركات النسوية في نشاطها لترقية المرأة شعراء كبار وكتاب ومفكرون…

 وفي عام 1948 ضم وفد العراق إلى الاجتماع التأسيسي للأمم المتحدة  أربع سيدات  منهن من كانت  بدرجة سفيرة  (كان  العراق من الدول المؤسسة  للجمعية العامة ) وتواصل تطور أوضاع المرأة العراقية في الخمسينيات  والستينيات وكن سفيرات ووزيرات وباحثات  وفنانات وكاتبات   , وحتى أواخر السبعينات  , لكن الخط البياني  لأوضاع النساء بدأ بالهبوط منذ  بداية الحرب العراقية الإيرانية وصدرت تشريعات وتعليمات تقضي بمنع العراقية من السفر الى خارج العراق للدراسة  ,كما منع سفرها إلا صحبة محرم ولو كان فتى في السادسة عشرة  –  ولا يتاح لها السفر منفردة إلا بعد بلوغها الخامسة والأربعين من العمر وبعد الاحتلال  عاد العمل  بالقرار ذاته  ومنع سفر النساء وحدهن بأمر من الحكومة ذات التوجه الديني ..

وعند انتهاء الحرب مع إيران وعودة الجيش و مئات الآلاف من الرجال المجندين احتياطا, صدرت مجموعة من القرارات لحمل النساء على ترك مواقع العمل والتفرغ لتربية الأطفال وصدرت قرارات بتشجيع الإنجاب لتعويض الخسائر البشرية التي أهدرت في الحرب الطويلة الأمد وبدأ الترويج لأهمية عودة المرأة إلى المنزل وتربية الأبناء والاهتمام بخدمة الأسرة ,و هنا بدأت  الانتكاسة الكبرى في أوضاع المرأة العراقية  وتردت مكانتها  وتواصل التردي طوال ثلاثة عقود حتى لحظتنا الراهنة  على نحو متواتر  وضاعت معظم المنجزات التي حققتها النساء خلال القرن العشرين مع ما ضاع من مظاهر الحياة العراقية وسمات المجتمع المدني وحدث تدهور اجتماعي و ثقافي وتعليمي وصحي  حتى يمكن القول إن المجتمع العراقي الراهن هو مجتمع مريض  بدأت أعراض مرضه الخطير وفوضاه الحالية وترديه مع أول تجل للنزعة الديكتاتورية في سبعينات القرن الماضي  وتفاقم  مع أول رصاصة أطلقت في أول  الحروب المعاصرة   وهي الحرب العراقية الإيرانية ..

.   وبعد غزو الكويت والحرب الطاحنة التي شنتها قوى التحالف الدولية على العراق, بدأت مرحلة جديدة من مراحل التدهور الاجتماعي إثر تردي الأوضاع الاقتصادية والصحية نتيجة تكاليف الحروب والتسليح المفرط وفرض الحصار على العراق .وانعكست تأثيرات الأوضاع المتردية سلبا على جموع النساء لدى شروع النظام الشمولي بحملة أسميت “الحملة الإيمانية” لإشغال المجتمع عن نتائج الهزيمة الكبرى التي مني بها, وبدأت حملة الترويج للحجاب وظهرت تغييرات في نمط العلاقات الاجتماعية والتربوية وعلاقة المواطن بالوطن والسلطة نتيجة الخلل الاقتصادي والسياسي وتغيير سلوكيات الأفراد والجماعات بدء من طرائق التفكير والعادات اليومية وطرز الملابس والهيمنة على الثقافة وتردي الفنون وشيوع فوضى عارمة ضربت مفاصل المجتمع وعجلت بتغييب الطبقة المتوسطة عن المشهد الاجتماعي وانحسار أدوارها وهي حاملة الفكر العلماني و نزعات التحديث .

 

 في مثل هذه الظروف المعقدة التي تمر بها المجتمعات وهي تواجه تغييرا بنيويا وثقافيا وفكريا تخطى موضوع القسر العشوائي للنساء وتحجيبهن في العراق الآن, إلى إصدار أوامر من وزارة التربية  لفرض الحجاب على الطالبات دون استثناء في جميع المراحل الدراسية, وقبل ذلك  أجرت بعض المؤسسات الدينية  احتفالات طقوسية لتحجيب الطفلات الصغيرات من سن السابعة  في حشد جماعي  لتكريس  العزل  بين الجنسين  وتلقين الصغيرات تعاليم تقول :   المرأة عار وعورة ويجب أن تحجب وأن المرأة هي محض جسد  مكرس لشهوة الجنس الآخر , وبذا تثقف الصغيرات  بثقافة العيب  والعار واعتبار الجسد الأنثوي منذ سن الطفولة  محط شهوة, يفصح ذلك عن مدى انحراف الرؤية التحريمية   وقسوتها وتدميرها لنفسية الصغيرات وهن يحرمن من طفولة حية تتمتع بحرية الحركة واللعب واكتشاف العالم  بالتماس المباشر مع  الحياة , وتحويلهن إلى أسيرات  ورهائن إلى الأبد  لفكرة العار والعيب والإحساس بالخجل من كونهن  إناثا  , وإحاطتهن  بأسوار متعددة الطبقات  تبدأ بالحجاب ولا تنتهي بتحريم  إظهار الصوت  أو تحريم الغناء وكل فعالية فنية  تعبر عن حالات الإنسان وتشوقاته و إبداعاته   وبالتالي ينحسر حضور النساء  في المشهد العام  لضمان   إبقاء المرأة  ضمن  إطار الحياة البيتية وحجرها في المرتبة الخدمية والمتعية  وتطبيق  المقولة الاستبدادية  حول حصانة المرأة التي  لا تخرج من بيت أبيها إلا إلى بيت زوجها ولا تخرج  من بيت زوجها إلا  محمولة في نعش إلى قبرها .

 

لقد ساعد الاحتلال لأمريكي للعراق في تعزيز سلطة القوى المتطرفة من جهة وأعطاها المسوغ لتطبق رؤيتها الظلامية على مكونات المجتمع متعدد الأديان والإثنيات والثقافات , وهي  شريكة في إحلال الخراب و عاجزة عن المواجهة مما يشعرها بأنها  مهدورة الرجولة كونها تؤمن بالتفوق الذكوري- إزاء قوى احتلت بلدها , فعمدت  من أجل استعادة وهمية للرجولة  إلى  تسليط  حقدها  وتوجيه  عنفها   الى جموع النساء   وإعادة  تشكيل  نوع من  سلطة دموية  قامعة تنفس  بها عن العجز والانسحاق  أمام  قوة المحتل وسلطته , ومن هذا المنطلق  يصرخ أحد الدعاة الدينيين  العراقيين  على   شاشة فضائية  عربية   بما معناه :

 التزمْن بالحجاب يا عراقيات فبلادكنّ محتلة!

 

وكأن حجاب النساء هو الذي سينهي الاحتلال وينقذ البلاد  من الخراب  و طوفان الدم ويجعل حياة العراقيين  آمنة  ويعزز الأمان والسلام  ويحول دون  إهدار دم  مواطنيها  ويجعل الخيرات تنهمر عليهم من جهات  الأرض  والسماء   ويحمي النساء من المهانة والاغتصاب وإهدار الحقوق  ويحول دون ترمل نحو مائتي امرأة يوميا  ودون تحول ملايين  الأطفال إلى أيتام ومشردين  في أغنى بقاع العالم  بالنفط  والخيرات والموروث الثقافي  والطاقات البشرية  ويوقف عمليات الفصل الطائفي والديني المكونات المجتمع..

 وفي جميع التحولات الكارثية التي يعيشها المجتمع العراقي تقع سلسلة من الإكراهات وأشكال العنف على النساء اللائي يشكلن نحو 60  % من مجموع سكان العراق , ينتج عن هذه كله  تحول إعداد  كبيرة من النساء إلى كائنات  معطلة الطاقات موؤودة القوى  وبالتالي حرمان المجتمع من  جهد أكثر من نصف تعداد سكانه و تحويله إلى مجتمع معاق  مشلول وببعد ذكوري واحد غابت عن مشاهده النساء  ..
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق