الرقّ والعبودية في التاريخ البشريّ : استعراض تتبّعي

 



نادرا ما نسمع اليوم بفئة الرقّيق أو العبيد. مع أننا سنلاحظ، إذا ما عدنا إلى تاريخ العبودية والرقّ، أن هذه الظاهرة مرّت بمراحل عدة وتمظهرت في أشكال عدة، وفق الرقّع الجغرافية التي ظهرت فيها أو الأسباب التي أدّت إلى أن تتّخذ البشريّة هذا الشكل اللا إنسانيّ الذي انتهى بوضع الإنسان تحت تصنيف (عبد).

هناك مفارقة غريبة مفادها أنّ الرقّ والعبودية هما من صنع الإنسان المتحضّر. وهو ما يؤكده الباحث الدكتور عبد السلام الترمانيني في كتابة الموسوم (الرقّ.. ماضيه وحاضره) / عالم المعرفة، الكويت، 1979 /، إذ يقول في مقدمة ( نشوء الرقّ ومصادره) إن الرقّ من أبشع الصور الإنسانية والغريب أنها لم تكن من صنع الإنسان المتوحّش، بل من صنع الإنسان المتحضّر. لأن الإنسان حسب مذكور التاريخ القديم كان يعتاش في حياته على الصيد وعلى قوته وقدرته للحصول على الغذاء، والقتل كان يحدث في حالة نقص في الغذاء وتواجد المنافسة من أمثاله من البشر. وكان الإنسان القوي يلجأ في الغالب لقتل الإنسان الضعيف (من النساء والأطفال وكبار السن والغرباء أيضا) باعتبارهم منافسين لوجوده من أجل الحصول على الغذاء ولم يكن ليفكر في أن يأسره ويستخدمه في القيام بعملية الصيد بدلا عنه وتقديم الغذاء له مقابل فتات.


دعونا نقترب الآن من تعريف للرقّ والعبودية في ضوء المفهوم العام لهما ومن ثمّ التعرف على الشكل الجديد الذي يحتضن هذه الظاهرة المؤسفة في تاريخ الإنسانية، التي لا يقبلها عقل بشريّ سويّ.


العبودية، كما هو معروف لنا نوع من أنواع الامتلاك البشريّ لأشخاص معينين يمتلكون المال والسلطة والنفوذ التي بها يتمكنون من دفع قيمة العبد، وذلك لغرض استخدامه في تنفيذ الأشغال الشاقة والصعبة وخوض الحروب وغيرها من الأعمال التي توكل على أساس السخرة القهرية مقابل إيوائه وإطعامه. وبديهي على وفق هذا الفهم أن يتبادر لنا أول ما يتبادر بخصوص الرقّ والعبودية هو لون هذا البشر، ذلك أنّ السائد في المفهوم العام أنّ العبودية تنزل في نوع من البشر على أساس لونه، لا سيما اللون الأسود. غير أن التاريخ يكشف لنا خطأ تصوّرنا، فالأمر لم يكن مقتصرا على السود من الأفارقة بل تعدى ذلك إلى تجارة الرقّيق البيض وهو ما توضحه مدونات تاريخ بلاد الإغريق القديم الذي ازدهرت فيها تلك التجارة.


هذا وتختلف وجهات نظر الفلسفة في الرقّ حسب اختلاف مدارسها. إذ تجد المدرسة الأفلاطونية ظاهرة الرقّ والعبودية ظاهرة بشريّة طبيعية، وكان قياس أفلاطون ( الجمهورية) في الخروج بذلك المعطى يقوم على منظور ضيّق على أساس الفرد اليونانيّ وحده، الذي مفاده أن كلّ إنسان لم يكن يونانيا ولا يتكلم اليونانية فهو بالتالي بربريّ متوحش، ويكون بذلك النوع البشريّ المناسب لأن يكون عبدا لليونانيين. ولم يكتف أفلاطون بتحديد وجه الرقّ وتثبيته بل ربط بينه وبين السياسة، إذ قّسم المجتمع إلى ثلاث طبقات: هي طبقة الحكام، وطبقة العاملين وطبقة الحراس. وأشار إلى أن المجتمع لا يستقيم إلا بالموازنة بين هذه الطبقات وليس بإلغائها، انطلاقا من مفهوم أن ساسة البلد بهم حاجة إلى من يهيّء لهم النمط الحياتي المناسب الذي يكفل لهم القيام بعملهم بشكل صحيح، وهنا تحديدا- حسب أفلاطون- تظهر أهمية وجود طبقة العبيد، على أن لا تكون هناك تجاوزات من إحدى الطبقات الثلاث على عمل الطبقتين الأخريين، إذا أريد للمجتمع أن يستقيم والنظام الكامل الشامل أن يعمل على أساس الموازنة والتصنيف الذي يخدم في تطور الحياة.


في المقابل عارضت مدارس فلسفية النهج الأفلاطوني الضيق، المطبّق على الفرد اليوناني. فكانت المدرسة الكلبية ممن عارض هذا المذهب، إذ أطلقت على الرقّ والعبودية أسوأ حكم، ودعت إلى المساواة بين البشر على أساس مبدأ الإخاء كونهم جميعا إخوة في الإنسانية وينحدرون من أبوين أصليين وهو المذهب الذي تبعه فيما بعد أنصار المدرسة الرواقية.


وفي أوربا ظهرت في خلال القرن الخامس عشر حركات إنسانية وفلسفية مناهضة للفكر العبوديّ وفي ظلها تأسّس المذهب الإنساني ( humanisme ) وترعرع، فانتقلت به قيادة الفكر من الدين إلى الفلسفة والأدب.



وظهر في مطلع القرن الثامن عشر في أوربا تيار فكريّ يدعو إلى التحرر من الظلم والاستبداد  ونبذ العبودية ورفضها، وكان على راس هذا التيار، الكاتب والمفكر الفرنسيّ (فولتير Voltaire) الذي نبّه في عقده الاجتماعي إلى فداحة ما يحدث للهنود الحمر في أمريكا على أيدي الغزاة الأسبان. وقبل فولتير بأربعة قرون كان (ابن خلدون) فد عالج في مقدمته هذا الأمر معالجة شاملة لم تقف عند الفرد وحده فحسب بل تجاوزت ذلك لتشمل الأمم المستعبدة كلها. لكنّ هذه الظاهرة لم تزل رغم ظهور تلك التيارات الفكرية الإنسانية الداعية لرفض العبودية المنتصرة لوعي البشريّة، فقد مرّت هذه الظاهرة رغم كل ما تقدم بمراحل عدة متخبطة، بين مؤيّد لها ومعارض. 


في العام 1792 كانت الدنمارك أول دولة أوربية تلغي تجارة الرقّ، تبعتها في ذلك النهج بعد سنوات كل من بريطانيا وأمريكا. وفي مؤتمر فيينا المنعقد في العام 1814 وقّعت الدول الأوربية قاطبة معاهدة منع تجارة العبيد. وأبرمت بريطانيا بعد ذلك المؤتمر ومعاهدته الشهيرة وتحديدا في العام 1848معاهدة مع الولايات المتحدة الأمريكية لقمع هذه التجارة. ثم بدأت القوات البحرية الفرنسية والبريطانية بعد ذلك بمطاردة سفن مهرّبي العبيد. وتمكّنت فرنسا من تحرير عبيدها، وحذت حذوها هولاندا وتبعتهما جمهوريات جنوب أمريكا ما عدا البرازيل التي بقيت العبودية قائمة فيها حتى العام 1888م. وكان معظم العبيد يتمركزون في مطلع القرن التاسع عشر في ولايات الجنوب بالولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن العبودية اعتبرت، بعد إعلان الاستقلال الأمريكيّ،  شراً وبالتالي فإنها لا تتّفق وروح مبادئ الاستقلال.



أما عن طرق إجازة الرقّ، فهي عديدة ومختلفة منها الوقوع في الأسر أثناء الحروب، ومنها دواعي الفقر التي تجبر فرد ما على بيع نفسه أو بيع احد أفراد عائلته لقاء ثمن يحفظ حياة أفراد العائلة المتبقين، او لتسديد دين استحال عليه تحصيل مبلغ سداده، وثمة دواع أخرى كقيام أحدهم بخطف أفراد أحرارا كانوا أو رقيقا، وهو فعل يعدّ جريمة يستحقّ مرتكبها حكم العبودية عليه، وبالتالي يتحوّل إلى عبد مملوك بعد أن كان حرّا.


جدير بالذكر انه كانت للرق والعبودية أسواقها عبر التاريخ، يعرض فيها النخّاسون عبيدهم للبيع شأنهم شأن أيّ سلعة متداولة في السوق، وقد عرفت أقدم هذه الأسواق في بابل وسومر وعيلام وآشور ومصر ثم قامت بعد ذلك أسواق مماثلة في إسبارطة وروما وأثينا وقرطاجة. ومن الأسواق التي اشتهرت في البلدان الإسلامية في القرون الوسطى أسواق نخاسة مكة المكرمة ودمشق والقاهرة وبغداد والبصرة وسمرقند وغيرها من البلدان الإسلامية. وظلت هذه الأسواق قائمة في الدول العربية حتى عصر متأخر، كما كانت للنخاسة في العهد العثماني أسواق نخاسة مزدهرة في الأستانة (اسطنبول حاليا).*



*****



ورغم اختفاء الرقّ، كظاهرة تقليدية، في زمننا هذا، فثمة أنواع أخرى من الرقّ بدأت تظهر في صورة غير مباشرة تحت مسميات تجارية تديرها مؤسسات متخصصة، تتخذ مشروعيتها من قانون الدولة نفسه.


وقد يختلف الغرض بين تجارتي الرقّيق السود والرقّيق البيض في ضوء مستجدات اجتماعية وغايات بشريّة لا حدود لها. فلم يعد هناك مثلا رواج في الطلب على العبد الأسود اليوم بسبب تطور الخدمات والتقنية العصرية، وبالتالي الاستغناء عن الكثير من الأيدي العاملة التي حلت محلها الآلة. كما استعيض عن العبيد التقليديين بأيد عاملة من كلا الجنسين تعمل بكامل أرادتها في اختيار دور الخدمة في المنازل أو إدارة الأعمال الزراعية لقاء أجور دون الاضطرار إلى امتلاكها. على أن لتجارة الرقّيق البيض تداعياتها وأسبابها المختلفة. فكما هو ملاحظ أن لهذا النوع من التجارة انتشارا في بريطانيا وأمريكا يفوق مثيله في غيرهما من البلدان، وان المتاجرين بهم هم من مواطني دول فقيرة مثل دول أوربا الشرقية وعدد من البلدان النامية. وهناك لهذا النوع من التجارة البشريّة مؤسسات مختصة لترتيبها وتأطيرها بأطر مشروعة، وهي بذلك أي التجارة لا تقوم على الخطف أو الأسر أو الشراء، بل هي تنمو بفضل طرق غير مباشرة تقوم على الإغراء والإغواء، كعرض عقود عمل برواتب مجزية، ثم يتضح بعد القبول بالعقود والموافقة على السفر لاستكمال مهام العمل المدرجة في تلك العقود، يتضح أن الأمر في مجمله خدعة وأن حقيقته تتجلى في الاتجار باللحم البشريّ وإجباره على ممارسة البغاء الدعارة والترويج لهما. وهو أمر سبق أن تطرقت له منظمات إنسانية رسمية في أكثر مناسبة ومؤتمر وعلى أكثر من منبر، وأرفقت دراساتها بإحصائيات وأرقام علمية مرعبة تدل على عظم حجم هذه الكارثة الإنسانية.


وعلى الرغم من المساعي الكبرى التي يقوم بها عدد من الدول بهدف منع هذا النوع من التجارة، نجد أن الواقع المعاش مختلف تماما، فلم تتوقف هذه التجارة، بل أخذت تتخذ لها أشكالا تمويهية عدة تقوم على أسس قانونية تشلّ المجتمع الدولي إزاءها وتبقيه دون حراك، ما عدا ما يصدر من جهات لا حول لها ولا قوة في مناهضتها، فتكتفي بخطابات الشجب والاستنكار بعد عجزها عن اتخاذ تدابير قانونية جادة في الحد منها ظاهرة تطال بلا رادع النساء والأطفال معا.


هذا وتشير تقارير دولية اليوم إلى أن حجم الكارثة اكبر مما هو عليه. فقد أشارت وزيرة العمل الأمريكية إيلين تشاو في العام 2004 إلى أن الاتجار بالبشر عبر الحدود الدولية ربما يطال 800 ألف إنسان سنويا. وأن مجموع أرقام النخاسة إذا ما احتسبت ضمن حدود البلدان التي تنشط فيها هذه الممارسات، قد يصل بين مليونين إلى أربعة ملايين إنسان. وهناك تقدير بأنّ ما يجري التداول بهم سنويا من بشر عبر الحدود الدولية في إطار هذا الاتجار يصل بين 600 الف إلى800 ألف شخص، يدخل حوالي 17500 منهم الولايات المتحدة— استنادا لتقرير تجارة البشر للعام 2004 .ويرتفع هذا الرقّم ليصل بين مليونين وأربعة ملايين إنسان إذا ما احتسبت الأرقام المعتمدة في هذه النخاسة داخل حدود الدول.*



المصادر:


* مصدر المقال من كتاب 🙁 الرقّ .. ماضيه وحاضره ) للدكتور الباحث عبد السلام الترمانيني / المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب _ الكويت، 1979..


* ( موسوعة حضارة العالم ) للكاتب الموسوعي ( احمد محمد عوف )


* موقع مكتب برامج الإعلام الخارجي بوزارة الخارجية الأميركية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق