الرغبة ونزوع الكائن إلى تثبيت خصوصيته الذاتية عند سبينوزا

إن كان القول بالعدم هو دحض لجسدي المعلن عن كل بداية و نهاية للأشياء التي تدور من حوله لترسم وفرة في الوجود، وترسم ملامح رغبة تستمد جذوتها في تحسس طريقها، فان العدم هو المطلق، إنه مطلوب الرغبة و منالها، لكن الحرج ماثل في الشوق ذاته و في الرغبة ذاتها و في خطابهما ذاته. من اليسير أن نبصر مفهوم الرغبة من خلال الخطاب، لكن النظر في داخله هو العسير. إذ إنه ضرب من الفصل؛ فصل للحقيقة عن الواقع، و فصل للذاتي عن الموضوعي.

كما من السهل أن يبوح تاريخ الإنسان كله، و قوله برمته، بخلقه لثنائية اللحم المدنس و الروح الفاضلة النقية، و أن يصوغ الجمهور في هاتين الخانتين ما يلزم من نبذ، و إقصاء، و تدنيس، و غيره قبل أن يعرجوا على الفضيلة و ما يدور في فلكها و فلك حقلها السيمنطيقي من عبارات و مصطلحات، أي تلك الترسانة الكاملة المكتملة من مصطلحات نلفيها ملازمة لقصائد المدح. لكن ألا يعدو من المنطقي أيضا أن نسير على عكس ركب التاريخ في اعتبارنا كأشخاص لمجموعة من المفاهيم، أي هل يمكن على سبيل المثال أن نقابل بين الألم و الرغبة ؟

لا شك أن ذلك سينشئ حتماً سؤالاً أعمق من البنيان المنطقي الذي نشأت عليه التصورات السابقة. إنه السياق الذي تتيحه لنا ملامسة متن الخطاب السبينوزي، وتحديداً في معاينته مفهوم الرغبة الممثل لتأسيس قطيعة و انقلاب جذري لكامل الموروث الفلسفي الإغريقي، والوسيط، وحتى الديكارتي في النظر إلى هذه المسألة. ولعله من المشروع في هذا الصدد أن يتم التعريج نحو هذا المنهج الذي استطاع إلقاء الضوء على مفاهيم لم يعرج الفكر الإنساني عليها. يمكن القول بدايةً إن مفهوم الرغبة في التفكير السبينوزي ليس سوى نتاج لتأليف سبقه بحث معمق في طبيعة الجوهر الإنساني الذي تيسر لنا أن نبلغ إدراكه على أساس كائن الرغبة، والرغبة نفسها هنا هي جوهر لإنسان، ففعله كله و قوله برمته يحيلنا إلى هذه الحقيقة إن تيسر لنا النظر من تلك الخاصية التي أطل منها سبينوزا. إن البناء المنطقي الذي نحن إزائه هو مصدر هذه الخصوصية السبينوزية ورهانها على تكوين معيار فلسفي لا يقل أهمية عن بقية الفلسفات التي شكلت بنياناً فكرياً متيناً يسمى بالحداثة، والذي لا يخلو من عقلانية في طرح الأشياء.

و فعلاً إذ قد تختزل العلوم الإنسانية الإنسان من بعض أوجهه ككائن للرغبة، ولعل هذا الوصف لا ينبع في حكمه من نزوة اعتمرت صاحبها، بل هي نتاج تسلسل منطقي. فحيثما كانت الفلسفة الأفلاطونية تقول بالمعقولية لتدعو إلى دحض ما هو ممتد في الإنسان و إهمال جسده فإن المنهج السبينوزي يقول بتأسيس عقلانيته هو أيضاً. و لعلنا بهذا الصدد سنتدرج سعياً في تعميق معنى هذا الفارق الذي لا يجسر. لا يفعل سبينوزا سوى أنه يطرح أولاً وقبل كل شيء قطيعة في تصور الروح و الجسد، هذان الجوهران اللذان لطالما أثارا هالة من الإبهام و الإحراج يدوران أولاً و بالذات في تفاضل واحدة على الأخرى و من ثمة علاقتهما ببعضهما، وموقع الأنا الإنسانية بينهما. كما أننا، من منظور أخر و سواء بحثنا في ذالك الحقل السيمنطيقي لهذين الأخيرين أو ساءلنا عن حقيقة مدى إلحاح هذه المسالة، سنكون قد اقتربنا من طرح مسالة الرغبة و الإرادة التي تمس الأخلاق بشكل واضح. و حين نقول "الأخلاق" فإننا نقول استثماراً سياسياً من قريب أو من بعيد، ذلك إن السلطة متواجدة في كل ركن من الخطابات مهما كان طابعها.

بيد أن سبينوزا قد تجاوز زمنه في هذا الصدد بثلاثة قرون ليفسح لنا مشروعية إقامة علم يدرس هذه الأهواء " affections ". إن التعمق في رصد لآلية ما ظهر حينئذ، كان ضربا من التقول يستوجب إحاطة و إماطة اللثام على إرهاصاته الأولى في صلب ذهنية صانعه، لقد تميز سبينوزا بإرثه للميكانيكية و قد يسائلنا القارئ عن العلاقة بينهما، أي بين إرادة تأسيس ميكانيكي من جهة، وعلم مختص بأهواء النفس من جهة أخرى. نقول إن هذا السؤال الذي إن تيسر لنا معاينته معاينة تاريخية فسنلحظ مشهداً متكرراً يعلن عن ثورة باطنية و خطيرة على الصبغة التفاضلية عند الإغريق المابعد سقراطيين حسب العبارة النيتشاوية، كذالك عند السكولاستيكيين و الرواقيين. ذالك ان ما كان عرضياً في المباحث الإنسانية قبل النهضة الاوروبية و ما كان في أسفل السلم التفاضلي قبل الحداثة، قد تيسر له أن يقتبس الخاصية التي كانت بمثابة معيار علمي في عصر ما. نلاحظ ذالك لحظة بروز الاستيطيقا على سبيل المثال و القائمة على ذالك الخطاب العلمي مع "بومغارتن" في القرن الثامن عشر، كما نلحظه في المذهب الآلي الذي اختص به سبينوزا في القرن السابع عشر.

و صفوة القول هنا، إن سبينوزا قد بنى منظوره للرغبة حسب الأساس الميكانيكي الذي أنشأه بنفسه. إن أول ما تفطن إليه ديكارت من إشكال، متمثل في رؤيته الواقعية للنفس على أساس أنها تملك إرادة حرة و قوة مطلقة على الأهواء، فالتأمل في أصل ماهية الإنسان حسب ديكارت، يجعل الإنسان كإله صانع لقوانينه بنفسه و ليس خاضعا لها. و لعل أفكاراً من قبيل الإرادة الحرة والواضحة، ووجود الحكم الحر، سبق أن شغلت التفكير السبينوزي، لكن حيثما يبين ديكارت أن الطبيعة خاضعة لآلة القوانين الصارمة ذات الشكل الواحد، يعلل سبينوزا بأن الطبيعة كالأشخاص، وأن الطبيعة المادية كالطبيعة الإنسانية. وحين ما يقول ديكارت أن الجسد ليس سوى آلة متحركة يضيف سبينوزا أن النفس هي آلة روحية يتحمل فيها الجسد أصل الميكانيكا القائمة على الأهواء. إن المبدأ الأساسي للأول هو مبدأ عدم الحركة و الذي يعلن أن الجسد في مبدأ حركته أو لا حركته يظل في الحالة نفسها طالما لم يقم شيء ما بإضفاء الحركة عليه. ما يمكن أن نخلص إليه كمبدأ أساسي لميكانيكا الأهواء كامن في أن كل شيء بما هو في ذاته، سيظل محاولاً أن يستمر داخل ذاته chaque chose، autant qu’il est en elle، s’efforce de préserver dans son être(Ethique 3،proposition 6) -إن هذا المبدأ الذي يسميه سبينوزا "الكوناتوس" conatus يطبق على كل شيء في الطبيعة، كما أن هنالك معيارية تقاس بها هذه الملكة و ذالك حسب درجة قوتها. ذالك أن الإنسان بما هو ماهية هنا، هو أيضا في نفس الوقت قوة، و بالتالي فهما نفس الشيء. إن الرغبة بالتالي عند سبينوزا تحمل بعداً آخر و منظوراً مخالفاً يصنع فضائه و يعمره في آن. ذلك أن الرغبة هنا هي تلك الطاقة و القوة الواردة من الإنسان، و إن تمت المصادقة على هذا سيتيسر لنا القول إن الإنسان في جوهره هو كائن الرغبة، و على هذا النحو لا أجد من الحرج أن أقول إنني كلما أوجد فانا أرغب. و كلما أظل في ذاتي متشبثاً بها محاولاً فعل ذلك فأنا أرغب، و كل هذا موجود عند الإنسان في داخله و مقيد به. لكن يبدو أن هذا القول يضفي هالة من الإبهام و الإحراج على مستوى الدلالة. و بالتالي فنحن على ما يبدو بهذا الصدد إنما نلاحظ طفرة في صياغة المصطلح و ذلك مقارنة بما يندرج في لغتنا. فهل أن هذا المصطلح السبينوزي أقام بعداً واحداً لمفهوم الرغبة بحيث أصبح مقترناً بالإرادة الإنسانية كما درج عليها الاصطلاح المعاصر؟

إنما يهمنا في هذا التفكير، هو نوع الخطة التي يمارسها سبينوزا في معالجته لهذا الغرض فهو يبين أن هذه القوة حينما تقترن وحدها بما كان جوهرا نفسياً إنما تسمى الإرادة، أما حينما تقترن بالجوهر الممتد و النفس فإنها تصبح أهواء و ميلاً. ولعل سبينوزا هنا يشير اصطلاحياً بأن الأهواء و الميل هي الرغبة في نهاية الأمر، إلا أنها لا تستوفي كلمة الرغبة لأن هذه الأخيرة هي أيضا الإرادة. إن الإنسان هنا كما سبقت الإشارة إليه يشترك كجوهر مع جميع الكائنات الحاملة لجوهر في داخلها، وهو لا يفعل سوى أنه يسعى إلى الاحتفاظ لا غير بهذه الملكة. تبعا لذالك فهو لا يستطيع تطويع نفسه بحثاً عن ما من شأنه أن لا يتوافق مع طبيعته الساعية إلى الاحتفاظ بالطبيعة في داخل الإنسان. إن هذا البحث الذي لا يكاد يبتعد عن الذات الإنسانية و الذي هو في ذاته إرادة ترجع بما هو منفعة على الإنسان. بيد أنه من الضروري أن نستمد مشروعية السؤال عن النفع، وتحديداً عن إطلاقية قيمته عند الجميع أو نسبية قيمته من جهة أخرى. إن أي شيء هنا سيحاول أن يعود إلى ماهيته بمفعول "الكوناتوس"، تبعا لذلك فهذا النزوع في ذاته هو الغاية و النفع. ومن منظور آخر نلفيه مقيماً لصياغة جديدة في مفهوم الرغبة نجد أن هذا الأخير ليس طاقة زائدة يستطيع المرء تطويعها و تلافيها بحسب قوة الإرادة و لذلك فالإنسان هنا لا يقاس بالرغبة أو نقيضها، فالنزوع إلى ما يسمى الرغبة هو نزوع إلى الأصل و الجوهر، أما من لا ينزع إلى ما حدد على أساس أنه رغبة فإنه لا يستثنى من هذه القاعدة. فهو لا ينزع لأن جوهره و ماهيته تفرضان عليه ذالك. إن معاينة الأخلاق التي قام عليها هذا التصور إنما تجعلنا ندرك أسس هذه الرجة السبينوزية التي عارضت كل مقولة تنبني على القول بالحرية و بقدرة الإنسان اللامحدودة على إخماد غرائزه والتحكم في رغباته. ثم إن الخلل في هذا النوع من الإبصار وارد من خلل في تحديد المصدر و هو ما يعني أن هذا العيب القيمي الذي يسلط على الإنسان فيتهمه بالضعف والضياع، إنما هو في الأساس ما تفعله الطبيعة بالإنسان. يقول سبينوزا في هذا الصدد مشيراً بصورة رمزية طريفة "كتب أغلبهم في الهجاء عوض أن يكتبوا في الأخلاق" (الايتيقا. الباب الثالث، التمهيد). حتى إن سبب بقاء الإنسان على قيد الحياة هو وازع البقاء النابع من "الكوناتوس" الذي يحث دوماً و أبداً كل كائن على أن يحافظ عن كيانه قدر الإمكان. فالإنسان هنا كما نرى يقف مكمن جميع المؤثرات الكوسمولوجية حسب إشارة مارلو بونتي، و تبعا لذلك فنحن لا نحدد في العالم حسب فهمنا له لكن حسب هذه الرغبة.

إن كل ما هو تفاضلي في الرغبة و ما يدور حول ذلك الحقل السيمنطيقي من دلالات عن الأهواء و العشق و الحاجة و الغريزة و الوله و غيرها من المصطلحات القريبة لها يأتي من معيار ابيقورى Epicurien، ومن معيار أخر هو أخلاقي قيمي بيد أن كل هذه الترسانة من المصطلحات الواردة من المصدر ذاته، هي ما يمنع الداعي لإقامة تفاضل في ما بينها. إن سبينوزا بهذا، إنما لا يقلب ولا يغير من قيمة المعايير الأخلاقية فقط، وإنما هو يفعل أكثر من ذلك خطورة من حيث أنه ألقى الضوء في أركان لم يستطع الفكر البشري التفكير فيها أو على الأقل توثيقها، و هو بذالك إنما يميط اللثام عن رؤية من شأنها أن تصحر هذا الحكم القيمي وتنزع بدورها منه قيمته. لكن التأسيس السبينوزي هو ما يهمنا أكثر في هذا الصدد، والبرهنة عليه تستحق دحضا للتصور السابق. أما ما هو محدث عند سبينوزا إنما هو العقلية الفذة التي أرادت انطلاقاً من هذا المكسب الفكري أن تسعى إلى إقامة علم خاص بالأهواء كمنطلق لأحد الخطابات التي من شانها أن تقوم بفهم للطبيعة البشرية. وهي قطيعة تستمد قيمتها من أن كل الكتابات التي سبقت لحظة التأسيس السبينوزية في ما يخص الأهواء و الرغبة التي كانت قد عالجت التصور القديم على أساس أن الإنسان مقتدر على السيطرة عليها.

و كما سبق الذكر، كان البحث عن علة ضعف الإنسان داخل المحيط البيولوجي الذي يحيطه داخل الإنسان ذاته و ليس في الطبيعة ذاتها. إن ما هو جدير بالتقريظ في هذه الفكرة و ما لا يقل أهمية عن لحظات تأسيسها الأولى هو تلك العلاقة التي تربط التصور القائل بأن التحكم في الأهواء هو ملكة إنسانية مستقلة بذاتها مرتبط شديد الارتباط بتلك الغائية. إن هذه الأخيرة ليس لها أية غاية، إذ أن ما يسمى بالعلل الغائية تمكث كلها في بوتقة الأوهام البشرية، كما إنها تقلب نظام الطبيعة رأسا على عقب. لأنها تعتبر العلة معلولاً، و المعلول علة، و القبلي بعدياً. وعلى هذا فما يمكن استشفافه عموما من الكتاب الثالث للأخلاق أن فكرة الرغبة مهيمنة على فكرة الأخلاق و ذالك من خلال نوع من التقصي الانثروبولوجي الموضوعي الذي يقوده سبينوزا بطريقة موضوعية و متسلسلة. و بالتالي فإن هذه الانطولوجية هي رسم أمين رافض لإقحام ما هو متعالي على الواقع.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق